
قررت موسكو أن تضع يوم الخميس 15 يناير (كانون الثاني) 2026، خطًا أحمر سياسيًّا قبل أن يصبح عسكريًّا بشأن الوضع المتصاعد بشأن غرينلاند، الذي لا يمكن بحال اختزاله الآن في نقاش إعلامي عن جزيرة نائية في أقصى الشمال نادرًا ما كان أحد يسمع عنها، حتى عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مجددًا ليتحدى كل القواعد والأعراف، ويعلن إصراره -بوضوح- على امتلاكها، أو اغتصابها.
يرى الكرملين أن ما يحدث ليس مناوشات بين البيت الأبيض وبروكسل على أحقية امتلاك هذه الجزيرة؛ وإنما هو اختبار مبكر أمام موسكو لمنطق عسكرة القطب الشمالي، مصحوب بمحاولة غربية لإعادة تعريف الجغرافيا الإستراتيجية قبل أن تحسم موازين القوة في أوكرانيا.
لهذا السبب، وبعد فترة من الصمت، أو التعليقات والتصريحات التهكمية على شاكلة ما قاله دميتري ميدفيديف، الرئيس ورئيس الوزراء السابق لروسيا، ونائب رئيس مجلس الأمن الروسي حاليًا، جاء الخطاب الروسي الرسمي، الذي يمكن اعتماده الآن على أنه موقف موسكو الرسمي المعلن من هذه القضية، متماسكًا ومتدرجًا، بدأ الأربعاء 14 يناير (كانون الثاني) 2026 على لسان سفير روسيا في كوبنهاغن، واستُكمل الخميس 15 يناير (كانون الثاني) 2026 ببيان رسمي لسفارة روسيا في عاصمة القرار الأوروبي بروكسل، دون انزلاق إلى لغة التهديد أو التصعيد العسكري.
وإذا أردنا أن نعرف ما تقوله موسكو حرفيًّا، وما الذي تصمت عنه، أو لا تقوله، على الأقل حتى لحظة كتابة هذه السطور، فما علينا إلا أن نذهب إلى تصريحات السفير الروسي في الدنمارك فلاديمير باربين، ثم بيان السفارة الروسية لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، لنجد أنهما وجها رسالة واحدة واضحة تقول إن روسيا لا تطالب بغرينلاند، ولا ترى القطب الشمالي ساحة صراع صفري، لكنها في الوقت نفسه ترفض بشدة تحويل الجزيرة إلى قاعدة عسكرية أطلسية.
وفهم هذا الموقف مهم؛ فمن الناحية المنهجية، لا تتحدث موسكو عن خطوط حمراء عسكرية، كتلك التي تعلنها بقوة عند الحديث عن أوكرانيا، ولم تلمح كذلك إلى ردود قسرية، ولكنها كانت حريصة على استخدام مفردات القانون الدولي، والاستقرار الإقليمي، وغياب المبرر الأمني لأي انتشار عسكري إضافي في هذه المنطقة. وهذا ليس ضعفًا في الخطاب، ولكنه اختيار سياسي يناسب اللحظة؛ فالتصريحات الروسية لا يوجد بها أي تهديد باستخدام القوة ردًا على انتشار قوات أوروبية هناك، ولا أي مطالبة إقليمية مقابل ما يطالب به ترمب، ولا حتى تحذير مباشر. كل ما ورد فيها حتى الآن هو اعتراض سياسي وقانوني على مسار عسكرة القطب الشمالي تحت ذريعة التهديد الروسي، و”البعبع” الصيني.
وإذا انتقلنا إلى محاولة فهم أسباب رفض موسكو عسكرة غرينلاند تحديدًا، فنرى أن الجواب لا يرتبط بالجزيرة في ذاتها، ولكن بما تمثله في هندسة الأمن الأطلسي؛ لأن غرينلاند -من منظور عسكري بحت- ليست جزيرة هامشية بحال من الأحوال؛ ولكنها عقدة إستراتيجية في منظومة الإنذار المبكر، والتحكم في المجالين الجوي والبحري في شمال الأطلسي؛ وبذلك فإن أي وجود عسكري ناتوي دائم أو متقدم هناك يعني -تلقائيًّا وعمليًّا أولًا- إدخال الجزيرة في منظومة عمليات حلف شمال الأطلسي، وثانيًا، ربطها بأنظمة رادار ودفاع جوي، وربما مستقبلًا صواريخ بعيدة المدى؛ ومن ثم تحويل القطب الشمالي من مساحة وفضاء تنافس اقتصادي وبارد إلى ساحة تماس مباشر. وهذا -بلا شك- لا يمكن لموسكو -من واقع فهمي لمخاوفها- أن تقرأه إلا بوصفه نقلة نوعية في إطار التصعيد الجاري مع حلف الأطلسي، وهذا -بلا جدال- لا يمكن النظر إليه بوصفه إجراءً دفاعيًّا عاديًّا؛ ولذلك يعلو صوت موسكو الآن مبكرًا لرفضه في مراحله الأولى، وإن كان الرفض سياسيًّا، قبل أن يتحول إلى واقع عسكري يصعب تفكيكه، وستكون مضطرة إلى توجيه الجهد للتعامل معه.
وهنا نعود إلى الخطاب الروسي مجددًا، وخصوصًا بيان السفارة في بروكسل، الذي يلمح بوضوح إلى أن الحديث عن التهديد الروسي يُستخدَم ذريعة. والسؤال الذي تطرحه موسكو ضمنيًّا في هذا السياق: إذا كانت روسيا لا تهدد الدنمارك ولا الولايات المتحدة، ولا تطالب بأراضٍ في القطب الشمالي، فلماذا عسكرة الجزيرة الآن؟
والإجابة عنه وجدتها فيما تقوله صحف روسية كبرى، مثل “غازيتا رو”، و”فزغلياد”، وتقوم على فرضية واحدة -وإن بتعبيرات مختلفة- وهي أن الغرب يبحث عن ساحات ضغط جديدة على روسيا تكون منخفضة الكلفة السياسية، بعد أن تحولت أوكرانيا إلى ملف استنزاف طويل بلا حسم سريع. وهي إجابة وجيهة في اعتقادي -من واقع فهمي للعقل السياسي الروسي- لأن غرينلاند من هذا المنظور ليست هدفًا في ذاتها؛ بل هي أداة ضغط غير مباشرة، ورسالة إستراتيجية لروسيا بأن الطوق يمكن يشتد عليها من الشمال أيضًا.
وفي هذا السياق، قد يبدو تكرار موسكو والكرملين لنفي النيات، ونفي الطموحات، ونفي التهديد، زائدًا على الحاجة، لكنه في الواقع يخدم ثلاث وظائف مهمة ودقيقة:
أولًا: سحب الذريعة السياسية، بمعنى أنه إذا انتفت النية الروسية المعلنة، يصبح تبرير العسكرة الغربية أضعف.
ثانيًا: تحميل المسؤولية عن أي تصعيد لاحق على الغرب؛ لأنه في هذه الحالة سيكون بمبادرة غربية، وليس رد فعل.
وثالثًا: طمأنة الفاعلين غير الغربيين، وأقصد بذلك أن روسيا تخاطب بهذا الخطاب أيضًا دول الجنوب العالمي والفاعلين الآسيويين لتأكيد أنها ليست قوة توسعية في منطقة القطب الشمالي. فهذا الخطاب الروسي -بلا شك- ليس موجهًا إلى واشنطن وحدها؛ بل إلى بكين ونيودلهي، وإلى البيئة الدولية الأوسع.
ومن هنا أيضًا أقول إن ملف غرينلاند لا يمكن قراءته بمعزل عن الحرب في أوكرانيا؛ لأن موسكو تنظر إلى هذا المشهد كالتالي: الغرب يرفع سقف الضغوط العسكرية والسياسية في أوكرانيا، وفي الوقت نفسه يبدأ بتوسيع جغرافي لمنطق الردع ليشمل مساحات جديدة. وهذا هو عين ما تخشاه موسكو والكرملين وبوتين -حسبما أفهم- أي تعميم نموذج أوكرانيا، ليس كحرب، ولكن كمنطق؛ بمعنى تبني نفس الخطوات، وبنفس التسلسل والترتيب، للوصول إلى النتيجة ذاتها: عسكرة، ثم احتواء، ثم تثبيت واقع جديد؛ ومن هنا يأتي الحرص الروسي على منع “أوكرنة” القطب الشمالي منذ البداية، وتحويل حالة أوكرانيا إلى نموذج.
والخوف الروسي فيما يتعلق بعسكرة القطب الشمالي يأتي كذلك -في رأيي- من أن القطب الشمالي هو آخر مساحة ما زالت محكومة بقواعد ضبط غير مكتوبة بين القوى الكبرى والفاعلة هناك، وأي اختراق لها سوف يسقط هذه القواعد.
وعسكرة غرينلاند سوف تنتج -بلا شك- سلسلة تفاعلات تبدأ بسباق تموضع عسكري، تليه إعادة توزيع للقوات، ومن ثم زيادة وارتفاع أخطار الحوادث، وإن كانت غير مقصودة. وتاريخ الحروب الكبرى خلال القرن الماضي -كما يخبرنا مؤرخوها- يقول إنها بدأت بحوادث غير مقصودة.
وإجمالًا أقول إن الموقف الروسي في اللحظة الراهنة يقول إن موسكو لا تريد صدامًا بشأن غرينلاند؛ فيكفيها ما هي فيه، لكنها في الوقت نفسه ترفض الصمت الذي قد يُفسَّر على أنه قبول ضمني. ومع ذلك، أعتقد أن التحرك الروسي الحالي هو تحذير سياسي مبكر، لا أكثر ولا أقل، لكن إذا تم تجاهل هذا التحذير، واستُكمِلَ مسار العسكرة، فستكون موسكو مضطرة إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة من إعادة الحسابات، وليس بالضرورة عسكريًّا في البداية.
غرينلاند في الخطاب الروسي اليوم ليست هدفًا، ولكنها مرآة.. مرآة تكشف كيف يفكر الغرب لما بعد أوكرانيا، وكيف يحاول توسيع رقعة الضغط دون الدخول في مواجهة مباشرة نجح حتى الآن في تجنبها في ساحة أوكرانيا.
والكرملين يرد اليوم قائلًا: لسنا طرفًا في سباق على الجزيرة، لكننا لن نقبل بتحويل القطب الشمالي إلى مسرح لعمليات صراع جديد.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير