
مع دخول عام 2026، يقف العالم على أعتاب تحولات جذرية في السياسة الدولية غير مسبوقة منذ عقود؛ فقد أخذ توازن القوى العالمي بالتحول تدريجيًّا مع صعود منافسين جدد، وتراجع الهيمنة الأحادية، وبات المشهد الدولي أكثر تعقيدًا وتعددًا. وفي موازاة ذلك، تظهر قوى إقليمية صاعدة تؤثر في صنع القرار الدولي، وتستعر نزاعات جيوسياسية في عدة مناطق ساخنة، كما يعيد التقدم السريع في التكنولوجيا وتفاقم التغير المناخي تشكيل أولويات الدول وتحالفاتها. وتتقاطع في هذه التحولات الأبعاد السياسية والاقتصادية مع التقنية والبيئية، مما يجعل فهمها ضروريًّا لصناع القرار في العالم. في هذا المقال نستعرض أبرز هذه التحولات عام 2026 بالتحليل والتفصيل؛ لفهم دلالاتها على مستقبل العلاقات الدولية.
شهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة تحولًا من أحادية القطبية إلى درجة أكبر من التعددية القطبية. الولايات المتحدة لا تزال القوة الأكبر عالميًّا، لكنها تواجه اليوم منافسة حادة من الصين الصاعدة اقتصاديًّا وتقنيًّا وعسكريًّا. هذا التنافس الأمريكي- الصيني أصبح المحرك الرئيس للعلاقات الدولية، حيث يتواجه العملاقان في سباق على التكنولوجيا والتجارة وكسب الحلفاء في مختلف أنحاء العالم. وفي أوروبا، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز استقلاليته الإستراتيجية مستفيدًا من قوته الاقتصادية، ووحدته الدبلوماسية، خصوصًا بعد صدمة الحرب في أوكرانيا التي دفعته إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتوحيد الصفوف ضد التهديدات. أما روسيا، فرغم تراجعها الاقتصادي وعزلتها النسبية بسبب العقوبات، فتظل لاعبًا عسكريًّا محوريًّا لا يمكن تجاهله. لقد تحدت موسكو الوضع القائم بشنها حربًا على أوكرانيا، مما أعاد أجواء المواجهة مع الغرب. وفي خضم هذا التنافس، تحاول دول أخرى انتهاج سياسة الموازنة وعدم الانحياز لتعظيم مكاسبها وحماية مصالحها، لكنها وجدت نفسها أيضًا أكثر اعتمادًا على الصين، وأضعف مما كانت تتصور. المحصلة هي مشهد دولي تتقاسم التأثير فيه عدة قوى كبرى بدلًا من هيمنة طرف واحد؛ ما يخلق منافسة مفتوحة، وأحيانًا فراغات في إدارة القضايا العالمية.
إلى جانب القوى العظمى التقليدية، برزت في الفترة الأخيرة قوى إقليمية جديدة تؤدي دورًا متناميًا على الساحة الدولية. تأتي الهند في مقدمة هذه القوى الصاعدة؛ فهي صاحبة أكبر تعداد سكاني واقتصاد سريع النمو، وتنتهج سياسة خارجية متوازنة تجمع بين التعاون مع الغرب (مثل مشاركتها في تحالفات كـالرباعي الأمني) والحفاظ على شراكات قوية مع روسيا والصين ضمن أطر مثل البريكس. كذلك رسخت البرازيل مكانتها بوصفها قائدة إقليمية في أمريكا اللاتينية وصوتًا مؤثرًا في قضايا المناخ والتنمية العالمية، وسعت عبر منابر كبرى، كمجموعة العشرين، إلى الدفاع عن مصالح الدول النامية. كما تطالب هذه القوى بإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، كمجلس الأمن الدولي، والمؤسسات المالية الدولية، بما يمنحها صوتًا أقوى في صنع القرارات الدولية. أما تركيا فقد عززت حضورها الإقليمي مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد، فهي عضو في الناتو، لكنها تنتهج استقلالية نسبية في سياساتها الخارجية، وهو ما مكّنها من أداء أدوار وساطة في نزاعات مثل أوكرانيا وسوريا، ومن زيادة تأثيرها في الشرق الأوسط والقوقاز. إن صعود هذه القوى وغيرها (كإندونيسيا، وجنوب إفريقيا، ودول الخليج) جعل النظام الدولي أكثر تعددية، وفرض على القوى الكبرى مراعاة مصالح اللاعبين الجدد الذين بات لهم ثقل في صياغة الأجندة الدولية.
تمر منطقة الشرق الاوسط بتحول في تحالفاتها التقليدية وسط انحسار نسبي للدور الأمريكي المباشر. شهدت السنوات الأخيرة تقاربًا بين خصوم إقليميين مثل السعودية وإيران من خلال استئناف العلاقات بينهما (في خطوة تمت بوساطة صينية مفاجئة)، مما خفف حدة صراعات بالوكالة كالحرب في اليمن. وفي المقابل، تعثرت جهود تطبيع العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية بعد تجدد التوتر الفلسطيني- الإسرائيلي، حيث أدى التصعيد في غزة والضفة الغربية إلى فتور في الحماسة الإقليمية للتقارب مع تل أبيب. برز أيضًا دور تركيا بوصفها لاعبًا إقليميًّا يسد جزئيًّا الفراغ، من خلال انخراطها المتزايد في قضايا سوريا وليبيا، ونفوذها المتصاعد في المشرق. إجمالًا، يعاد تشكيل التوازن في الشرق الأوسط بتسويات وتحالفات جديدة بين القوى الإقليمية، في ظل تراجع الهيمنة الخارجية الأحادية.
في أوروبا الشرقية يبقى الصراع في أوكرانيا أبرز النزاعات المشتعلة دوليًّا، وقد أعاد أجواء المواجهة بين روسيا والغرب على نحو غير مشهود منذ عقود. وحّد حلف الناتو صفوفه بتوسيع عضويته وتعزيز دفاعاته على حدوده الشرقية، في حين تجد روسيا نفسها في حرب استنزاف طويلة تحت وطأة عقوبات اقتصادية قاسية. أدى هذا النزاع إلى اضطراب في أسواق الطاقة والغذاء عالميًّا، وفرض على أوروبا إعادة تقييم سياساتها الأمنية والاقتصادية. زاد الإنفاق العسكري الأوروبي وبرزت مخاوف من التلويح بالأسلحة النووية، ما أكد أن حقبة ما بعد الحرب الباردة انتهت لتحل محلها مرحلة تنافس وأخطار جديدة.
منطقة المحيطين الهندي والهادئ أصبحت مسرحًا رئيسًا للتنافس بين القوى الكبرى. تسعى الصين إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي من خلال فرض أمر واقع في بحر الصين الجنوبي وتكثيف الضغوط على تايوان، فيما تؤكد الولايات المتحدة وحلفاؤها، كاليابان وأستراليا والهند، التزامهم بمنع أي تغيير أحادي بالقوة في تلك المنطقة الحيوية. دفعت هذه التوترات إلى قيام تحالفات أمنية أوثق، مثل تعزيز التعاون ضمن الرباعي الأمني، واتفاق AUKUS، وكذلك إلى سباق تسلح وتوثيق الشراكات العسكرية بين دول آسيوية كثيرة. وفي الوقت نفسه، تستمر كوريا الشمالية في تجاربها الصاروخية والنووية، مما يؤجج التوتر في شرق آسيا ويضيف تحديًا أمنيًّا آخر في المنطقة. غدت هذه المنطقة نقطة ارتكاز للنظام الدولي الجديد، إذ سيتحدد هناك ميزان القوى العالمي في المستقبل المنظور.
بات التطور التكنولوجي عاملًا محوريًّا في تعزيز مكانة الدول أو إضعافها. يشهد عام 2026 استمرار السباق في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة بين الولايات المتحدة والصين على نحو خاص، إذ تدرك القوى الكبرى أن التفوق في هذه المجالات يعني هيمنة اقتصادية وعسكرية. لقد أصبحت التقنيات الرقمية ساحة تنافس عالمي مشحون، من قيود تصدير أشباه الموصلات إلى سباق تطوير شبكات الاتصالات والقدرات السيبرانية. على سبيل المثال، أدت الطائرات المُسيّرة وأنظمة القتال المعتمدة على الذكاء الاصطناعي دورًا بارزًا في صراعات حديثة، مما يبرهن على أهمية التفوق التقني في ميدان المعركة. إلى جانب ذلك، بدأ التحول إلى الطاقة المتجددة يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للطاقة؛ فالدول التي تتصدر تكنولوجيا البطاريات والسيارات الكهربائية والطاقة النظيفة سترسخ نفوذها المستقبلي، في حين يواجه كبار منتجي النفط تحدي التكيف مع عصر ما بعد الوقود الأحفوري. عامةً، أضحت القدرة على الابتكار وحماية الفضاء الإلكتروني جزءًا لا يتجزأ من قوة الدولة الشاملة ومكانتها الدولية. ورغم هذا السباق المحموم، لا تزال قواعد الحوكمة الدولية متأخرة عن مواكبة التطور التقني؛ فلا يوجد إجماع بعد على تنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي، أو منع تحول الفضاء الإلكتروني إلى ميدان مواجهة منفلت، مما يثير تساؤلات عن جاهزية العالم لضبط تبعات الثورة التكنولوجية.
ألقى التغير المناخي بظلاله بقوة على سياسات الدول عام 2026، إذ لم يعد مجرد قضية بيئية، بل تحول إلى عامل يؤثر في الأمن القومي والاستقرار العالمي. فمن جهة، أدركت الدول حاجتها للتكاتف من خلال اتفاقيات جماعية لمواجهة ظاهرة الاحترار العالمي، والحد من الكوارث المناخية المتفاقمة، وقد تجلى ذلك في مؤتمرات المناخ الأخيرة التي شهدت تعهدات بخفض الانبعاثات، وإنشاء صناديق لدعم الدول الأكثر تضررًا. لكن من جهة أخرى، برزت انقسامات بين العالم المتقدم والنامي بشأن مسؤوليات كل طرف؛ فالدول النامية تطالب بتحقيق عدالة مناخية تجعل الدول الصناعية التي راكمت الانبعاثات تاريخيًّا تتحمل النصيب الأكبر من خفضها، وتمويل التحول الأخضر. كما تسببت سياسات بيئية أحادية (مثل فرض ضرائب الكربون على الواردات) في توترات تجارية بين بعض الدول. وبات مدى التزام كل دولة بخفض الانبعاثات والتكيف المناخي يؤثر حتى في سمعتها الدولية وعلاقاتها الدبلوماسية، حيث تنال الدول المبادرة إشادة وثقة أكبر، فيما تواجه الدول المتقاعسة ضغوطًا وانتقادات متزايدة. إضافة إلى ذلك، أدى تفاقم الكوارث الطبيعية من فيضانات عارمة وحرائق غابات إلى موجات جفاف شديدة إلى موجات نزوح وعدم استقرار في مناطق هشة، مما أكد أن المناخ بات عاملًا مضاعفًا للأخطار والصراعات. في المحصلة، سيشكل مدى نجاح المجتمع الدولي في التعاون لمواجهة التغير المناخي اختبارًا حاسمًا لقدرة النظام العالمي على الاتحاد أمام تحدٍ يتجاوز حدود الدول.
يعد عام 2026 عامًا مفصليًّا تتشكل فيه ملامح نظام دولي جديد بفعل التحولات الكبرى المذكورة، فانتقال ميزان القوة نحو التعدد، وصعود فاعلين جدد، واحتدام التنافس في ميادين الاقتصاد والتكنولوجيا، وتشابك المصالح في ظل الأخطار العالمية المشتركة، كلها عوامل تضع العالم أمام مفترق طرق. قد تحمل هذه التحولات فرصًا لبناء نظام أكثر توازنًا وشمولًا إذا أحسنت الدول إدارة المنافسة وتفعيل التعاون حيثما أمكن، ولكنها أيضًا تنطوي على خطر حدوث اضطرابات وصراعات أوسع إن غابت الحكمة السياسية. إن الطريقة التي سيتعامل بها المجتمع الدولي مع تحديات 2026 سوف ترسم اتجاه العقود المقبلة: إما ترسيخ معالم حقبة جديدة أكثر استقرارًا تقوم على تعددية الأطراف والتفاهم المتبادل، وإما الدخول في مرحلة مضطربة تتسم بتنافس شرس وفوضى في إدارة الشؤون العالمية. وفي كل الأحوال، سيذكر التاريخ عام 2026 بوصفه عام التحولات الكبيرة التي أعادت صياغة قواعد اللعبة في السياسة الدولية. ويبقى الأمل معقودًا على أن تقود دروس هذه التحولات إلى حقبة أكثر أمنًا وازدهارًا للبشرية جمعاء.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير