أبحاث ودراسات

الاحتجاجات الإيرانية بوصفها متغيرًا إستراتيجيًّا في معادلة البقاء السياسي

طهران على حافة اللا يقين


  • 10 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: cfr.org

 تشهد الجمهورية الإسلامية موجة متجددة من الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية من نهاية عام 2025، تأتي في سياق تراكمي ممتد منذ ما يزيد على عقد من الزمن، وتحديدًا منذ احتجاجات 2009، مرورًا بموجات 2017- 2019، ثم احتجاجات ما بعد 2022، وصولًا إلى الحراك الحالي، الذي لا يمثل حدثًا عابرًا أو ظاهرة ظرفية، بل يعكس اختلالات بنيوية عميقة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي قدرة النظام الإيراني على إنتاج الشرعية والحفاظ على التماسك الاجتماعي في ظل ضغوط اقتصادية خانقة، وتحديات إقليمية ودولية متصاعدة ترتبط بالدعم الأمريكي لإسقاط النظام، والتلويح الإسرائيلي بشن هجمات جديدة على الجمهورية الإسلامية، وانهيار المفاوضات بشأن البرنامج النووي، وتآكل قوى محور المقاومة في سوريا والعراق ولبنان، والتطويق الأخير للحوثيين في اليمن؛ ما يطرح جملة من الأسئلة الاستشرافية المحورية التي تتجاوز توصيف الحدث إلى تفكيك مساراته المحتملة، وانعكاساته البعيدة المدى، وفي مقدمتها: إلى أي مدى تمتلك هذه الاحتجاجات القدرة على الاستمرارية والتوسع الجغرافي والاجتماعي في ظل القمع الأمني وأدوات الاحتواء السياسية والاقتصادية؟ وهل تشهد المرحلة القادمة انتقال الحراك من مطالب معيشية مباشرة إلى سردية سياسية أكثر تماسكًا قادرة على تحدي شرعية النظام أو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع؟ كما يبرز تساؤل جوهري عن سلوك النخبة الحاكمة: هل ستلجأ إلى مزيج من الإصلاحات الشكلية والتنازلات المحدودة، أم إلى تشديد القبضة الأمنية بوصفه خيارًا أقل كلفة على المدى القصير؟ وفي السياق الأوسع، يُطرح سؤال عن مدى تأثر مسار الاحتجاجات بـالتفاعلات الإقليمية والدولية، ويبقى التساؤل الأهم متعلقًا بقدرة هذه الاحتجاجات على التحول من حالة ضغط ظرفية إلى مسار تراكمي يُعيد تشكيل معادلة الاستقرار السياسي في المرحلة المقبلة.

الخلفية البنيوية للاحتجاجات الإيرانية

ينتمي النظام الإيراني إلى فئة النظم السلطوية ذات الطابع الأيديولوجي الثيوقراطي، حيث تتداخل الشرعية الثورية والدينية مع آليات الدولة الحديثة. في هذا النوع من النظم، لا يُقاس الاستقرار بقدرة النظام على القمع، بل أيضًا بقدرته على إنتاج سردية أيديولوجية جامعة، وتوفير حد أدنى من الرفاه الاقتصادي، وضبط التوازنات داخل النخبة الحاكمة، حيث تشير الأدبيات المقارنة إلى أن الاحتجاجات في النظم السلطوية لا تؤدي بالضرورة إلى التغيير السياسي المباشر، لكنها تمثل مؤشرات إنذار مبكر على تآكل الشرعية، وتراجع القدرة على الضبط الاجتماعي، وفي الحالة الإيرانية، تتسم الاحتجاجات بطابع دوري متكرر؛ ما يعكس فشل الحلول المؤقتة في معالجة الأسباب البنيوية للأزمة.

ولعل أبرز تلك الأزمات البنيوية الراهنة تتمثل في الاقتصاد الإيراني الذي يعاني أزمة مركبة، ناتجة عن تفاعل ثلاثة عوامل رئيسة؛ العقوبات الدولية، وسوء الإدارة الاقتصادية، وبنية الاقتصاد الريعي المرتبط بالمؤسسات العسكرية وشبه الحكومية، فقد أدت العقوبات إلى تراجع عائدات النفط، وانخفاض الاحتياطي من العملات الصعبة، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة؛ ما انعكس مباشرة على معيشة المواطنين. كما أسهمت هيمنة الحرس الثوري والمؤسسات التابعة له على قطاعات واسعة من الاقتصاد في إضعاف القطاع الخاص، وتقويض فرص التنمية المستدامة، وتعميق الفجوة الطبقية، وتشير التقديرات إلى أن الطبقة المتوسطة، التي كانت تاريخيًّا صمام أمان للاستقرار الاجتماعي، تتعرض لتآكل مستمر؛ ما يدفعها إلى الانخراط في الاحتجاجات بدلًا من أداء دور الوسيط بين الدولة والمجتمع.

لكن القراءة الإستراتيجية تؤكد أن المسبب الاقتصادي لا يعمل بمعزل؛ بل هو مسرع لغضب اجتماعي متراكم، فقد انتقل الإحباط من كونه أزمة معيشية إلى كونه أزمة عدالة توزيعية، حيث باتت قطاعات عريضة من المجتمع ترى أن كلفة الأزمات تُحمّل للمواطن، في حين تُستثنى شبكات النفوذ المرتبطة بمراكز القوى داخل الدولة، وفي هذا السياق تكشف الاحتجاجات الحالية بوضوح عن تصاعد أزمة الشرعية داخل النظام السياسي الإيراني، إذ لم تعد مؤسسات الدولة -سواء المنتخبة أو غير المنتخبة- قادرة على إقناع الشارع بجدوى الإصلاح من الداخل، حيث تشير الشعارات وأنماط الاحتجاج إلى تراجع فعالية الخطاب الأيديولوجي التقليدي في حشد التأييد، مقابل تصاعد خطاب نقدي يحمّل بنية الحكم نفسها مسؤولية الجمود السياسي، ما يعكس انتقال الاحتجاج من مستوى الضغط على السياسات إلى مستوى الطعن في قواعد اللعبة السياسية في الجمهورية الإسلامية.

وتمثل الأجيال الشابة عنصرًا مركزيًّا في الاحتجاجات الراهنة، ليس فقط من حيث العدد؛ بل من حيث طبيعة الخطاب والسلوك الاحتجاجي، حيث لم تعد المرجعيات الثورية أو الدينية قادرة على ضبط التوقعات الاجتماعية، خاصة في ظل تعزيز الفضاء الرقمي لهذا التحول، إذ أتاح للشباب أدوات للتعبئة والتنظيم، وتداول السرديات البديلة؛ ما أضعف احتكار الدولة للمعلومة والرواية، وخلق وعيًا سياسيًّا أكثر راديكالية، وأقل قابلية للاحتواء، سواء عن طريق القمع الأمني السريع، أو من خلال التنازلات الاقتصادية المحدودة، فالقمع بات يفاقم الغضب، في حين لم تعد الإصلاحات الجزئية قادرة على استعادة الثقة، ما  يشير إلى دخول النظام مرحلة إدارة أزمة مفتوحة، حيث تتقلص خياراته بين تشديد القبضة الأمنية أو القبول بتنازلات قد تمس توازنات داخلية حساسة.

ديناميات الاحتجاجات الحالية

تُعد الاحتجاجات الإيرانية الراهنة تعبيرًا عن أزمة معقدة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا يمكن فهمها بوصفها رد فعل ظرفيًّا على حدث بعينه، فهي نتيجة تراكمية لفشل سياسات إدارة الأزمات داخل النظام، حيث تحولت الضغوط المؤقتة إلى اختلالات هيكلية في علاقة الدولة بالمجتمع، ويكشف تزامن الاحتجاجات مع تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار العقوبات الدولية عن هشاشة متزايدة في قدرة النظام على عزل الداخل عن الخارج؛ ما يجعل التظاهرات الحالية تحمل عدة سمات نوعية تميزها عن موجات سابقة، حيث تُظهر الاحتجاجات أنها لم تعد مجرد موجة  تقليدية مرتبطة بمطلب اقتصادي أو حادث سياسي محدد؛ بل تحولت إلى ظاهرة إستراتيجية تعكس اختلالات بنيوية في منظومة الحكم وإدارة المجتمع، وتكشف عن انتقال إيران إلى مرحلة الاحتجاج الدوري المتجدد، حيث تتراجع قدرة الدولة على إعادة إنتاج الاستقرار طويل الأمد، ويصبح الاحتجاج جزءًا من المشهد السياسي المستدام لا الاستثنائي.

 من أبرز خصائص الاحتجاجات الراهنة أنها لا تستند إلى دافع محوري واحد؛ بل إلى تراكم طويل للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهذا الطابع التراكمي يعكس فشل أدوات التفريغ المرحلي للغضب الشعبي، ويشير إلى أن المجتمع الإيراني لم يعد ينتظر صدمة بعينها للاحتجاج؛ بل بات يتفاعل مع واقع ضاغط دائم، ما يشير إلى أن التظاهرات أقل قابلية للاحتواء السريع، وأكثر استعدادًا للعودة بأشكال مختلفة، كما تتسم الاحتجاجات الحالية بامتدادها الأفقي من خلال فئات اجتماعية متعددة، تشمل التجار، والطلاب، والطبقة الوسطى، وشرائح من الفئات الهشة، إلى جانب اتساعها الجغرافي بين العاصمة ومدن الأطراف، وتكمن دلالة هذه السمة في كسر النمط التقليدي الذي حصر الاحتجاجات السابقة في فئات أو مناطق بعينها؛ ما يعكس تآكل القواعد الاجتماعية الداعمة للاستقرار، ويحد قدرة النظام على عزل الاحتجاجات، أو توصيفها حركات هامشية.

بالإضافة إلى هذا، تكشف الشعارات وأنماط التعبئة أن الخطاب الاحتجاجي لم يعد يقتصر على المطالب الاقتصادية المباشرة، بل بات يتجه نحو نقد بنية الحكم وأولويات الدولة، ويمثل هذا التحول دلالة إستراتيجية بالغة الأهمية، إذ يعكس انتقال المحتجين من منطق تصحيح السياسات إلى منطق مراجعة النموذج الحاكم؛ ما يعني تراجع فعالية الخطاب الرسمي القائم على تحميل الخارج مسؤولية الأزمات، مقابل تحميل الداخل بمؤسساته المختلفة العبء الأكبر من المسؤولية.

ولعل المشاركة المكثفة من الأجيال الشابة، خاصة جيل z، جعلت الاحتجاجات تتميز بأنماط مرنة وسريعة الحركة، وأقل خضوعًا للتنظيمات التقليدية، وهذه السمة تقلص قدرة الأجهزة الأمنية على تفكيك الحراك من خلال استهداف قياداته؛ لكونه حراكًا أفقيًّا لا هرميًّا، ما يعكس تحولًا في طبيعة التهديد الداخلي، من حركات منظمة يمكن احتواؤها، إلى ديناميات اجتماعية يصعب ضبطها أو التنبؤ بمساراتها، ما جعل النظام الإيراني يتردد بين اللجوء إلى القمع الأمني وتقديم إشارات محدودة للحوار أو الإصلاح، وهذا التذبذب يشير إلى إدراك رسمي لخطورة التصعيد، لكنه في الوقت نفسه يفضح غياب رؤية شاملة لمعالجة جذور الأزمة، ما يُبقي باب الاحتجاج مفتوحًا على سيناريوهات أكثر تصادمًا.

ولم تقتصر مظاهر دعم الاحتجاجات الإيرانية الحالية على المواقف السياسية الرسمية للدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا، وإسرائيل، بل شملت أيضًا دعمًا بارزًا من المعارضة الإيرانية في الخارج، أبرزهم رضا بهلوي، ابن شاه إيران السابق، فضلًا عن شرائح واسعة من الشتات الإيراني في الولايات المتحدة وأوروبا. وبالإضافة إلى ذلك، أصدرت بعض الأحزاب الكردية الإيرانية المقيمة خارج البلاد بيانات دعم صريحة للاحتجاجات، مشددة على ضرورة استجابة النظام لمطالب المواطنين، ووقف سياسات القمع والإهمال الاقتصادي.

 مستقبل الاحتجاجات الإيرانية

يثير ما سبق عدة تكهنات بشأن مآلات التظاهرات الإيرانية الحالية تتضح ملامحها فيما يلي:

 السيناريو الأول: التوسع والتمدد الداخلي مع تصاعد الضغوط على النظام: يفترض هذا السيناريو استمرار الاحتجاجات الإيرانية في التوسع الجغرافي والاجتماعي، مع امتدادها إلى قطاعات جديدة من المجتمع، ومنها المدن الصغيرة، والمناطق الريفية التي كانت إلى حد بعيد خارج دائرة التأثر المباشر سابقًا، ويعكس هذا النموذج استمرار الضغط الاقتصادي والاجتماعي، في ظل غياب إصلاحات جوهرية، أو آليات احتواء فعالة، وفي هذا السيناريو سيجد النظام نفسه أمام معضلة مزدوجة؛ إدارة الاحتجاجات داخليًّا دون السماح بانفلات الأوضاع، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قدرته على النفوذ الإقليمي من خلال محور المقاومة، بما في ذلك الدعم السياسي والعسكري للحوثيين في اليمن، خاصة في ظل التطورات الأخيرة بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والقدرة على دعم وكلاء النظام في لبنان وسوريا في ظل التحركات الإسرائيلية الهادفة إلى القضاء عليهم تمامًا؛ لذا يحمل هذا السيناريو أخطارًا عالية لحدوث اضطرابات مستمرة مع احتمالية تفاقم الانقسامات داخل النخبة الحاكمة، ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل دوائر النفوذ في النظام على المدى المتوسط.

السيناريو الثاني: الاحتواء الجزئي، مع تعديل الأولويات الداخلية والخارجية: يتسم هذا السيناريو بمحاولة النظام الإيراني فرض احتواء جزئي على الاحتجاجات من خلال مزيج من القمع الأمني المحدود، والإشارات الإصلاحية الرمزية، والتحكم الإعلامي، مع إبقاء القطاعات الأكثر استقرارًا خارج دائرة المواجهة، وفي الوقت نفسه، قد يُعاد توجيه الموارد الإيرانية على نحو أكثر إستراتيجية لتعزيز الأولويات الإقليمية الأكثر حساسية، مثل تثبيت النفوذ عن طريق الحوثيين في اليمن، أو الحفاظ على قواعد النفوذ في العراق ولبنان، مع تخفيض الدعم المباشر أو التدخل المكثف في حالات الصراع الأقل تأثيرًا على الأمن القومي الإيراني. يتيح هذا السيناريو للنظام تحقيق تهدئة نسبية في الداخل، مع استمرار أدائه دورًا إقليميًّا محدودًا، لكنه يظل هشًا أمام أي صدمات اقتصادية أو سياسية جديدة قد تُعيد الحراك الشعبي إلى دائرة التصعيد، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية على النظام الإيراني، والتلويح باستعادة الهجمات المتبادلة بين تل أبيب وطهران.

السيناريو الثالث: تحول الاحتجاجات إلى أزمة مفتوحة: في هذا السيناريو يؤدي استمرار التدهور الاقتصادي، إلى جانب فشل أدوات الاحتواء التقليدية، إلى تصعيد الاحتجاجات إلى شكل أزمة مفتوحة تشمل المدن الكبرى والمناطق الريفية، وتتحول إلى تحركات شبابية متلاحمة مع قطاعات من الطبقة الوسطى المتضررة اقتصاديًّا،  ما يضع النظام أمام اختيارات صعبة؛ إما تصعيد القمع تصعيدًا شاملًا، مع خطر تفجير صراع داخلي أوسع، أو تقديم تنازلات جوهرية قد تؤدي إلى إعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام. وعلى الصعيد الإقليمي، سيؤثر هذا السيناريو مباشرة في قدرة إيران على دعم وكلائها، ومنهم الحوثيون في اليمن، ويدفع بعض القوى الإقليمية والدولية إلى استغلال الفراغ النسبي لتعزيز مصالحها.

استنادًا  إلى ما سبق، يمكننا القول إن الاحتجاجات الإيرانية الحالية تمثل تعبيرًا عن أزمة بنيوية عميقة في نموذج الحكم الإيراني، أكثر من كونها موجة غضب عابرة، حيث تعكس مقاربة النظام الإيراني في مواجهة الاحتجاجات الحالية نموذجًا كلاسيكيًّا لإدارة الأزمات السلطوية، يقوم على مزيج من القمع، والردع القانوني، والتحكم الإعلامي، والاحتواء الجزئي، غير أن الخصائص الجديدة للاحتجاجات -من حيث اتساعها الاجتماعي وطابعها التراكمي- تجعل هذه الأدوات أقل فاعلية مما كانت عليه سابقًا؛ ومن ثم فإن استمرار الاعتماد على هذه المقاربة دون مراجعة بنيوية يضع النظام أمام معادلة استنزاف طويلة، تُبقي الاحتجاجات قائمة بوصفها تهديدًا إستراتيجيًّا مزمنًا، حتى وإن تم احتواؤها مرحليًّا، خاصة في ظل استمرار التدهور الاقتصادي، وتآكل الشرعية الاجتماعية، والضغوط الإقليمية والدولية؛ ما ينذر بدورات احتجاجية متكررة وأكثر تعقيدًا في المستقبل. وفي ظل هذا الواقع، يُرجح أن تبقى إيران عالقة في حلقة مفرغة من الاحتجاج والاحتواء، بما يحمله ذلك من تداعيات داخلية وإقليمية بعيدة المدى.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع