
سرّبت وكالة “رويترز” مساء الجمعة، 23 يناير (كانون الثاني) 2026، خبرًا قالت فيه إن ما يسمى بصيغة “أنكوريج” هي الإطار التفاوضي الذي اتفق عليه بوتين وترمب، ووفقًا له انطلقت مفاوضات أبو ظبي بين وفود روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة.
وباختصار، صيغة أنكوريج، أو “روح أنكوريج”، كما كان يروق وزير الخارجية الروسي تسميتها -حسب فهمي لها من التصور الروسي المبني على التصريحات الرسمية ذات الصلة- تنص على سيطرة روسية كاملة على منطقة الدونباس، التي تضم مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك في حدودهما الإدارية لعام 2014، مع تجميد خط الجبهة الحالي في باقي مناطق القتال في زابوروجيا وخيرسون وخاركوف وسومي ودنيبروبتروفسك، وكلها مناطق تشهد معارك برية.
مع الأخذ في الحسبان أن مفاوضات أبو ظبي ظهرت فجأة على خريطة مسار التسوية الأوكرانية في أعقاب صولات منتدى “دافوس” الذي تحول هذا العام من منتدى اقتصادي إلى جيوسياسي بامتياز بفضل “الون مان شو” دونالد ترمب ومبادراته وخطاباته وأطروحاته، فإن تلك المفاوضات تأتي في ضوء ارتباك غربي واضح تجاه ما كان يسميه الأوروبيون “النصر” الأوكراني المحتوم، بعد ما بدا جوهر المقاربة الأمريكية لإعادة هندسة مسار التسوية بعيدًا عن الشعارات القصوى التي سادت في الخطاب الغربي منذ عام 2022.
وفي هذا الخلفية يأتي تسريب رويترز عن صيغة أنكوريج ليعكس انتقال الصراع الأوكراني من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة الاختبار الفعلي الحقيقي لشروط الخروج منها.
وفي هذا السياق، لا شك أن السؤال الجوهري الذي يتبادر إلى الذهن ليس ما إذا كانت هذه الصيغة موجودة فعلًا واتُّفِقَ عليها بين بوتين وترمب في ألاسكا أم لا، ولكن هو: كيف تقرأها موسكو؟ ولماذا تصر على وضع الملف الإقليمي الآن تحديدًا في صدارة أي مسار تفاوضي، مهما تغيرت الواجهات الدبلوماسية؟ بعدما كان الملف الإقليمي لا يُطرَح أو لا يظهر في رأس قائمة أولويات موسكو الكرملين سابقًا؟
الحديث الروسي المتكرر في العلن خلال الفترة الأخيرة عن هذه الصيغة، سببه ليس ارتباكًا في الموقف الروسي بحال -حسب اعتقادي- ولكنه تعبير عن عقيدة تفاوضية روسية تشكلت منذ فشل مسار إسطنبول الأول في ربيع عام 2022، حين قبلت موسكو آنذاك بالحلول المرحلية، لتكتشف لاحقًا أن الطرف الأخر كان يخدعها ويستخدم التفاوض بوصفه أداة كسب وقت لا أكثر، بل جعلها تسحب دباباتها التي كانت تحاصر العاصمة كييف، ومعها تشيرنيغييف.
وإذا عدت إلى صيغة أنكوريج وبنديها الرئيسين -كما أوضحتهما أعلاه، حيث إنها تقوم عليهما باعتبارهما ركيزتين أساسيتين، وهما السيطرة الروسية الكاملة على دونباس وتجميد خط الجبهة بعد ذلك على وضعه الحالي- فأقول إن هذا الأمر -من وجهة نظر موسكو والكرملين وبوتين- يبدو ظاهريًّا وكأنه تنازل روسي في ظل الوضع الميداني الراهن؛ فالجيش الروسي بناء على ذلك سوف يتوقف عن استكمال العمليات العسكرية التي يتقدم فيها يوميًّا منذ عدة أشهر دون أي تقدم معاكس أو مقابل للخصم الأوكراني.
ومع ذلك، فالقراءة التحليلية الروسية لا ترى الأمر بهذه البساطة، فموسكو تميز بوضوح بين تجميد الصراع كبديل عن الحل، وهو ما ترفضه قطعًا، وبين وقف مرحلي للعمليات ضمن مسار سياسي ملزم يفضي إلى تثبيت الوقائع القانونية والجيوسياسية الجديدة.
بالطبع الحديث عن تجميد الجبهة يتناقض -لغويًّا على الأقل- مع الخطاب الروسي الذي يكرر أن العملية العسكرية مستمرة حتى تحقيق أهدافها، وآخر المصرحين بذلك كان يوري أوشاكوف بعد اجتماع استمر أكثر من أربع ساعات بين بوتين وويتكوف وكوشنر وغرونباوم.
لكن التناقض هنا شكلي -في رأيي- أكثر من كونه جوهريًّا؛ فروسيا، التي ثبتت دستوريًّا ضم الأقاليم الأربعة، لا ترى في خطوط التماس الحالية حدودًا سياسية؛ وإنما وضع عملياتي قابل دائمًا للتعديل متى اقتضت الحاجة إلى ذلك.
ولهذا، فإن أي تجميد من وجهة نظر موسكو والكرملين وبوتين لا يمكن إلا أن يكون أداة فنية تقنية مؤقتة، وليس بحال اعترافًا بواقع ناقص.
وبعد فشل لقاء ترمب وزيلينسكي في دافوس في التوصل إلى اتفاقات ملموسة. وكذلك بعد انتقال المسار التفاوضي إلى صيغة ثلاثية مباشرة في أبو ظبي، ومطالبة الروس للغرب بتقديم إجابات وليس شعارات، قد يكون التسريب جزءًا من الحرب النفسية المصاحبة للتفاوض؛ بهدف الضغط على كييف لإفهامها أن سقف الطموحات تقلص.
وإذا انتقلنا إلى مسار أبو ظبي فأعتقد أن من الخطأ افتراض أنه قد يعيد إنتاج مناخ إسطنبول 2022؛ وذلك لأن هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أساسية وهي أن ميزان القوى تغير جذريًّا. ففي إسطنبول، التي عُقدت مفاوضاتها بعد شهر واحد تقريبًا من بدء الحرب، كانت روسيا تبحث عن مخرج سياسي مبكر، أما اليوم، وبعد مرور نحو أربع سنوات، فإن موسكو والكرملين وبوتين يفاوضون في أبو ظبي من موقع مَن يفرض الشروط العامة ويترك التفاصيل للتكتيك.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير