إستراتيجيات عسكريةمقالات المركز

صعود سياسة الطائرات المقاتلة الباكستانية


  • 25 يناير 2026

شارك الموضوع

في لحظة من الإضطراب العالمي، واندلاع الحروب والصراعات، أصبحت تجارة الأسلحة أداة أساسية لتعزيز النفوذ الجيوسياسي، حيث تتجاوز حدود الاقتصاد لتشمل بناء التحالفات والتوازنات الإقليمية. وتبرز الآن باكستان بوصفها لاعبًا ناشئًا في سوق الأسلحة العالمية، خاصة من خلال برنامجها لتصدير الطائرات المقاتلة (JF-17 Thunder)، الذي طورته بالشراكة مع الصين. هذه الطائرة، التي تعد نموذجًا للتكنولوجيا العسكرية المتوسطة التكلفة، أصبحت رمزًا لما يمكن أن أُطلق عليه تسميته “سياسة الطائرات المقاتلة” الباكستانية.

وتبدأ سياسة الطائرات المقاتلة الباكستانية بتطوير الطائرة (JF-17)، التي هي نتاج تعاون بين “باكستان أيرونوتيكال كومبليكس” (PAC) والصينية “تشينغدو أيركرافت كوربوريشن”(CAC) . وأُطلقت الطائرة في عام 2003 بوصفها بديلًا اقتصاديًّا عن الطائرات الغربية الغالية، وهي طائرة متعددة المهام من الجيل (4.5)، مجهزة برادار (AESA) متقدم، وأنظمة أسلحة دقيقة، وقدرة على حمل صواريخ جو-جو وجو-أرض. وبحلول عام 2017، أنتجت باكستان أكثر من (100) طائرة لقوتها الجوية، وبدأت في التصدير لدول مثل ميانمار ونيجيريا.

لم تصبح طائرة (JF-17) مجرد منتج عسكري؛ وإنما رمز للاستقلال التكنولوجي الباكستاني، خاصة بعد العقوبات الأمريكية في التسعينيات التي حدت من شراء (F-16). وفي سياق السياسة الخارجية، بدأت باكستان استخدام (JF-17) لتعزيز علاقاتها مع الدول النامية، التي تبحث عن حلول عسكرية فعالة دون الاعتماد على الغرب أو روسيا. وهذه الإستراتيجية تتناسب مع رؤية إسلام آباد للتنوع الدبلوماسي، حيث أصبحت المبيعات العسكرية مصدر إيرادات يساعد في مواجهة الأزمات الاقتصادية، وعدم الاعتماد على قروض صندوق النقد الدولي.

ومن أبرز الصفقات في هذه السياسة، المحادثات الجارية مع بنغلاديش لصفقة دفاعية تشمل بيع طائرات (JF-17). في يناير 2026، التقى رئيس القوات الجوية الباكستانية زهير أحمد برئيس القوات الجوية البنجالية حسن محمود خان، لبحث اتفاق دفاعي يشمل بيع الطائرات، بالإضافة إلى دعم فني وتدريب. وهذه المحادثات تأتي في سياق تحسن العلاقات بين إسلام آباد ودكا بعد صراعات تاريخية، خاصة بعد استقلال بنغلاديش عام 1971.

تبحث بنغلاديش، التي تواجه تحديات أمنية إقليمية، عن تعزيز أسطولها الجوي بطائرات اقتصادية، خاصة مع اهتمامها باليوروفايتر تايفون الأوروبية كخيار بديل. ومع ذلك، يقدم الـ(JF-17) خيارًا أرخص وأسرع التسليم، مما يجعله جذابًا لدولة تواجه قيودًا مالية. وهذه الصفقة ليست مجرد تجارية؛ إنها تعزز نفوذ باكستان في جنوب آسيا، حيث تسعى دكا للتوازن بين الهند والصين، وتساعد باكستان في مواجهة النفوذ الهندي في المنطقة. بعض التقارير أشارت إلى أن باكستان عرضت تسليم سريع للطائرات التدريبية، مما يعكس إستراتيجية التسويق النشطة للـ(JF-17).

أما في أذربيجان، فقد حققت باكستان صفقة تاريخية في يونيو 2025، بقيمة (4.6) مليار دولار لتوريد (40) طائرة ( JF-17 Block III)، بالإضافة إلى استثمار أذري بقيمة ملياري دولار في البرنامج. وسُلِّمَت تسع طائرات بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بما في ذلك ثلاث نسخ مزدوجة المقاعد للتدريب. هذه الصفقة، التي تعد أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ باكستان، تعزز قدرات أذربيجان الجوية في مواجهة أرمينيا في نزاع ناغورنو كاراباخ. الطائرات الباكستانية أثبتت فعاليتها في تمارين مشتركة، ودُمِجَت في أنظمة تركية وإسرائيلية في أسطول باكو. وجيوسياسيًّا، تعكس هذه الصفقة تحالفًا إسلاميًّا بين باكستان وأذربيجان وتركيا، مما يوسع نفوذ إسلام آباد في القوقاز. هذا الوجود يواجه النفوذ الهندي، الذي يدعم أرمينيا بأسلحة وتدريب؛ مما يجعل سياسة الطائرات المقاتلة أداة للتوازن الإقليمي ضد نيودلهي.

فيما يتعلق ببلدان الخليج، تظهر الأخبار نموًّا في المبيعات الباكستانية، مع تركيز على السعودية والسودان وليبيا. في يناير (كانون الثاني) 2026، أفادت تقارير عن محادثات بين باكستان والسعودية لتحويل قروض سعودية بقيمة ملياري دولار إلى صفقة (JF-17)، مع صفقة محتملة بقيمة (4) مليارات دولار. السعودية، التي تبحث عن تنويع مصادر أسلحتها، ترى في الـ(JF-17) خيارًا اقتصاديًّا لأسطولها الجوي، خاصة بعد صفقات سابقة مع أذربيجان وميانمار. كما أن هناك صفقة محتملة مع السودان بقيمة (1.5) مليار دولار تشمل طائرات هجومية، وطائرات بدون طيار، وذلك في سياق الصراع الداخلي السوداني. أما ليبيا، فقد وقعت صفقة بقيمة (4) مليارات دولار مع حكومة بنغازي، رغم عقوبات الأمم المتحدة، مما يعكس إستراتيجية باكستان في الدخول إلى أسواق غير تقليدية. هذه الصفقات تعزز الروابط الاقتصادية والعسكرية مع الخليج، حيث تسهم في إيرادات باكستان الدفاعية التي بلغت (10) مليار دولار عام 2025.

وتعزز سياسة الطائرات المقاتلة السياسة الخارجية الباكستانية من خلال عدة أبعاد؛ أولًا: اقتصاديًّا، توفر هذه المبيعات إيرادات حيوية، حيث يتوقع وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف أن تساعد على الخروج من الاعتماد على صندوق النقد الدولي خلال ستة أشهر. ثانيًا: دبلوماسيًّا، تبني التحالفات العسكرية، مثل التعاون مع أذربيجان وتركيا، مما يوسع نفوذ باكستان خارج جنوب آسيا. ثالثًا: تمنح باكستان نفوذًا في ساحات الصراع، حيث يمكن للطائرات أن تغير التوازنات، كما في القوقاز، حيث تعزز (JF-17) قدرات أذربيجان ضد أرمينيا المدعومة هنديًّا. في الشرق الأوسط، تعزز الصفقات مع السعودية والسودان حضور باكستان في المنطقة، خاصة مع الشراكة الصينية التي تجعل الـ(JF-17) جزءًا من مبادرة “حزام واحد طريق واحد”. هذا النهج يعكس تحول باكستان نحو “دبلوماسية الأسلحة”، حيث أصبحت مصدرًا رئيسًا للأسلحة في آسيا وإفريقيا.

وأحد أبرز آثار هذه السياسة هو زيادة النفوذ الباكستاني ضد الهند. في جنوب آسيا، تهدد صفقة بنغلاديش بتعزيز الروابط العسكرية بين دكا وإسلام آباد، مما يقلل من نفوذ نيودلهي في الجوار. فالهند تراقب هذه التطورات من كثب، معتبرة أن بيع (JF-17) يشكل تهديدًا أمنيًّا، خاصة بعد أداء الطائرة في مواجهات سابقة. وفي القوقاز، يواجه النفوذ الباكستاني الدعم الهندي لأرمينيا، حيث أدت مبيعات الأسلحة الجنوب آسيوية إلى توتر التوازنات الإقليمية. هذا التنافس يمتد إلى الشرق الأوسط، حيث تسعى باكستان إلى موازنة التحالفات الهندية مع دول الخليج من خلال صفقات عسكرية. عامةً، تحولت سياسة الطائرات المقاتلة إلى أداة “للحرب الباردة” الإقليمية، حيث تستخدم باكستان التصدير لتعزيز موقعها ضد الهيمنة الهندية.

أخيرًا، تمثل سياسة الطائرات المقاتلة تحولًا إستراتيجيًّا في السياسة الخارجية الباكستانية، حيث تحولت (JF-17) من أداة دفاعية إلى وسيلة للنفوذ الجيوسياسي. الصفقات مع بنغلاديش وأذربيجان وبلدان الخليج ليست مجرد مبيعات؛ إنها بناء لتحالفات تعزز الاقتصاد والأمن، وتواجه التحديات الهندية، وتوسع الحضور في القوقاز والشرق الأوسط. ومع ذلك، تواجه هذه السياسة تحديات مثل العقوبات الدولية والمنافسة من الطائرات الغربية. ولكنها مستقبلًا، قد تؤدي إلى إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية؛ مما يجعل باكستان قوة دفاعية ناشئة في عالم متعدد الأقطاب.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع