
لم يكن تعافي جمهورية الصين الشعبية بعد جائحة كوفيد-19 إلا لحظة كاشفة لطبيعة الصراع الدولي في زمن الحروب البيولوجية والتجارية المقصودة. وقد تعززت هذه الرؤية مع توالي الكشوفات والتقارير الاستخباراتية الدولية، التي لم تكتفِ بالتشكيك في أصول الفيروس المخبرية؛ بل كشفت عن انخراط مباشر لجهات سيادية دولية في عمليات تضليل إستراتيجية استهدفت تقويض المنافسين دوليًّا، ظهرت في شكل حدث تقني مرتبط بإدارة أزمة صحية مست العالم، حيث باتت الأوبئة أدوات ضغط إستراتيجي تمسّ الأمن القومي والاقتصادي للدول التي حققت في مستوى قياسي تقدمًا سريعًا في مجالات الاقتصاد والطب وعلوم الفضاء. ففي حين شهد الاقتصاد العالمي عام 2020 انكماشًا حادًا تجاوز –3%، كانت الصين الاقتصاد الكبير الوحيد الذي حقق نموًا إيجابيًّا (نحو 2.2%)، مستندة إلى قدرة الدولة على فرض سيطرة مركزية على المجال الصحي، وضمان استمرارية الإنتاج الصناعي، وإعادة تشغيل سلاسل التوريد في وقت كانت فيه الاقتصادات المنافسة الممثلة في العالم الغربي عامةً، والولايات المتحدة الأمريكية خاصةً غارقة في الإغلاق والاضطراب.
ومن منظور القوة الشاملة، يُقاس صعود الدول في زمن الحروب البيولوجية بقدرتها على تحويل الصدمة الصحية إلى فرصة إعادة تموضع إستراتيجي. فبين عامي 2021 و2023، سجّل الاقتصاد الصيني معدلات نمو تراوحت بين 5% و8% في مرحلة التعافي، بالتوازي مع توسّع نفوذه داخل سلاسل التوريد والإمداد العالمية، حيث باتت الصين تمثل أكثر من 28% من الإنتاج الصناعي العالمي، وهو التقدم الذي تجاوز كونه تقدّمًا اقتصاديًّا صرفًا، وإنما عكس أيضًا قدرة الدولة على حماية بنيتها الإنتاجية من الابتزاز البيولوجي والاقتصادي، وتعزيز استقلالها النسبي عن الأسواق الغربية.
يُعد رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ عنصرًا حاسمًا في فهم التحول البنيوي الذي شهدته الصين خلال العقد الأخير، إذ لم ترتكز قيادته على البعد الشخصي أو الكاريزما الفردية بقدر ما قامت على إعادة تنظيم العلاقة بين الحزب والدولة والسوق والمجتمع ضمن إطار مؤسسي صارم. وقد تجلّى ذلك بوضوح في إعادة إحياء وتوسيع مفهوم “الأمن القومي الشامل”، الذي بات يشكّل مرجعية حاكمة لصنع القرار، ويربط بين الأمن الاقتصادي والتكنولوجي والغذائي والرقمي والعسكري بوصفها مجالات متداخلة لا يمكن التعامل معها تعاملًا منفصلًا. وفي مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19، اكتسب هذا التصور بعدًا عمليًّا متسارعًا، حيث دفعت الصدمة البيولوجية الصين إلى تكثيف سياسات الاكتفاء الذاتي النسبي في القطاعات الحساسة، وعلى رأسها أشباه الموصلات، التي رُصدت لها استثمارات حكومية وخاصة بمئات المليارات من الدولارات، إضافة إلى الطاقة المتجددة، بحيث أصبحت الصين أكبر منتج عالمي لمعداتها، فضلًا عن الذكاء الاصطناعي، الذي أُدرج ضمن الخطط الخمسية بوصفه ركيزة للتنافس الإستراتيجي. ولم تكن هذه السياسات تعبيرًا عن نزعة انعزالية؛ بل جاءت استجابة مباشرة لتزايد أخطار الابتزاز الجيوسياسي، وتعطّل سلاسل التوريد العالمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على موقع الصين كأحد أكبر الفاعلين في التجارة الدولية، وتدفقات الاستثمار الأجنبي، بما يعكس سعيًا منهجيًّا لتحقيق توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي وتعزيز المناعة الإستراتيجية للدولة.
شهد الاقتصاد الصيني خلال العقدين الأخيرين تحولًا بنيويًّا عميقًا، انتقل فيه من نموذج “المصنع العالمي المنخفض الكلفة” إلى نموذج أكثر تعقيدًا قائم على الابتكار المحلي وتعظيم القيمة المضافة، وهو تحول مدفوع باستثمارات واسعة في البحث والتطوير تجاوزت 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وبسياسات منهجية لربط الجامعات ومراكز البحث بالقطاع الصناعي، إلى جانب دعم الشركات الوطنية العملاقة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة. وقد أتاح هذا المسار لجمهورية الصين الشعبية تحقيق اختراقات ملموسة في قطاعات كانت تقليديًّا حكرًا على القوى الغربية، مثل الاتصالات من الجيل الخامس، والتكنولوجيا المالية، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، حيث باتت الصين من بين الدول الأولى عالميًّا في عدد براءات الاختراع المسجلة، وحجم الإنتاج الصناعي العالي التقنية. ولم يقتصر أثر هذا التحول على البعد الاقتصادي؛ بل تحوّل إلى مصدر نفوذ جيوسياسي مباشر، إذ لم تعد القوة الصينية مستندة فقط إلى ثقلها الديمغرافي أو فوائضها التجارية؛ بل تجسدت في قدرتها على صياغة معايير تقنية، والتأثير في البنى التحتية الرقمية واللوجستية للدول الأخرى، ولا سيما في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، من خلال مشروعات الاتصالات، والطاقة، والمواني، والربط الرقم، وتتجلى كلها في مشروع طريق الحرير والحزام الصيني الذي يربطها بالعالم. وبهذا المعنى، أصبحت الريادة التكنولوجية أداة إستراتيجية لتوسيع النفوذ الصيني، لإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي.
تُعد قضية إقليم تايوان -من المنظور الرسمي لجمهورية الصين الشعبية- مسألة سيادة ووحدة وطنية غير قابلة للتجزئة، وليست مجرد ملف دبلوماسي أو تفاوضي قابل للمساومة والتفاوض. يستند هذا الموقف إلى سردية تاريخية وقانونية ترى الجزيرة جزءًا من الصين منذ قرون، وتُرجع وضعها السياسي الراهن إلى مآلات الحرب الأهلية الصينية عام 1949، وتدخلات دولية لاحقة، وهو ما تُرجم مؤسسيًّا في تبنّي مبدأ “الصين الواحدة”، وفي سنّ “قانون مكافحة الانفصال” عام 2005، الذي يمنح الدولة الصينية إطارًا قانونيًّا للتعامل مع أي خطوات تُفسَّر بوصفها نزوعًا نحو الانفصال. ووفقًا لذلك، تعد قضية تايوان مسألة حسم تاريخي لا تقبل التأجيل المفتوح، حيث تُدرج استعادة الجزيرة ضمن الأهداف الإستراتيجية النهائية للدولة، عاجلًا أو آجلًا، وبجميع الوسائل المتاحة حتى القوة العسكرية إذا اقتضى الأمر. فالمقاربة الصينية لا تقوم على افتراض تعدد السيناريوهات بقدر ما تقوم على يقين سياسي وقانوني مفاده أن بقاء تايوان خارج السيادة الفعلية لبكين وضع مؤقت فرضته ظروف استثنائية، ولا يمكن أن يتحول إلى واقع دائم. ويتجلى هذا اليقين في الخطاب الرسمي الصيني، وفي الأطر التشريعية، وعلى رأسها “قانون مكافحة الانفصال”، الذي يضفي شرعية قانونية داخلية على استخدام القوة في حال فشل مسارات التوحيد السلمي، أو وقوع تدخلات خارجية تُغيّر الوضع القائم.
يؤكد مسار صعود جمهورية الصين الشعبية في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19 أن ما تحقق لم يكن استجابة ظرفية لصدمة صحية عالمية؛ بل نتيجة رؤية إستراتيجية طويلة الأمد أعادت تعريف مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين، بوصفه مزيجًا متكاملًا من القيادة المركزية الفعّالة، والمرونة الاقتصادية، والتفوق التكنولوجي، والتشدد في حماية السيادة الوطنية. وقد أظهرت التجربة الصينية أن القدرة على إدارة الأزمات غير التقليدية، ومنها الأزمات البيولوجية، أصبحت معيارًا حاسمًا لقياس مكانة الدول، وهو ما مكّن الصين من الانتقال من موقع التكيف مع النظام الدولي إلى موقع التأثير في اتجاهاته وقواعده.
وفي هذا الإطار، تظل قضية تايوان أحد أكثر الملفات حساسية وحسمًا في الحسابات الإستراتيجية الصينية، إذ تمثل نقطة التقاء بين الطموح القومي، ومقتضيات الأمن القومي، وتعقيدات الاستقرار الدولي. فطريقة تعامل بكين مع هذا الملف، سواء من خلال الردع المتدرج أو عن طريق الحسم المباشر إذا ما فُرض عليها، ستشكّل اختبارًا حقيقيًّا لحدود القوة الصينية في نظام عالمي شديد التشابك، كما ستوفر مفتاحًا أساسيًّا لفهم مسار الصين كقوة كبرى تسعى إلى استكمال سيادتها، وترسيخ موقعها في بنية النظام الدولي خلال العقود المقبلة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير