مقالات المركز

الاقتصاد والسياسة والاضطرابات الاجتماعية في قلب الأزمة

شرارة باريس تسلط الضوء على هشاشة الاتحاد الأوروبي


  • 21 أكتوبر 2026

شارك الموضوع

منذ أكثر من خمسة عشر عاما، لم تعد أوروبا تنتقل من أزمة إلى أخرى بقدر ما باتت تعيش في ظل أزمات متلاحقة ومتداخلة. فمن أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو بين عامي 2010 و2012، وما رافقها من سياسات تقشف، إلى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عام 2016، وما أعقبه من انسحابها من الاتحاد، مرورا بجائحة كورونا عام 2020، وصولا إلى الحرب الروسية الأوكرانية منذ فبراير (شباط) 2022، وما خلفته من صدمة في أسواق الطاقة وموجة تضخم حادة، ظل الاتحاد الأوروبي يواجه صعوبات متكررة في احتواء الأزمات التي تهدد استقراره وتماسكه.

وجاءت الموجة الاحتجاجية الراهنة لتسلط الضوء مجددا على هذه الهشاشة. ففي 17 سبتمبر (أيلول) 2026، احتج معلمون في مدارس ثانوية جنوب شرقي باريس على نقص الكوادر التعليمية، قبل أن ينضم إليهم الطلاب، لتنتقل الاحتجاجات سريعا إلى مدارس أخرى. وخلال أسابيع قليلة، امتدت الحركة الاحتجاجية من فرنسا إلى ست دول أوروبية أخرى، كاشفة عن عجز السياسات الأوروبية عن معالجة أزمات متراكمة تركت أسبابها البنيوية دون حلول جذرية، ورحلت تبعاتها من مرحلة إلى أخرى، حتى باتت أعباؤها الاجتماعية تثقل كاهل الأجيال الشابة.

ولا تقتصر دلالات هذه الموجة على تصاعد السخط الاجتماعي، بل تكشف أيضا عن جيل جديد يمتلك وعيا سياسيا لافتا، ويعبر بجرأة عن مواقفه تجاه القضايا التي يعتبرها عادلة. فهذا الجيل الذي يملأ الجامعات والمدارس الثانوية الأوروبية تضامنا مع القضية الفلسطينية، ويرفض الصمت إزاء ما يراه ظلما، يجد نفسه اليوم، رغم أن نسبة كبيرة من أفراده لم تبلغ سن الرشد، في مواجهة أجهزة أمنية تستخدم القوة بصورة تتجاوز حدود التناسب، وفقا لما أوردته منظمات حقوقية.

وهكذا، لم تعد الاحتجاجات مجرد تعبير عن مطالب اجتماعية تتعلق بظروف التعليم ونقص الكوادر، بل تحولت إلى اختبار لمدى التزام الدول الأوروبية بالقيم التي تعلن الدفاع عنها، ومدى قدرة الاتحاد الأوروبي على الصمود أمام أزماته الداخلية.

من ثانوية في ضواحي باريس إلى أزمة وطنية

ما تزال فرنسا غارقة منذ خريف عام 2026 في موجة جديدة من الاضطرابات والشلل الميداني، تكشف عن اختلالات في منظومتها الداخلية وصعوبات بنيوية في إدارة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة.

وقد واجهت السلطات الفرنسية اختبارا جديدا مع انطلاق الاحتجاجات الطلابية في 21 سبتمبر (أيلول) 2026، بدءا من ثانوية أنطوان دو سانت إكزوبيري في ضاحية كريتاي الباريسية. وجاء هذا الحراك انعكاسا لتردي الخدمات الأساسية وتراجع أداء المؤسسات التعليمية، حيث خرج الطلاب للتنديد بعجز الحكومة عن توفير الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها المعلمون، إلى جانب اكتظاظ الفصول وتهالك البنية التحتية للمدارس.

وسرعان ما اتسع نطاق الغضب الطلابي، بالتزامن مع احتقان شعبي ونقابي بدأ يتبلور منذ منتصف سبتمبر (أيلول)، احتجاجا على غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين الفرنسيين.

وتأتي هذه الاضطرابات في وقت يواجه فيه الاقتصاد الفرنسي تحديات مالية متزايدة، في ظل ارتفاع الدين العام واستمرار العجز المالي، بما يحد من قدرة باريس على المناورة وتبني حلول اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق.

وأمام هذه الضغوط المالية، اتجهت الحكومة الفرنسية إلى تبني إجراءات تقشفية طالت قطاعات حيوية، وأسهمت في تراجع جودة بعض المرافق العامة. وفي المحصلة، تواجه فرنسا صعوبة متزايدة في التوفيق بين طموحاتها السياسية والتزاماتها الاجتماعية وواقعها المالي، بينما يجد المجتمع الفرنسي نفسه أمام ضغوط متزامنة ناجمة عن ارتفاع الأسعار وتراجع جودة الخدمات العامة.

وبذلك، تحولت أزمة المدارس إلى مؤشر على اختلالات اقتصادية وهيكلية أوسع تواجه الدولة الفرنسية. وتتكرر هذه المعادلة، بدرجات متفاوتة، في أكثر من عاصمة أوروبية، وهو ما يساعد على تفسير اتساع نطاق الاحتجاجات وتشابه بعض دوافعها.

استخدام القوة ضد المحتجين القاصرين

تتركز أبرز المعطيات الحقوقية المتعلقة بالموجة الاحتجاجية في فرنسا. فقد خلصت منظمة العفو الدولية إلى أن المظاهرات قوبلت باستخدام غير مبرر وغير متناسب للقوة، شمل استعمالا غير قانوني لقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.

وبحسب الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، بلغ عدد الموقوفين 6629 شخصا حتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، وشكل القاصرون 87% ممن وضعوا قيد الحراسة النظرية. وأفادت الفيدرالية بأن مراقبين حقوقيين استهدفوا بالقنابل خلال مظاهرة 6 أكتوبر (تشرين الأول).

ودعت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في حرية التجمع السلمي السلطات الفرنسية، في 4 أكتوبر (تشرين الأول)، إلى احترام السلامة الجسدية للمتظاهرين. وفي السياق نفسه، قالت رابطة حقوق الإنسان إن التعليمات الموجهة إلى الشرطة خلت من أي توجيه بضبط النفس تجاه القاصرين، معتبرة أن ما يجري يعكس انحرافا عن مبادئ دولة القانون.

ولا تقتصر خطورة هذه الوقائع على الأرقام. فقد أحد المراهقين، البالغ من العمر خمسة عشر عاما، يده بعد انفجار قنبلة صوتية أطلقتها الشرطة، وسجلت إصابات خطيرة أخرى، بينها فقدان مراهقين إحدى عينيهما خلال احتجاجات 17 أكتوبر (تشرين الأول).

وتحدثت صحيفة «ميديابارت» الفرنسية عن عشرات الإصابات الخطيرة بين الطلاب، فيما جرى تداول مقاطع مصورة تظهر سيارات شرطة تندفع وسط تجمعات طلابية في مدينتي تروا ودونكيرك. ونشرت الصحيفة شهادات لطلاب احتجزوا وتحدثوا عن تعرضهم للعنف والإهانات، بالتزامن مع ورود تقارير عن وقائع مشابهة في مدن متباعدة، بينها ليون وليل وكيمبير وتروا ودونكيرك وبلفور.

وتكتسب هذه الوقائع أهمية قانونية إضافية لارتباطها بقاصرين. فوفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، يجب أن يكون أي تدخل أمني لتفريق التجمعات ضروريا ومتناسبا مع الظروف. وتلزم اتفاقية حقوق الطفل السلطات بمراعاة المصلحة الفضلى للطفل في جميع الإجراءات المتعلقة به، بينما تكفل المادة الحادية عشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حرية التجمع السلمي.

وفي هذا السياق، أعربت نقابات المعلمين والقضاة والمحامين، إلى جانب جمعيات حقوقية وشخصيات سياسية ووسائل إعلام، عن رفضها لما اعتبرته استخداما غير متناسب للقوة ضد المراهقين.

أوروبا تتفاعل: عدوى الاحتجاجات أم تشابه الأزمات البنيوية؟

خارج فرنسا، تتباين طبيعة الاحتجاجات ودوافعها بصورة واضحة. ففي بلجيكا، بدأت التحركات في مدينة لييج في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) احتجاجا على إصلاحات الرسوم الدراسية واكتظاظ الفصول وخفض التمويل، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى في إقليم والونيا والعاصمة بروكسل.

وسجل ما لا يقل عن 139 حالة توقيف في لييج، فيما شهدت المدينة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) أعمال شغب أدت إلى إغلاق محطة لييج-غيومان للقطارات.

وفي إيطاليا، بدأ طلاب احتلال عدد من المدارس الثانوية في تورينو وروما تحت شعار «لنفعل مثل فرنسا»، وسافر وفد طلابي إلى باريس تعبيرا عن التضامن مع المحتجين الفرنسيين.

وتختلف دوافع الاحتجاجات في بقية الدول الأوروبية. ففي إسبانيا، تصدرت أزمة السكن المشهد، وانطلقت مظاهرات عقب وفاة امرأة تبلغ من العمر 87 عاما، تدعى ماريكارمن أباسكال، إثر إخلائها من المنزل الذي عاشت فيه سبعين عاما، بعدما رفعت شركة استثمارية قيمة الإيجار بنسبة 230%.

وتفاقمت الأزمة السياسية بعد رفض البرلمان إصلاحات إسكانية اقترحها رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، ما أدى إلى الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني).

وفي البرتغال، تركزت المطالب على الأوضاع المعيشية والسكن، بينما ارتبطت الاحتجاجات في ألبانيا، التي لا تتمتع بعضوية الاتحاد الأوروبي، بقضايا الفساد ومشروع سياحي ساحلي فاخر مرتبط بعائلة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بحسب ما أوردته تقارير إعلامية، مع تمسك رئيس الوزراء إيدي راما بالبقاء في منصبه.

وسجلت كذلك تحركات احتجاجية أصغر نطاقا في اليونان والنمسا وأيرلندا وألمانيا.

ويمكن استخلاص ملاحظتين تحليليتين من هذه التطورات. الأولى أن الاحتجاجات لا تمثل حركة أوروبية موحدة أو منسقة، بل تعكس أزمات محلية تختلف طبيعتها وأسبابها من دولة إلى أخرى، وإن تشابهت بعض الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها.

أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بتقارب استجابات الحكومات المعنية، حيث أدانت السلطات في إيطاليا والبرتغال وبلجيكا أعمال العنف المصاحبة للاحتجاجات، دون تقديم تنازلات جوهرية للمحتجين.

وبحسب المعطيات المتاحة حتى الآن، لم تبلغ حصيلة التدخلات الأمنية في بقية الدول مستوى نظيرتها الفرنسية، ما يجعل الحالة الفرنسية متميزة من حيث كثافة التدخلات الأمنية وحجم التوقيفات المبلغ عنها.

الاتحاد الأوروبي بين الضغوط المالية والهشاشة البنيوية

على المستويين المالي والسياسي، تأتي الموجة الاحتجاجية في مرحلة تتسم بتزايد الضغوط على عدد من الحكومات الأوروبية. ففرنسا تتجه نحو انتخابات رئاسية مقررة في عام 2027، وسط تبادل الاتهامات بين الأحزاب السياسية بشأن المسؤولية عن تأجيج العنف والاضطرابات.

وقد وصفت مارين لوبان فرنسا بأنها محاصرة بين العنف والعجز، في وقت تستعد فيه إسبانيا، وفقا للمعطيات الواردة، لإجراء انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، بينما تشير بعض التقديرات إلى اقتراب موجة واسعة من الانتخابات الوطنية في أوروبا خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.

وتشير هذه التطورات إلى احتمال انتقال السخط الاجتماعي إلى المجال الانتخابي، بما قد يمنح القوى السياسية المناهضة للمؤسسات القائمة فرصة لتوظيف الأزمة في خطابها السياسي، في وقت يحد فيه ارتفاع الدين العام والعجز المالي من قدرة الحكومات على الاستجابة للمطالب الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يواجه الاتحاد الأوروبي معادلة معقدة تتطلب التوفيق بين متطلبات الانضباط المالي والحاجة إلى معالجة الضغوط الاجتماعية المتزايدة داخل عدد من دوله الأعضاء، وفي مقدمتها فرنسا.

أما على المستوى القيمي، فتبدو الصورة أكثر تعقيدا وحساسية. إذ تنص المادة الثانية من معاهدة الاتحاد الأوروبي على أن الاتحاد يقوم على مجموعة من القيم الأساسية، تشمل احترام كرامة الإنسان وحقوقه والحريات الأساسية وسيادة القانون.

غير أن قدرة المؤسسات الأوروبية على التدخل في الشؤون الأمنية الوطنية، بما فيها حفظ النظام العام، تظل محدودة من الناحية القانونية. فميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي لا ينطبق على الدول الأعضاء إلا عندما تنفذ قانون الاتحاد، بينما تمثل آلية المادة السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي، المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لقيمه الأساسية، أداة سياسية وقانونية معقدة يصعب تصور تفعيلها في مثل هذه الحالة.

وبناء على ما سبق، تكشف الاحتجاجات أن التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي لم تعد مقتصرة على أطرافه الجغرافية أو الملفات الخارجية، بل امتدت إلى بنيته الاجتماعية والسياسية الداخلية.

وقد تصبح هذه الموجة حلقة إضافية في مسار تراجع الثقة بين المواطنين الأوروبيين ومؤسساتهم، ومؤشرا على استمرار التحديات البنيوية التي تواجه الاتحاد، في ظل صعوبة تحقيق التوازن بين الاستقرار المالي والاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على القيم السياسية والحقوقية التي يقوم عليها المشروع الأوروبي.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع