
لا يمكن فهم الموقف التركي من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بمعزل عن تاريخ الإمبراطورية العثمانية، التي تعاملت مع الفرس بوصفهم قوة موازية تحتم على أنقرة صياغة سياسات دقيقة تجمع بين القوة العسكرية والدهاء الدبلوماسي. فعلى مدار القرون المنصرمة، كان للترك تأثير متباين على المنطقة، إذ تراوحت سياساتهم بين المواجهة المباشرة والتحالفات الاستراتيجية، وهو إرث لا يزال يرسم مواقف أنقرة المعاصرة تجاه طهران. إذ تنظر تركيا إلى الحرب على إيران ليس فقط بوصفها أزمة إقليمية، بل أيضا كنافذة استراتيجية لإعادة تموضعها في النظام الإقليمي. فبينما تسعى أنقرة إلى تجنب الانخراط المباشر في الصراع، تعمل على استثمار التحولات الناتجة عنه لتعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي والدبلوماسي في الشرق الأوسط.
وهو ما يثير مجموعة من التساؤلات البحثية الجوهرية التي تستشرف الدور التركي في الحرب الدائرة، ولعل أبرزها: إلى أي حد تشكل الخلفية التاريخية للعلاقات العثمانية-الفارسية محددا للسياسات التركية الحالية تجاه الحرب؟ وما السيناريوهات المحتملة لتطور الصراع؟ وكيف يمكن أن تنعكس هذه السيناريوهات على مصالح تركيا الاستراتيجية؟ وإلى أي مدى يمكن لأنقرة توظيف تطورات الصراع لتعزيز موقعها في موازين القوى الإقليمية؟ وما طبيعة المكاسب الجيوسياسية والاقتصادية التي قد تحققها تركيا في حال إطالة أمد الصراع أو احتوائه أو حسمه سريعا؟ وفي المقابل، ما حجم التحديات والمخاطر الأمنية والاقتصادية التي قد تواجهها أنقرة في ظل اتساع نطاق الحرب أو تحولها إلى صراع إقليمي مفتوح؟
تمتد جذور التنافس التركي-الإيراني إلى أواخر القرن الخامس عشر، حين تلاقت حدود الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية في منطقة الأناضول الشرقية وغرب إيران، وقد خاض الطرفان حروبا متكررة استنزفت خزائن كليهما، إلى أن توصلا في منتصف القرن السابع عشر إلى معادلة توازن قوى صامدة إلى حد كبير. ومنذ ذلك الحين، تجنبت طهران وأنقرة المواجهة المباشرة لما يقرب من أربعة قرون متواصلة، مع احتفاظ كل منهما بحدوده الاستراتيجية كما رسمت في معاهدة قصر شيرين عام 1639. ولكن في التاريخ الحديث خاضت أنقرة وطهران صراعا بالوكالة في عدة بلدان، كان من أبرزها سوريا، حيث دعمت تركيا فصائل المعارضة المسلحة، بينما ضخت إيران موارد بشرية ومادية هائلة دعما لنظام الأسد. ورغم التنافس التاريخي الطويل، فإن العلاقات التركية-الإيرانية تميزت أيضا بدرجة عالية من البراغماتية، حيث استمر التعاون الاقتصادي وتعاون الطاقة حتى في فترات التوتر.
غير أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الراهنة ضد إيران تفرض اختبارا جديدا على تركيا لحماية مصالحها دون الإخلال بتوازنات القوى في المنطقة، لذا تبنت أنقرة منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب خطابا رسميا يدين الضربات الأمريكية-الإسرائيلية ويصفها بأنها غير قانونية وغير مشروعة. وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حزنه العميق لوفاة المرشد الإيراني علي خامنئي، داعيا إلى العودة للدبلوماسية، في حين حرص على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي وصفه بـ”صديقه”، ما كشف عن حرص تركيا الشديد على عدم الانزلاق نحو معسكر واضح، محافظة على ورقة التواصل مع جميع أطراف الصراع، في إطار تحركاتها للوساطة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية لتسوية الحرب، وما سبقها من مساع في التفاوض حول الملف النووي الإيراني.
لكن في الرابع من مارس (آذار) 2026، شكل الاعتراض الأول للصاروخ الإيراني فوق الأراضي التركية منعطفا حادا في الموقف التركي، فقد رصدت أنظمة الدفاع الأطلسية صاروخا باليستيا أطلق من إيران واخترق مجالي العراق وسوريا الجويين متجها نحو منطقة إنجرليك، وأصدرت أنقرة على إثر ذلك بيانا حازما استدعت بموجبه السفير الإيراني، ونفت طهران في المقابل أن يكون الصاروخ موجها عن قصد نحو الأراضي التركية، وأعلن الحلف الأطلسي تعزيز منظومته للدفاع الصاروخي الباليستي في شرق المتوسط.
ولم تمض خمسة أيام على الحادثة الأولى حتى جرى اعتراض صاروخ باليستي إيراني ثان فوق مدينة غازي عنتاب في التاسع من مارس (آذار) 2026، ودفعت هذه الحادثة الولايات المتحدة إلى إغلاق قنصليتها في أضنة ودعوة مواطنيها إلى مغادرة جنوب شرقي تركيا. وعلى الرغم من حدة البيانات التركية التي أكدت أنها لن تتردد في اتخاذ كل الخطوات اللازمة لحماية أراضيها وأجوائها، فإن أنقرة أحجمت عن استدعاء المادة الرابعة من الميثاق الأطلسي التي تتيح لها طلب مشاورات الحلفاء، ولم تلوح بتفعيل المادة الخامسة القائمة على مبدأ الدفاع الجماعي بين الدول الأعضاء.
ومن ثم، يعكس الموقف التركي من الحرب الدائرة نمطا راسخا في السياسة الخارجية التركية، خاصة في عهد حزب العدالة والتنمية، يعرف بـ”الحياد المربح” من خلال الموازنة بين المحاور وتجنب القطيعة الكاملة مع أي طرف، وهو ما أتاح لأنقرة تاريخيا الحصول على مكاسب من الطرفين مع استثمار حالة الانشغال الإقليمي لتعظيم مكاسبها الجيوسياسية والاقتصادية.
تجد تركيا نفسها في قلب معادلة إقليمية بالغة التعقيد تتقاطع فيها أبعاد متعددة ومتعارضة في آن واحد؛ فهي من جهة دولة محورية في منظومة حلف شمال الأطلسي تتحمل التزامات دفاعية جماعية راسخة، ومن جهة أخرى دولة مجاورة لإيران تربطها بها شبكة مصالح اقتصادية وأمنية وجيوسياسية عميقة تجعل من التوافق المطلق مع الموقف الغربي مكلفا ومحفوفا بمخاطر استراتيجية جسيمة. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الحرب الجارية في الإقليم، تتضح ملامحها فيما يلي:
السيناريو الأول: تسوية الحرب وبقاء النظام الإيراني:
يفترض هذا السيناريو وصول الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل إلى اتفاق سياسي أو تهدئة محدودة مع إيران بوساطة إقليمية ودولية، مع إبقاء بعض العقوبات على إيران، وعودة المفاوضات بشأن البرنامج النووي والصاروخي للجمهورية الإسلامية مع ضمانات دولية. وفي هذا السيناريو، قد تلعب تركيا دور الوسيط والداعم لعملية التسوية، مع الحفاظ على علاقاتها المتوازنة مع إيران والغرب، ويمثل هذا السيناريو الأفضل للمصالح التركية، حيث ستجني أنقرة من خلاله عدة مكاسب تتمثل في: تعزيز المكانة الجيوسياسية لتركيا كقوة موازنة في الإقليم، فقد تتيح التسوية لتركيا فرصة لتعزيز موقعها كقوة إقليمية موازنة بين المحاور المتصارعة. فمع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، قد تسعى أنقرة إلى اتباع سياسة التوازن المرن التي تجمع بين الاحتفاظ بعضويتها في حلف شمال الأطلسي وبين الحفاظ على قنوات اتصال مع طهران، ومن شأن هذا التموضع أن يمنح تركيا هامش مناورة أوسع ويعزز قدرتها على لعب دور الوسيط أو الفاعل الوسط في إدارة الأزمات الإقليمية.
كما قد تعزز التسوية الدور الدبلوماسي التركي في إدارة الأزمات، ففي حال اتجه الصراع نحو مسارات تفاوضية أو ترتيبات لخفض التصعيد، قد تسعى تركيا إلى طرح نفسها وسيطا مقبولا نسبيا بين أطراف الصراع، مستفيدة من علاقاتها المتشابكة مع القوى الغربية والإقليمية، ومن شأن نجاح أنقرة في لعب مثل هذا الدور أن يعزز مكانتها الدبلوماسية ويمنحها نفوذا إضافيا في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب في الإقليم. وفضلا عن ذلك، يمثل بقاء النظام في إيران عامل توازن إقليمي يحد من اتساع نفوذ تل أبيب في الشرق الأوسط، فوجود النظام الإيراني المعادي لإسرائيل يفرض على تل أبيب قيودا استراتيجية ويشغلها في جبهة شرقية معقدة. فاستمرار النظام الإيراني، من منظور المصلحة التركية، يعوق تشكل بيئة استراتيجية تسمح لإسرائيل بالتحول إلى قوة مهيمنة على المجال الجيوسياسي لتركيا.
في مقابل تلك الفرص، قد يحمل هذا السيناريو بعض الخسائر لتركيا ترتبط برد الفعل الإيراني بعد التسوية، فقد تسعى أجهزة النظام الإيراني، بما فيها الحرس الثوري الإيراني والجماعات المدعومة من طهران في لبنان واليمن والعراق، إلى استعادة النفوذ الإقليمي بما يتعارض بشكل مباشر مع مصالح تركيا، لا سيما بعد فشل محتمل للولايات المتحدة وإسرائيل في تغيير النظام في إيران. وقد يتخذ النظام الإيراني، بعد مقتل علي خامنئي وتولي ابنه مجتبى خامنئي خلفا له، موقفا أكثر حزما في سياسته الخارجية لاستعادة قدرته على الردع، ما يشكل مرحلة خطيرة لأنقرة في مناطق مثل العراق ولبنان وسوريا وجنوب القوقاز، وهي مناطق تتنافس فيها المصالح التركية مع المصالح الإيرانية.
كما قد تؤدي التسوية المحتملة إلى تعقيد العلاقات التركية مع القوى الدولية الكبرى، حيث تضع الحرب تركيا أمام معادلة معقدة في علاقاتها الدولية، إذ إن الانحياز الصريح لأي طرف قد يؤدي إلى توترات مع أطراف أخرى. فالتقارب مع النظام الإيراني الجديد قد يثير تحفظات لدى الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، في حين أن الاصطفاف الكامل مع الموقف الغربي قد يضر بالعلاقات التركية مع إيران ومع بعض القوى الآسيوية. ومن ثم، قد تجد أنقرة نفسها مضطرة إلى إدارة شبكة معقدة من التوازنات الدبلوماسية في بيئة دولية شديدة الاستقطاب.
السيناريو الثاني: استنزاف طويل الأمد:
يقوم هذا السيناريو المحتمل على افتراض دخول المواجهة بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في نمط صراع ممتد منخفض الوتيرة، يتجاوز فكرة الحسم العسكري السريع إلى استراتيجية الاستنزاف التدريجي. ففي ظل إدراك الأطراف المتصارعة لارتفاع كلفة الحرب الشاملة واحتمالات توسعها إقليميا، قد تميل المواجهة إلى نمط عمليات غير مباشرة تشمل الضربات المحدودة، والحرب السيبرانية، والعمليات الاستخباراتية، واستخدام الوكلاء الإقليميين. وفي هذا السياق، قد تسعى طهران إلى تعويض الفجوة في القدرات العسكرية التقليدية عبر توسيع نطاق الحرب غير المتكافئة وتفعيل شبكاتها الإقليمية، بما يسمح بإطالة أمد الصراع وإرهاق خصومها سياسيا واقتصاديا وأمنيا.
وفي ظل هذا السيناريو، يمكن أن تحقق تركيا بعض المكاسب الاستراتيجية دون الانخراط المباشر في الصراع، من أبرزها: تقليص النفوذ الإيراني في محيط تركيا الإقليمي، فمن شأن انخراط إيران في صراع استنزافي طويل أن يؤدي إلى استهلاك جزء ضخم من مواردها العسكرية والاقتصادية والسياسية، الأمر الذي قد ينعكس على قدرتها على الحفاظ على مستوى نفوذها الإقليمي السابق. وفي هذا السياق، قد تستفيد تركيا من هذا الانشغال النسبي لتوسيع حضورها في بعض الساحات التي تشهد تنافسا تركيا-إيرانيا تقليديا، لا سيما في العراق وسوريا وجنوب القوقاز، وهو ما قد يسمح لأنقرة بإعادة تشكيل موازين النفوذ الإقليمي بصورة أكثر ملاءمة لمصالحها الاستراتيجية.
وفي حال أدت الحرب الممتدة إلى اضطراب في بعض طرق الطاقة والتجارة التقليدية في مناطق مثل الخليج العربي أو البحر الأحمر، فقد تبرز تركيا بوصفها بديلا جيو اقتصاديا مهما يربط بين آسيا وأوروبا. فالموقع الجغرافي التركي، إلى جانب شبكات البنية التحتية للنقل والطاقة، قد يسمح لأنقرة بتعزيز دورها ممرا استراتيجيا لنقل الطاقة والسلع إلى الأسواق الأوروبية، بما يدعم طموحها للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة والتجارة ويعزز من مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية في آن واحد.
وقد يمنح طول أمد الصراع تركيا فرصة لتقديم نفسها فاعلا دبلوماسيا قادرا على لعب دور الوسيط أو المسهل للحوار بين أطراف النزاع، فاحتفاظ تركيا بعلاقات متوازنة نسبيا مع أطراف متعددة، سواء داخل المعسكر الغربي أو مع بعض القوى الإقليمية، قد يتيح لها توظيف هذا الموقع لتعزيز حضورها الدبلوماسي في إدارة الأزمات الإقليمية. ومن شأن هذا الدور أن يرفع من المكانة الدولية لأنقرة، ويمنحها أدوات إضافية للتأثير في مسارات التفاوض وترتيبات الأمن الإقليمي المستقبلية.
في مقابل تلك المكاسب التي يطرحها هذا السيناريو، تبرز جملة من التحديات، لعل أخطرها التهديد الكردي لتركيا في ظل الحرب الجارية في الإقليم، خاصة بعد إعلان عدد من الأحزاب الكردية الإيرانية تشكيل ائتلاف سياسي معارض تحت مسمى “ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران” لإسقاط النظام الإيراني وتحقيق حق تقرير المصير للأكراد. وتنبع حساسية هذا التطور بالنسبة لتركيا من احتمالية تحول المناطق الكردية في إيران، مستغلة حالة الفوضى الناتجة عن سقوط النظام، إلى مجال نشاط متزايد للفصائل المسلحة المرتبطة أو المتقاطعة مع حزب العمال الكردستاني، وهو ما قد يعيد تنشيط شبكات التمرد الكردي العابرة للحدود، ومن ثم يقوض مسار الاحتواء التركي، ويخلق بيئة أمنية جديدة تعيد فتح جبهة الضغط الكردي على تركيا. وإذا نفذت إدارة ترمب خطتها لتسليح الأكراد في إيران وتقديم الدعم اللوجستي والجوي لهم، فقد تواجه تركيا مخاطر أمنية أكبر من تلك التي واجهتها خلال الأزمة السورية.
علاوة على ذلك، قد تمثل الحرب الدائرة ضد إيران أحد العوامل المحتملة لظهور موجة جديدة من اللاجئين باتجاه تركيا، خاصة في حال امتداد العمليات العسكرية أو تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في المناطق الحدودية الإيرانية. كما قد تؤدي موجة لجوء جديدة إلى تفاقم التوترات السياسية الداخلية، وإلى زيادة الضغوط على البنية التحتية والخدمات العامة في المناطق الحدودية، فضلا عما قد يرافقها من تحديات أمنية مرتبطة بإدارة الحدود ومنع تسلل عناصر مسلحة أو شبكات تهريب عبر الحدود. ومن ثم، فإن احتمالية تدفق لاجئين جدد من إيران تمثل أحد الأبعاد الإنسانية والأمنية التي قد تضيف تكلفة استراتيجية إضافية على تركيا في ظل تداعيات الحرب الإقليمية الجارية.
كما يشكل استهداف إيران للمصالح التركية في دول الجوار أحد التحديات الاستراتيجية المباشرة لأنقرة في ظل تمدد الحرب الجارية، فقد تسعى طهران إلى توظيف نفوذها في دول مثل العراق وسوريا لضرب المصالح التركية، سواء عبر دعم جماعات مسلحة محلية أو تعطيل المشاريع الاقتصادية التركية في الموانئ والممرات التجارية الحيوية. وتشمل هذه التهديدات المنشآت الصناعية والاستثمارات في قطاع الطاقة، بالإضافة إلى الطرق والبنى التحتية اللوجستية التي تربط تركيا بأسواق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ويزيد هذا الاستهداف من تعقيد مهمة أنقرة في حماية نفوذها الإقليمي، ويفرض عليها إنفاق موارد إضافية على الأمن والدفاع، كما يشكل ضغطا دبلوماسيا مستمرا في التعامل مع السلطات المحلية والحلفاء الدوليين.
السيناريو الثالث: توسيع نطاق الحرب وانهيار النظام الإيراني:
قد يتحول النزاع الحالي إلى حرب واسعة النطاق مع توسيع أهداف واشنطن وتل أبيب لتشمل السيطرة على الممرات الاستراتيجية والطاقة الإيرانية، وقد تشمل تدخلا عسكريا أمريكيا بريا، وربما إشراك أطراف دولية في الدعم اللوجستي والعسكري. وقد تتضمن الحرب الموسعة حملة بالوكالة مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لدعم جماعات قومية كردية وبلوشية، ما يؤدي إلى انهيار النظام الإيراني وانتقال سريع للسلطة. فقد يشرف على هذه العملية شخصية معارضة لديها قبول شعبي في إيران ودعم غربي، وهو ما يعد السيناريو الأمثل للولايات المتحدة وإسرائيل، لكن هذا السيناريو مستبعد على المدى المنظور نظرا لطبيعة النظام العقدي الإيراني وهيكل الحكم الإيراني المعقد القائم على مؤسسات راسخة وغياب شخصية تجمع بين القبول الداخلي والغربي، فضلا عن تنامي الضغوط الداخلية على الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب ورغبته في تحقيق إنجاز سريع منخفض الكلفة.
غير أنه في حال حدوث هذا السيناريو، من المرجح أن تتكبد أنقرة مجموعة من الأعباء تتمثل في: اختلال توازن القوى الإقليمي على نحو يضر بالمصالح التركية. فعلى الرغم من التنافس الجيوسياسي بين تركيا وإيران، فإن وجود إيران كقوة إقليمية يمثل في الوقت ذاته عنصرا من عناصر توازن القوى في الشرق الأوسط. وإذا أسفرت الحرب عن إضعاف إيران بدرجة كبيرة، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بطريقة تمنح نفوذا أكبر لقوى أخرى، خاصة إسرائيل، بما قد يقلص المجال الاستراتيجي المتاح لتركيا للتحرك في بعض الملفات الإقليمية.
علاوة على احتمال تزايد الضغوط الأمنية على الحدود الجنوبية والشرقية، فقد تؤدي الحرب الموسعة إلى تصاعد حالة عدم الاستقرار في المحيط الجغرافي لتركيا، خاصة في المناطق المتاخمة لإيران والعراق. فإضعاف إيران أو انشغالها بالصراع قد يفتح المجال أمام تنامي الفاعلين غير الدوليين أو الجماعات المسلحة في مناطق التماس، وهو ما قد يضاعف التحديات الأمنية التي تواجهها أنقرة في إدارة حدودها الطويلة مع إيران والعراق. كما أن أي انهيار جزئي في البنية الأمنية الإيرانية قد يؤدي إلى موجات نزوح أو تحركات غير منضبطة للسكان نحو الحدود التركية، الأمر الذي يضيف أعباء أمنية وإنسانية جديدة.
ووفقا لهذا السيناريو، قد تصبح إيران الجديدة أكثر تماهيا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما قد يؤدي إلى تغيير تدريجي في علاقة تركيا بالولايات المتحدة وإسرائيل. وقد يسفر تنامي ميل إيران إلى الولايات المتحدة عن تقليص النفوذ الدبلوماسي والسياسي والعسكري لتركيا في واشنطن بعد إحكام السيطرة الغربية على النظام الإيراني الجديد. وفضلا عن ذلك، يمكن أن يؤدي انهيار النظام الإيراني إلى تفجير توترات إثنية وطائفية في مناطق واسعة من غرب آسيا، وهو ما قد ينعكس على البيئة الداخلية لتركيا بحكم تداخل الهويات العرقية والمذهبية في المنطقة. فتصاعد الاستقطاب الطائفي أو الإثني قد يعيد تنشيط بعض التوترات الداخلية أو يزيد من حساسية التوازنات الاجتماعية داخل تركيا، خاصة في المناطق الحدودية.
إلا أن انهيار النظام الإيراني والانتقال السريع للسلطة قد يكونان فرصة لأنقرة، ارتباطا بتنامي الفراغات الجيوسياسية بعد تآكل النفوذ الإيراني. وفي هذه الحالة، قد تسعى تركيا إلى توسيع حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في دول مثل العراق وسوريا، مستفيدة من شبكات نفوذها القائمة ومن قدرتها على توظيف أدوات قوتها الناعمة، ومن شأن هذا التحرك أن يعزز موقع أنقرة فاعلا رئيسيا في المنطقة، خاصة إذا نجحت تركيا في تعزيز علاقاتها مع دول الخليج وإنهاء ملفات التوتر التاريخية.
تعكس التجربة التاريخية للعلاقات العثمانية-الصفوية نموذجا للسياسات الموازنة التي اعتمدتها تركيا، فلم يسع الصراع التقليدي بين القوتين إلى الإقصاء الكامل للطرف الآخر، بل إلى ضبط النفوذ الإقليمي ضمن أطر تمنع انهيار الاستقرار في المنطقة. وهذا الإرث التاريخي يوفر إطارا تحليليا لفهم سلوك تركيا الراهن في مواجهة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. فمن غير المرجح أن تنخرط تركيا في صراع مباشر ضد الجمهورية الإسلامية، بل ستسعى إلى سلوك يقوم على إدارة توازن دقيق بين الحفاظ على علاقاتها مع القوى الغربية، واستثمار الفراغ الاستراتيجي الناتج عن تراجع النفوذ الإيراني الجزئي، سواء في مجال الممرات الاقتصادية والطاقة، أو في القضايا الدبلوماسية المرتبطة بدول الجوار والقوقاز وآسيا الوسطى، دون كسر قواعد الاستقرار التاريخي بين الدولتين. غير أن قدرة تركيا على استثمار الحرب الجارية وتحويلها إلى مكاسب استراتيجية لن تعتمد فقط على استجابتها اللحظية للتطورات، بل ترتبط بدرجة أكبر بمدى قدرتها على توظيف موقعها الجيوسياسي وشبكة علاقاتها المتشابكة مع مختلف الأطراف الفاعلة في الصراع. كما يتوقف ذلك على قدرة صانع القرار التركي على قراءة التحولات الجارية في موازين القوى الإقليمية والدولية، والحفاظ على متطلبات الأمن القومي التركي بما يسمح لها بتعظيم مكاسبها وتقليص أعبائها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير