
في عالم لم تعد فيه كابلات الألياف الضوئية مجرد بنية تحتية تقنية؛ بل أدوات نفوذ إستراتيجي، يبرز القرار السعودي بتوجيه ممر البيانات بين الشرق والبحر المتوسط عبر سوريا كإشارة واضحة إلى تحول عميق في ميزان القوى الإقليمي. هذا القرار لا يتعلق بالاتصالات فحسب؛ بل يعكس رؤية جيوسياسية سعودية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل شبكة التحالفات، وممرات النفوذ في الشرق الأوسط.
اختيار دمشق، بدلًا من إسرائيل، دولة عبور رئيسة لمشروع يربط الخليج بأوروبا رقميًّا، يعكس إدراك الرياض أن السيطرة على مسارات البيانات تعادل في أهميتها السيطرة على خطوط الطاقة. فالدول التي تصبح مراكز عبور للبيانات لا تجني فقط عائدات مالية؛ بل تكتسب أيضًا وزنًا سياسيًّا طويل الأمد، وتتحول إلى نقاط ارتكاز لا يمكن تجاوزها في النظام الدولي الجديد.
بالنسبة للسعودية، يمثل هذا التحول امتدادًا طبيعيًّا لإستراتيجيتها الهادفة إلى ترسيخ موقعها بوصفها قوة مركزية تربط آسيا وأوروبا وإفريقيا. ومن خلال الاستثمار في البنية التحتية السورية، لا تسعى الرياض إلى المساهمة في إعادة الإعمار فقط؛ بل إلى تثبيت دورها كراعٍ رئيس لعودة سوريا إلى النظام الإقليمي، وشريك لا غنى عنه في مستقبلها الاقتصادي.
أما سوريا، التي عانت -سنوات طويلة- الحرب والعزلة، فقد تجد في هذا المشروع فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعها؛ فالدول التي تمر عبرها شبكات البيانات العالمية تتحول إلى عقد إستراتيجية؛ ما يمنحها مصادر دخل مستدامة، ونفوذًا سياسيًّا متزايدًا. والأهم أن إعادة ربط سوريا بالبنية الرقمية العالمية قد تصبح بوابة أوسع لعودتها إلى الاقتصاد الدولي.
لكن أهمية هذا التحول لا تقتصر على التحليل النظري، بل تتجلى أيضًا في التقييمات التقنية المباشرة من داخل القطاع السوري نفسه.
في تصريح حصري للصحفي ستيفن صهيوني، أوضح المهندس السوري مهند سلطون الأهمية الإستراتيجية لإعادة توجيه كابل الألياف الضوئية عبر سوريا.
وقال سلطون إن المشروع يمثل فرصة تكنولوجية واقتصادية طويلة الأمد ذات تداعيات إستراتيجية بعيدة المدى.
ومن منظور هندسي، فإن تمرير الكابل عبر سوريا سيمنح البلاد قدرة أكبر بكثير على نقل البيانات الدولية، تُقاس بالتيرابايت، إضافة إلى خفض زمن التأخير الذي يُقاس بالميكروثانية. كما سيوفر مسارًا احتياطيًّا يعزز موثوقية الشبكة الوطنية السورية.
كما أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة مع مهند سواس، مدير الشبكات في وزارة الطاقة السورية، قال فيها:
“إن إعادة التوجيه المحتملة لاتصالات الألياف الضوئية بين اليونان والسعودية عبر سوريا بدلًا من إسرائيل تمثل تحولًا جيوسياسيًّا كبيرًا في البنية التحتية الرقمية. ويبدو أن هذه الخطوة تأتي بتوقيت إستراتيجي في ظل التوترات الإقليمية، وقد تسهم في عزل إسرائيل مع إعادة تأهيل سوريا اقتصاديًّا”.
وأضاف سواس:
“رغم احتمال تحسين الربط الإقليمي عبر العالم العربي، لا يمكن تجاهل التحديات التقنية والأمنية لتمرير الكابل عبر دولة عانت حربًا. إن استقرار البنية التحتية في بلد لا يزال يشهد صراعًا يثير مخاوف مشروعة تتعلق بالموثوقية”.
وتابع:
“يعكس هذا القرار كيف أصبحت البنية التحتية الرقمية مرآة لتوازنات القوى التقليدية، حيث تتحول الاتصالات إلى ساحة جديدة للتعبير عن الاصطفافات والتوترات الدبلوماسية في الشرق الأوسط”.
وقال أيضًا:
“إن إعادة توجيه الكابل قد توفر لسوريا استثمارات حيوية في البنية التحتية بعد سنوات من الصراع المدمر، وقد تخلق فرص عمل وبرامج تدريب تقني للسوريين”.
وأضاف:
“من شأن المشروع إعادة ربط سوريا بالشبكات الرقمية العالمية، وتعزيز موثوقية الإنترنت وسرعته بما يدعم التعافي الاقتصادي، ويجذب مزيدًا من الاستثمارات الأجنبية”.
وختم سواس بالقول:
“قد تمثل هذه المبادرة إشارة إلى إعادة اندماج سوريا تدريجيًّا في الاقتصاد والسياسة الإقليميين، وربما تسريع تطبيع العلاقات مع الدول المجاورة وما بعدها”.
هذه التقييمات الهندسية تعكس حقيقة جوهرية، وهي أن مشروعات البنية التحتية الرقمية لم تعد مجرد استثمارات تقنية؛ بل أدوات لإعادة تشكيل المكانة الدولية للدول. فحين تصبح دولة ما ممرًا رئيسًا لتدفقات البيانات، فإنها تتحول إلى عنصر لا يمكن تجاوزه في المعادلات الاقتصادية والسياسية.
البعد الأكثر حساسية في هذا التحول يكمن أيضًا في رسائله السياسية؛ فاستبعاد إسرائيل من هذا المسار لا يمكن فصله عن الواقع الإقليمي الجديد، حيث تعيد القوى الكبرى في الشرق الأوسط تقييم أولوياتها وتحالفاتها. لم تعد الجغرافيا وحدها تحدد مسارات المشروعات؛ بل أصبحت السياسة عاملًا حاسمًا في رسم خرائط الاتصال والطاقة.
كما يعكس المشروع إدراكًا متزايدًا بأن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لن يُقاس بالقوة العسكري فقط؛ بل بالقدرة على التحكم في تدفقات البيانات، فالكابلات التي تنقل المعلومات أصبحت شرايين الاقتصاد العالمي، والدول التي تستضيفها تكتسب دورًا يتجاوز حدودها الجغرافية.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الرؤية سيظل مرهونًا بعوامل معقدة، أبرزها الاستقرار السياسي في سوريا، وقدرة الحكومة على حماية البنية التحتية، واستعداد المجتمع الدولي للتعامل مع واقع إقليمي جديد تتغير فيه مراكز الثقل تدريجيًّا.
في المحصلة، لا يمثل هذا المشروع مجرد استثمار في قطاع الاتصالات؛ بل خطوة إستراتيجية قد تعيد رسم الخريطة الاقتصادية والسياسية للمنطقة. بالنسبة للسعودية، هو إعلان عن طموحها لقيادة مستقبل الربط الإقليمي. وبالنسبة لسوريا، قد يكون بداية التحول من ساحة صراع إلى محور عبور عالمي.
في عالم يتشكل حول ممرات البيانات، يبدو أن دمشق تستعد لاستعادة دورها التاريخي، ليس بوصفها ممرًا للقوافل فقط، بل ممرًا للمعلومات، وهي السلعة الأكثر قيمة في عصرنا الحديث.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير