تقدير موقف

ماذا تكشف خسارة أوربان عن حدود الرهان على اختراق أوروبا في استراتيجية موسكو

سقوط أوربان.. هل تكون نهاية وهم الحليف الأوروبي في حسابات الكرملين


  • 14 أبريل 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: inquirer

لا يمكن النظر من قلب موسكو إلى خسارة فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية على أنها تحول سياسي عادي أو داخلي في بلد أوروبي صغير، لا يتجاوز عدد سكانه عشرة ملايين نسمة، أي أقل من عدد سكان العاصمة الروسية نفسها، ذلك أن المجر في عهد أوربان لعبت دور العضو المشاكس في الاتحاد الأوروبي، الذي عطل القرار الأوروبي مرات عديدة لصالح روسيا.

وبذلك، فإن حدث الانتخابات المجرية، الذي نتناوله في هذا المقال، يتجاوز بودابست ليصل إلى لب وقلب معادلة العلاقة بين موسكو وبروكسل، بمعناها الأوروبي لا البلجيكي، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

لقد كان فيكتور أوربان، الذي غادر السلطة أمس الأحد 12 إبريل (نيسان) 2026، بعد 16 عاما من الإمساك المحكم بمفاصلها، حليفا غير تقليدي للكرملين في قلب أوروبا. إنه كان نموذجا أوروبيا خاصا، وأنا أتحدث عنه وأصفه هنا من بؤرة العلاقات مع موسكو، وليس مع واشنطن أو تل أبيب، فلا شأن لي بهما في هذا الصدد الآن.

ما أقصده أن الرجل كان شريكا براغماتيا مصلحيا قحا، قادرا على إبطاء الإجماع الأوروبي وتعطيل بعض مساراته، كما كان يوفر إمكانية فتح نافذة محدودة، ولكن مؤثرة، للمناورة داخل بنية الاتحاد.

وبعد صمت منذ لحظة اعتراف أوربان بسقوطه أمس الأحد، أكد الكرملين اليوم الاثنين 13 إبريل (نيسان) الجاري، على لسان المتحدث الرئاسي دميتري بيسكوف، في أول تعليق على هذه الخسارة الساحقة لحليفه الأوروبي الرئيسي، استعداده لمواصلة الحوار مع القيادة المجرية الجديدة، مع التشديد على أن موسكو تعول على استمرار الاتصالات البراغماتية مع بودابست رغم خسارة فيكتور الانتخابات البرلمانية.

صيغة خطاب الكرملين الرسمية الهادئة في تعليقها على هذا التطور لا ينبغي أن ننظر إليها كلغة حياد، ذلك أن موسكو سيتوجب عليها بعد هذه الخسارة أن تغير من مقاربتها في التعامل مع أوروبا. وما أقصده أن الرهان على شخصيات سياسية بعينها، حتى وإن كانت بوزن وكاريزمية أوربان، لا يمكن وضعه كركن أساسي في استراتيجية إدارة العلاقات أو الخلافات مع أوروبا في هذه المرحلة الحساسة.

سقوط أوربان وقدوم حكومة جديدة لقيت دعما واضحا ومعلنا من الجهاز البيروقراطي الأوروبي، يحتم على الكرملين وموسكو الانتقال السريع إلى تكتيكات وأساليب جديدة للمحافظة على مصالحها داخل بيئة أوروبية تصبح الآن أكثر تماسكا، والأهم أو الأخطر، أنها أقل قابلية للاختراق السياسي.

ومما لا شك فيه، في رأيي، أن خسارة أوربان ستؤدي إلى تضييق تدريجي لهوامش المناورة داخل أروقة صنع القرار داخل الاتحاد الأوروبي. فقد استطاع أوربان، خصوصا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، توظيف موقع بلاده داخل الاتحاد الأوروبي لتعطيل أحيانا وإبطاء أحيانا أخرى، حسب المقابل الذي كان يحصل عليه، المسارات المعادية لروسيا في ملفات فرض حزم العقوبات المتوالية على روسيا أو قرارات دعم أوكرانيا.

ومن واقع متابعتي لردود الفعل الروسية على الانتخابات المجرية، حتى قبل انتهائها بسقوط أوربان المدوي وفوز الحزب المدعوم أوروبيا، وجدت بها تباينا كبيرا. وهذا التباين كان سيبدو طبيعيا لو جاء في سياق غير السياق الذي نحن فيه الآن، وإلا فمن كان أصلا يهتم بانتخابات تجري في دولة أوروبية صغيرة مثل المجر، لولا أوربان وأفعاله وتشابكات العلاقات الروسية الأوروبية في هذه اللحظة التاريخية ودوره فيها.

وهذا التباين الذي رصدته على عدة مستويات، سأتناوله ببعض التفصيل في الفقرات التالية، لا يعكس ارتباكا بقدر كونه يتحدث عن اختلافات في تقدير الأثر المتوقع والمحتمل.

وسأبدأ بالانطباع العام الذي تولد لدي، وهو أن هناك شبه إجماع داخل النخبة الروسية، بكل تنوعاتها، على أن أوربان لم يكن حليفا بالمعنى الكلاسيكي لبوتين، ولا يجوز وصفه بذلك، وإنما كان أداة سياسية مفيدة داخل بنية أوروبية معقدة.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي في موسكو ليس: هل خسرت روسيا أو الكرملين حليفا؟ ولكن: إلى أي مدى خسر بوتين أداة تعطيل داخل الجهاز البيروقراطي الأوروبي؟

وبالعودة إلى ردود الفعل النخبوية الروسية، وإذا بدأنا بدوائر الفكر الروسي، فقد لمست في الأكثر توازنا وموضوعية في التحليل بينها شبه إجماع على أن لا ثورات سوف تحدث نتيجة هذا التحول في المجر، بمعنى أن هناك قناعة راسخة داخل دوائر التفكير الروسية هذه بأن التغيير السياسي في أوروبا لا يؤدي بالضرورة عادة إلى تغييرات جذرية في السياسات، خاصة عندما تكون الاعتمادية كبيرة.

وفي الدائرة الأمنية الروسية بدورها، ينظر إلى سقوط أوربان باعتباره مؤشرا على تقلص المساحات الرمادية داخل أوروبا، بمعنى أن قدرة بعض الدول الفردية على مقاومة الضغوط الجماعية من بروكسل وواشنطن تتراجع. لكن هذا التقييم أيضا لا يصل إلى حد اعتبار هذا الحدث تحولا استراتيجيا، بل ينظر إليه، أي حدث سقوط أوربان، على أنه إضعاف لأداة، وليس إغلاقا للمسار بالكامل، وبالتالي فإن مجال المحاولة والعمل لا يزال مفتوحا.

أما في دائرة النخبة الاقتصادية، فقد جاءت قراءتها بنبرة أكثر هدوءا، ولمست في أغلبها اعتقادا بأن المصالح العميقة، خاصة في مجال الطاقة، ستظل قادرة على الصمود أمام التغيرات السياسية. فهناك عقود طويلة الأجل موقعة بين البلدين، وهناك بنية تحتية كبيرة قائمة، وتكلفة البدائل ستكون عالية، وبالتالي فإن كل ذلك عوامل تجعل من الصعب على أي حكومة مجرية أن تتبنى قطيعة اقتصادية سريعة مع روسيا.

وفي الدائرة البيروقراطية السياسية، تتبلور مقاربة وسطية تقوم على الانتظار والترقب، وهذا ما نستوحيه حتى من تصريحات بيسكوف الخجولة اليوم. فالتجربة الروسية مع أوروبا خلال السنوات الأخيرة أظهرت بالفعل أن التغيرات السياسية لا تقود إلى تحولات فورية في الفعل السياسي بسبب تشابك المصالح الاقتصادية العميقة مع روسيا.

ومع ذلك، تتقاطع هذه النظرة مع تقديرات أكثر تشددا في الإعلام الروسي، تربط بين سقوط أوربان وإمكانية أو احتمالية تمرير حزم دعم مالية كبيرة لأوكرانيا، وهو ما سيعزز بالتالي الموقف الأوروبي سياسيا ومؤسسيا. لكن هذا التأثير، مع ذلك، يظل محصورا في الإطار السياسي، ولا أتوقع أن يترجم سريعا إلى تغيير حاسم في ميزان القوى الميداني.

وما أرمي إليه هنا، استنتاجا من كل ما ذكرته أعلاه، أن التأثير الأبرز لسقوط أوربان على مستوى حرب أوكرانيا، وهو ما يعني روسيا في المقام الأول، سيكون على الأغلب سياسيا وليس عسكريا. فمن المرجح أن يؤدي تراجع الدور التعطيلي لبودابست وأوربان إلى زيادة تماسك القرار الأوروبي، خصوصا فيما يتعلق بالتمويل والدعم المؤسسي لكييف.

ومع الأخذ في الاعتبار كل هذه القراءات أعلاه، فإنني أعتقد أنه لا ينبغي على موسكو التخلي بحال عن فكرة استثمار التباينات داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصا تلك التي تأتي من شخصيات الحكام، لأنني متأكد أنها ستظل موجودة وسوف تتعزز وتزداد. لكن مع ذلك، لا ينبغي عليها أبدا أن تراهن عليها كالمراهنة على أحصنة السباق أو اعتبارها ركيزة أساسية في استراتيجيتها للعلاقات مع أوروبا.

لا بد أن يتجه التفكير السياسي الروسي نحو التركيز على العوامل الأكثر ثباتا، التي تربط أوروبا كشعوب ودول، وليس كأشخاص حاكمين، بروسيا، لاحتياجها، أي أوروبا، الموضوعي والواقعي إلى روسيا في مجالات مثل الاقتصاد والطاقة، وبالطبع الجغرافيا، بمعنى الجوار وضرورة الأمن المتبادل. لا بد من إدارة العلاقة مع أوروبا على أساس أنها علاقة تنافس طويل الأمد، تحتاج إلى طول نفس ومرونة في صياغة الاستراتيجيات وتعديلها المستمر لتلائم المتغيرات والمستجدات، وأن تتخلى عن تصور أن ما يجري الآن ليس إلا أزمة، زوبعة في فنجان، يمكن تجاوزها سريعا.

بخسارة أوربان، يدرك بوتين، في ظني، أنه فقد شريكا سياسيا مريحا داخل الاتحاد الأوروبي. وهي بلا شك انتكاسة سياسية واضحة، لكنها، مع ذلك، لا تمس جوهر العلاقة القائمة بين بودابست وموسكو على الضرورات الاقتصادية.

وعلى الرغم من أن هذه الخسارة ليست انهيارا استراتيجيا، إلا أننا نخرج منها بدرس مستفاد، وهو أن العلاقة مع المجر أو مع أوروبا عموما لا ينبغي أن تُبنى على الرهان على شخصيات سياسية، بل على إدارة حكيمة لتوازن معقد بين الصراع والمصالح.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع