
في 14 فبراير (شباط)، خاطب سعد الحريري حشدًا من عشرات الآلاف الذين تجمعوا عند ضريح والده رفيق الحريري في بيروت، الذي اغتيل قبل 21 عامًا.
وأعلن سعد الحريري عودة “تيار المستقبل” في الانتخابات البرلمانية المقبلة في مايو (أيار)، بعد أن حلّ الحزب قبل أربعة أعوام، لكنه لم يحدد ما إذا كان سيترشح للمنصب.
الحريري، وهو نائب سابق، ورئيس وزراء أسبق، يعيش في الخارج منذ انسحابه من المشهد السياسي عام 2022، وهو ما ترك الطائفة السنية منقسمة في البرلمان، حيث تُقسَّم المقاعد وفق نظام المحاصصة الطائفية.
ينقسم سكان لبنان إلى ثلاث مجموعات متقاربة العدد: السنة والشيعة والمسيحيين. ويواجه حزب الله، وهو جماعة شيعية مسلحة، ضغوطًا داخلية ومن قوى أجنبية لنزع سلاحه، لصالح أن يصبح الجيش اللبناني الجهة المسلحة الشرعية الوحيدة.
توفي رئيس الوزراء رفيق الحريري في بيروت، في 14 فبراير (شباط) 2005، إثر انفجار ضخم استهدف موكبه. ويقول محللو الشرق الأوسط إنه من المستحيل المبالغة في تقدير تأثير وفاته على المنطقة، فقد كان التفجير زلزالًا سياسيًّا هزّ الشرق الأوسط، وأطلق سلسلة من الأحداث التي أعادت تشكيل بلاد الشام.
للوهلة الأولى، شعر من تابعوا الأخبار العاجلة عن الانفجار الضخم الذي أودى بحياة الحريري وآخرين كُثر، أن الجهة المسؤولة عن الهجوم كانت تسعى إلى تدمير سوريا.
وأشار محللون في البداية إلى إسرائيل بوصفها المستفيد الرئيس من الهجوم، الذي أدى إلى انسحاب قوات الاحتلال السوري في 26 أبريل (نيسان) 2005، منهيةً احتلالًا دام 29 عامًا.
غير أن التحقيقات أشارت إلى الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد باعتباره المسؤول. ويشير خبراء إلى اجتماع ديسمبر 2003 بين رفيق الحريري والأسد باعتباره بداية النهاية للحريري.
وكتب بهاء الحريري، الشقيق الأكبر لسعد الحريري، على منصة “إكس”: “إن طبقة الفشل التي ورثت السلطة على مدى العقدين الماضيين نجحت في تحويل لبنان إلى رهينة، وإغراق شعبه في هوة سحيقة من الإفلاس، والتبعية، والفساد المنهجي. هذه الطبقة الحاكمة، الموبوءة بالارتهان للسلاح، ونهب الأموال العامة، لم تدمّر أسس البلاد فحسب؛ بل سعت إلى كسر إرادة الناس، وتفكيك الدور الريادي للبنان في محيطه وفي العالم”.
وأضاف أن “مشروع رفيق الحريري تعرّض لاغتيال ثانٍ: عبر تبرير السلاح غير الشرعي، وتطبيع الانهيار، والتغطية على الفساد تحت مسميات الوحدة الوطنية والحكمة”.
وكان بهاء الحريري يشير إلى الأزمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تؤثر في لبنان، والتي كُشف عنها خلال احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، المعروفة باسم “ثورة أكتوبر”.
وقد نجمت الأزمة، التي يحاول لبنان حاليًا التعافي منها، عن عقود من سلوك النخبة الحاكمة الثرية، واستخفافها بالشعب اللبناني، فقد شعر الأثرياء وأصحاب النفوذ أنهم فوق القانون، ويمكنهم الإفلات من جرائم مثل إساءة استخدام السلطة، وسرقة الأموال العامة.
دُفع سعد الحريري إلى صدارة المشهد السياسي اللبناني عقب وفاة والده، وشكّل “تحالف 14 آذار” إلى جانب وليد جنبلاط، زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، وسمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية. وانتُخب الحريري نائبًا في انتخابات 2005 عن دائرة بيروت الأولى -وهو المقعد نفسه الذي شغله والده سابقًا- وحصل على أكبر كتلة برلمانية في تلك الدورة، وأُعيد انتخابه عام 2009، حين فاز “تحالف 14 آذار” مجددًا بالأغلبية البرلمانية.
واتهم التحالف الحكومة السورية وحلفاءها اللبنانيين، المعروفين باسم “قوى 8 آذار”، بالتورط في اغتيال رفيق الحريري. ونظم الائتلاف سلسلة من المظاهرات الواسعة النطاق عُرفت باسم “ثورة الأرز”، مطالبًا بانسحاب القوات السورية من لبنان، وإنشاء محكمة دولية لملاحقة المسؤولين عن الاغتيال.
ويرتبط الحريري بمنظمات أعمال دولية ومؤسسات مالية سعودية، ويملك “تليفزيون المستقبل”، وهي وسيلة إعلام لبنانية تتماشى مع حركته السياسية.
بعد 26 عامًا من البث، علّقت محطة “تلفزيون المستقبل” عملياتها رسميًّا في سبتمبر (أيلول) 2019 بسبب صعوبات مالية حادة.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أُعلن أن الموقع الإلكتروني لتليفزيون المستقبل ومنصاته على وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، إكس) سيستأنفان العمل لتغطية الأحداث الكبرى في لبنان.
وبينما كانت القناة تعتمد سابقًا على إعادة بث البرامج بعد إغلاقها عام 2019، هدفت خطوة عام 2024 إلى إحياء العلامة التجارية رقميًّا.
والمحطة مملوكة لعائلة سعد الحريري، وتمثل “تيار المستقبل”. ومع إعلان الحريري مشاركة حزبه في الانتخابات المقبلة، ستُستخدَم هذه المنصة الإعلامية الرقمية لحشد الدعم بين جمهورها.
يواجه لبنان ضغوطًا إقليمية ومحلية متزايدة. ويشير مراقبون إلى ضغوط أمريكية على الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، إلى جانب استمرار العنف في جنوب لبنان الذي تنفذه إسرائيل.
وفي ظل هذا المشهد، تحمل العودة المحتملة لسعد الحريري وزنًا سياسيًّا كبيرًا. ويؤكد أنصاره أنه لم ينجح أي شخص في ملء الفراغ الذي خلّفه انسحابه عام 2022. وقد حاول فاعلون إقليميون وعدد من السياسيين السنة إعادة تشكيل القيادة داخل الطائفة السنية، لكن تعليق نشاط “تيار المستقبل” ترك فجوة واضحة.
عودة سعد الحريري إلى الساحة السياسية اللبنانية لن تؤثر في التوازن الداخلي للبلاد فقط؛ بل قد تشير أيضًا إلى تحولات أوسع في الاصطفافات الإقليمية؛ فلبنان والعالم يراقبان من كثب، مدركين أن إرث الحريري لا يزال يشكّل مساره السياسي بعد أكثر من عقدين على ذلك اليوم المفصلي في بيروت.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير