مقالات المركز

زيارة هاكان فيدان إلى موسكو.. لماذا أصبح التنسيق التركي الروسي ضرورة إقليمية ودولية؟


  • 21 يونيو 2026

شارك الموضوع

لا يمكن قراءة زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى موسكو، التي امتدت من 15 إلى 17 يونيو (حزيران) 2026 بدعوة من نظيره الروسي سيرغي لافروف، بوصفها محطة دبلوماسية روتينية في جدول مزدحم. فالتوقيت وحده يكشف ثقل اللحظة: حرب مفتوحة في أوكرانيا لم تنطفئ، وبحر أسود تتزايد فيه مخاطر التصعيد، وشرق أوسط يُعاد فيه ترتيب موازين القوى بعد سقوط النظام السوري السابق، وجنوب قوقاز يتشكل على وقع تفاهمات جديدة، إضافة إلى ملفات الطاقة وأمن الملاحة الممتدة من البحر الأسود إلى مضيق هرمز.

وتأتي الزيارة قبل أسابيع قليلة من قمة حلف شمال الأطلسي التي تستضيفها تركيا مطلع يوليو (تموز)، ما يجعلها رسالة مزدوجة الاتجاه: نحو موسكو ونحو الغرب في آن واحد.

العلاقة بين أنقرة وموسكو ليست تحالفاً كاملاً، وليست خصومة كاملة. إنها علاقة مصالح مركبة تجمع بين التعاون والتنافس وإدارة الخلافات في الوقت نفسه. وهذا التوصيف ليس مجرد لغة دبلوماسية، بل مفتاح لفهم أسباب صمود هذه العلاقة رغم تضارب المواقف في أكثر من ملف، وحرص الطرفين على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في لحظات التوتر.

موقع تركي فريد في نظام دولي متعدد الأقطاب

تكمن الميزة الأساسية لأنقرة في أنها تشغل موقعاً لا تملكه كثير من العواصم الأوروبية. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي وملتزمة بمنظومته الأمنية، لكنها تحتفظ في الوقت ذاته بقنوات اتصال مباشرة ومفتوحة مع موسكو.

ويمنحها هذا الوضع المزدوج قدرة نادرة على التواصل مع الكرملين وكييف والعواصم الغربية في آن واحد، ما يحولها إلى نقطة تماس بين معسكرات لم يعد بينها سوى قدر محدود من الثقة. وفي نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية وتتراجع فيه الوساطات التقليدية، تصبح هذه القدرة التركية رصيداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموقع الجغرافي أو الثقل العسكري.

الوساطة في الملف الأوكراني

يشكل الملف الأوكراني العنوان الأبرز للزيارة. فقد جددت أنقرة، وفق ما نقلته مصادر دبلوماسية، عرضها استضافة جولة جديدة من المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، بل واستضافة لقاء على مستوى القادة كانت كييف قد طلبته في وقت سابق من العام.

وتستند تركيا في ذلك إلى رصيد ملموس؛ إذ احتضنت المحادثات المبكرة بين الطرفين، وكانت طرفاً محورياً في صياغة اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، ما منحها سمعة وسيط عملي لا يكتفي بالخطاب السياسي، بل يقدم آليات قابلة للتنفيذ.

وتخدم هذه الوساطة ثلاثة أهداف مترابطة: منع توسع الحرب، وحماية أمن البحر الأسود، وصون المصالح الاقتصادية والأمنية التركية التي تتأثر مباشرة بأي اضطراب في جوارها الإقليمي. ويبقى جوهر الموقف التركي قائماً على البحث عن تسوية تحفظ الاستقرار، لا على تحقيق انتصار كامل لأي من الطرفين.

أمن البحر الأسود وحرية الملاحة

يمثل البحر الأسود مجالاً حيوياً لتركيا وروسيا وأوكرانيا وأوروبا على حد سواء. وأي تصعيد بحري، سواء عبر استهداف البنية التحتية أو السفن التجارية، قادر على إشعال أزمة تتجاوز حدود الميدان العسكري لتطال أسواق الطاقة والغذاء.

ولهذا تتمسك أنقرة بحرية الملاحة وبضبط حركة العبور وفق اتفاقية مونترو، وتدفع نحو ترتيبات لخفض التصعيد تشمل الموانئ والبنية التحتية للطاقة. ويتمثل الهدف التركي في الحيلولة دون تحول البحر الأسود إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين روسيا والحلف الأطلسي، لأن تركيا ستكون من أوائل المتضررين من أي انفلات في هذه المنطقة الحساسة.

الشرق الأوسط: سوريا في قلب المعادلة

لم يعد الشرق الأوسط ساحة منفصلة عن الحرب الأوكرانية، بل أصبح جزءاً من معادلة دولية أوسع تتداخل فيها ملفات سوريا وليبيا والعراق والطاقة وغزة.

وفي صدارة هذه الملفات تقف سوريا، التي تمثل اليوم أحد أكثر اختبارات العلاقة التركية الروسية حساسية بعد التحول السياسي الذي أعقب سقوط النظام السابق وصعود إدارة جديدة في دمشق.

لقد تبدلت قواعد اللعبة جذرياً. فروسيا، التي كانت لاعباً مهيمناً، تحولت إلى طرف يتفاوض على إعادة تنظيم وجوده العسكري بعد تقلص حضوره عملياً إلى قاعدتين رئيسيتين في حميميم وطرطوس، فيما تجري مباحثات بشأن مستقبلهما مع السلطات السورية الجديدة.

أما تركيا، فتحتفظ بمخاوف أمنية مرتبطة بالحدود وملف اللاجئين والتنظيمات المسلحة، فضلاً عن نفوذ متنامٍ في المشهد السوري الجديد. ومن ثم يصبح التنسيق بين أنقرة وموسكو ضرورة لإدارة مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة، لأن غيابه قد يفتح الباب أمام صدام أو فراغ أمني واسع.

أمن الطاقة ومضيق هرمز

تتصل الزيارة بصورة مباشرة بملف الطاقة وأمن الملاحة في مضيق هرمز. فكلا البلدين يدرك أن أي تصعيد في الخليج أو تهديد لحرية المرور في هذا الممر الحيوي سينعكس فوراً على أسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية.

وتسعى أنقرة إلى تقديم نفسها قوة توازن في قضايا الطاقة وممراً موثوقاً بين الشرق والغرب، بينما تنظر موسكو إلى اضطراب الأسواق من زاوية أكثر تعقيداً، إذ يحمل مخاطر على الاستقرار العام، لكنه قد يوفر أيضاً فرصاً إضافية لدولة منتجة كبرى تواجه ضغوط العقوبات الغربية.

جنوب القوقاز: حيث يتقاطع التعاون مع التنافس

يحتل جنوب القوقاز موقعاً متقدماً في أجندة الزيارة، خصوصاً بعد التطورات المتسارعة في مسار التطبيع بين أرمينيا وأذربيجان، وفوز رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في الانتخابات الأخيرة.

وقد تحولت المنطقة إلى عقدة جيوسياسية تربط روسيا وتركيا وإيران وآسيا الوسطى وأوروبا. وفي الوقت الذي يتشارك فيه الطرفان مصلحة منع تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، فإنهما يتنافسان أيضاً على النفوذ وعلى رسم خرائط الممرات التجارية ومشاريع النقل والطاقة.

لذلك فإن التنسيق التركي الروسي في جنوب القوقاز يمثل إدارة للتنافس أكثر مما يمثل تطابقاً في المصالح.

البعد الاقتصادي: تجارة وطاقة وسياحة

لا تقتصر العلاقة بين البلدين على الجوانب السياسية والأمنية، بل ترتكز أيضاً على شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية.

فقد تضمنت أجندة الزيارة ملفات التبادل التجاري، وآليات التسويات المصرفية، ومحطة أكويو النووية التي تنفذها روسيا في تركيا، وخطي الغاز «السيل التركي» و«السيل الأزرق»، إضافة إلى قطاع السياحة الذي يتصدر فيه الروس قائمة الزوار الأجانب لتركيا.

ويشكل هذا التشابك الاقتصادي أحد أهم عوامل استمرارية العلاقة بين البلدين، حتى في فترات التباعد السياسي.

علاقة مركبة: إدارة التناقضات بدلاً من القطيعة

تقوم العلاقة التركية الروسية في جوهرها على إدارة التناقضات. فالبلدان يتعاونان في ملفات الطاقة والتجارة وبعض جهود الوساطة، ويتنافسان في سوريا وليبيا وجنوب القوقاز، وأحياناً في آسيا الوسطى.

وتكمن قوة هذه العلاقة في قدرة الطرفين على الفصل بين الملفات وعدم تحويل كل خلاف إلى قطيعة شاملة. إنها علاقة براغماتية بامتياز، تُدار وفق حسابات المصالح لا وفق الشعارات.

الاستنتاجات

تؤكد زيارة هاكان فيدان إلى موسكو أن التنسيق بين أنقرة وموسكو لم يعد خياراً دبلوماسياً ثانوياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية في عالم تتراجع فيه الثقة بين القوى الكبرى.

فتركيا تسعى إلى تعزيز دورها وسيطاً في أوكرانيا، ولاعباً مؤثراً في الشرق الأوسط، ومركزاً للممرات التجارية في جنوب القوقاز. وفي المقابل، تدرك روسيا أن الحوار مع أنقرة يمنحها نافذة مهمة على الحلف الأطلسي والشرق الأوسط والأسواق الإقليمية.

وبين هذه الحسابات المتقاطعة، تبقى القنوات المفتوحة بين العاصمتين أداة لإدارة الأزمات ومنع التصعيد وحماية المصالح المتبادلة، لا تعبيراً عن توافق كامل. وهذا تحديداً ما يجعل العلاقة التركية الروسية، بما تحمله من تعقيد وتناقضات، أحد أهم مفاتيح التوازنات الإقليمية والدولية في المرحلة الراهنة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع