
وصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى العاصمة الروسية موسكو، في يناير)كانون الثاني( 2026، في زيارة رسمية ذات دلالات إستراتيجية لافتة. تأتي هذه الزيارة في توقيت مفصلي تمرّ فيه القضية الفلسطينية بمرحلة حرجة على الصعيدين الميداني والدولي، فما زالت آثار الحرب المدمرة في قطاع غزة تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد الفلسطيني، والتوتر متصاعد في الضفة الغربية على وقع استمرار الاستيطان والعنف اليومي. في الوقت نفسه، يشهد النظام الدولي تحولات كبرى في موازين القوى؛ ما دفع القيادة الفلسطينية إلى البحث عن شركاء دوليين جدد لكسر حالة الجمود السياسي، وإعادة قضية فلسطين إلى صدارة الاهتمام العالمي. ضمن هذا السياق، تحمل زيارة عباس إلى موسكو أبعادًا سياسية ودبلوماسية خاصة، إذ يسعى من خلالها إلى الاستفادة من دور روسيا الدولي وعلاقتها المتشعبة إقليميًّا ودوليًّا، في محاولة لتغيير المعادلات التقليدية التي حكمت ملف المفاوضات عقودًا.
تجيء زيارة عباس لموسكو على خلفية تصعيد غير مسبوق في الأراضي الفلسطينية خلال الفترة الأخيرة؛ فقد شهد قطاع غزة حربًا ضارية استمرت قرابة عامين (2023- 2025). ورغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، فإن الوضع على الأرض ما زال هشًّا؛ إذ تتهم الجهات الفلسطينية إسرائيل بخرق التهدئة مرارًا بالغارات وإطلاق النار، إلى جانب استمرار الحصار المستمر الذي يفاقم الأزمة الإنسانية في غزة.
أما في الضفة الغربية، فلا يقل المشهد توترًا؛ فقد تصاعدت عمليات الاقتحام الإسرائيلية للمدن والمخيمات الفلسطينية، وتزايدت اعتداءات المستوطنين على القرى والأراضي، بالتوازي مع توسع استيطاني مستمر. هذه الممارسات أدت إلى تأجيج الغضب الشعبي في الضفة، وأثارت مخاوف جدية من انفجار الأوضاع بشكل أوسع. إقليميًّا، خلقت الحرب على غزة وتبعاتها حالة استنفار في العالم العربي والإسلامي، حيث شهدت عواصم عدة احتجاجات واسعة تضامنًا مع الفلسطينيين، وضغوطًا على الحكومات لاتخاذ مواقف أكثر صرامة إزاء إسرائيل. وعلى الصعيد الدولي، انقسمت الدول في مواقفها في أثناء حرب غزة؛ فمن جهة دعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون إسرائيل دعمًا كبيرًا، ومن جهة أخرى دعت قوى كروسيا والصين ومعظم دول الجنوب العالمي إلى وقف إطلاق النار، واحترام القانون الدولي الإنساني. هذا المشهد المحتقن وضع القيادة الفلسطينية أمام تحدٍّ غير مسبوق، ودفعها إلى تكثيف حراكها الدبلوماسي بحثًا عن متنفس سياسي، ومساندة دولية حقيقية في وجه التصعيد المستمر.
على الساحة الدولية الأوسع، تتموضع روسيا اليوم بوصفها قوة كبرى تسعى إلى إعادة تشكيل موازين النظام العالمي بما يخدم مصالحها، خاصة في ظل صراعها المفتوح مع الغرب بسبب الحرب في أوكرانيا. علاقات موسكو مع الولايات المتحدة متوترة جدًّا، وتشهد مواجهة سياسية واقتصادية حادة، انعكست على معظم الملفات الدولية. أما الاتحاد الأوروبي، فقد اصطف بدرجة كبيرة خلف واشنطن في سياستها تجاه روسيا، من خلال عقوبات وعزل دبلوماسي؛ مما جعل العلاقة بين موسكو والعواصم الأوروبية في أدنى مستوياتها منذ عقود. في هذا السياق، اتجهت روسيا إلى تعميق شراكاتها مع قوى دولية صاعدة كالصين، ومع دول في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؛ سعيًا إلى تشكيل محور عالمي موازن للنفوذ الغربي.
في الشرق الأوسط تحديدًا تحاول موسكو الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع مختلف الأطراف؛ فهي تمتلك إرثًا تاريخيًّا من العلاقات الوطيدة مع الدول العربية والفلسطينيين يعود إلى الحقبة السوفيتية، وفي الوقت نفسه تربطها علاقة تعاون مهمة مع إسرائيل تأسست على المصالح الأمنية المشتركة والتنسيق العسكري في سوريا. لكن الحرب الأخيرة على غزة وضعت روسيا أمام اختبار صعب: فمن جهة، حرص الكرملين على عدم قطع جسور التواصل مع إسرائيل، ومن جهة أخرى تبنت موسكو خطابًا منتقدًا بشدة للعمليات الإسرائيلية في غزة وفتحت قنوات اتصال مع حركة حماس خلال النزاع. وقد أثار استقبال موسكو لوفود من حماس وانتقاد بوتين العلني لما وصفه بـ”الإبادة” في غزة استياءً لدى إسرائيل، لكنه في المقابل عزز صورة روسيا لدى الرأي العام العربي كقوة تقف إلى جانب الحقوق الفلسطينية.
بوجه عام، ترى روسيا أن انخراطها النشط في القضية الفلسطينية يمنحها نفوذًا إضافيًّا على المسرح الدولي وفي الشرق الأوسط؛ فهي تدرك أن واشنطن فقدت كثيرًا من رصيدها كوسيط نزيه في نظر الفلسطينيين نتيجة انحيازها إلى إسرائيل، وترى فرصة لملء هذا الفراغ جزئيًّا. ومع أن قدرة موسكو على منافسة الدور الأمريكي في المنطقة تبقى محدودة بسبب عزلتها الغربية وتحدياتها الاقتصادية، فإنها تسعى على الأقل إلى تثبيت حضورها كطرف مؤثر يمكن للفلسطينيين والعرب اللجوء إليه كبديل أو مكمل للدور الأمريكي والأوروبي.
بالنسبة للقيادة الفلسطينية، تشكل هذه الزيارة إلى موسكو جزءًا من إستراتيجية أوسع لتنويع خياراتها الدبلوماسية والبحث عن سند دولي خارج المظلة الأمريكية التقليدية. لطالما انفردت الولايات المتحدة بدور الوسيط الرئيس في عملية السلام عقودًا، ما أتاح لها احتكار ملف المفاوضات وتوجيهه وفق رؤيتها المنحازة إلى إسرائيل. من هنا، فإن أحد أبرز أهداف عباس من لقاء بوتين هو محاولة كسر هذا الاحتكار الأمريكي، وإدخال روسيا بوصفها طرفًا ذا ثقل على خط الجهود السياسية. يأمل الفلسطينيون أن يؤدي ذلك إلى خلق توازن جديد في رعاية عملية السلام، بحيث لا تبقى واشنطن اللاعب الوحيد الذي يمسك بخيوط التسوية.
إلى جانب هذا الهدف الإستراتيجي العام، تسعى القيادة الفلسطينية أيضًا إلى تحقيق مكاسب ملموسة؛ فهي تتطلع إلى تأمين دعم سياسي قوي من موسكو في المحافل الدولية، سواء في مجلس الأمن حيث تتمتع روسيا بحق النقض (الفيتو)، أو ضمن الرباعية الدولية للسلام التي تعد روسيا أحد أعضائها. الدعم الروسي قد يشمل تأييد مسعى فلسطيني لنيل عضوية كاملة في الأمم المتحدة، أو الضغط لوقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية على الأرض. كذلك، يطمح عباس للحصول على دعم اقتصادي وإنساني، خاصة فيما يتعلق بإعادة إعمار قطاع غزة، والتخفيف من الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية. وقد برز ذلك بالفعل في استعداد موسكو للإسهام ماليًّا عبر دعم مبادرات كـ”مجلس السلام” الخاص بغزة. بالإضافة إلى ذلك، تعوّل القيادة الفلسطينية على أن تسهم روسيا في فتح قنوات حوار جديدة -سواء بعقد مؤتمر دولي للسلام تحت رعايتها المشتركة، أو بالتواصل مع أطراف إقليمية كحركة حماس- بهدف تحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية، وضمان وجود موقف فلسطيني موحد في أي مفاوضات مقبلة.
ترى القيادة الفلسطينية في الانخراط الروسي فرصة لإعادة القضية الفلسطينية إلى الأجندة الدولية بقوة، وللحصول على ضمانات وأطر جديدة قد تكبح الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل. إنها محاولة لإعادة رسم قواعد اللعبة الدبلوماسية من خلال التحرك المتعدد الأطراف، بما يمنح الفلسطينيين هامش مناورة أوسع، ويدفع القوى الكبرى للتنافس -بدلًا من التفرد- في تقديم مبادرات لحل الصراع.
تتبنى روسيا موقفًا ثابتًا حيال القضية الفلسطينية يقوم على تأييد القرارات الدولية، ومبدأ حل الدولتين. فمنذ الحقبة السوفيتية -مرورًا بفترة الاتحاد الروسي الحالي- أيدت موسكو حق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، ودعت إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي احتلت عام 1967. كما تعارض روسيا سياسة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، وتراها غير شرعية بموجب القانون الدولي، وتنتقد إجراءات مثل ضم الأراضي، أو تهجير السكان. وخلال الحرب الأخيرة على غزة، أظهرت موسكو انحيازًا واضحًا إلى الجانب الإنساني الفلسطيني، فندد المسؤولون الروس بحجم الضحايا المدنيين، وطالبوا بوقف فوري لإطلاق النار، وإيصال المساعدات، ما انسجم مع صورتها كداعمة تاريخيًّا للشعب الفلسطيني.
على صعيد جهود السلام، لطالما سعت روسيا إلى أداء دور نشط في دفع العملية السلمية إلى الأمام؛ فهي عضو في اللجنة الرباعية الدولية (إلى جانب الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة)، وكثيرًا ما دعت إلى تفعيل دور هذه الرباعية بعدما هُمّشت فعليًّا خلال السنوات الماضية. طرحت موسكو مرارًا استعدادها لاستضافة محادثات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أراضيها، في محاولة لتوفير مسار بديل عن الرعاية الأمريكية الحصرية. كما أن روسيا لم تعترض يومًا على فكرة عقد مؤتمر سلام دولي أوسع تشارك فيه الأطراف العربية المعنية وقوى دولية كالأمم المتحدة؛ سعيًا إلى التوصل إلى إطار تفاوضي جديد أكثر توازنًا. وقد رحبت القيادة الروسية بمقترحات فلسطينية في هذا الاتجاه، ومنها دعوات عباس السابقة لترتيب مؤتمر تحت مظلة الأمم المتحدة، أو توسيع صيغة الوساطة لتشمل أطرافًا جديدة.
في الفترة الأخيرة، ومع التطورات التي أعقبت حرب غزة، قدمت موسكو بعض المبادرات الملموسة تجاه تفعيل عملية السلام. على سبيل المثال، أعلنت استعدادها للمساهمة المالية في جهود إعادة إعمار غزة، ودعم ترتيبات المرحلة الانتقالية هناك (مثل “مجلس السلام”، وقوة الاستقرار الدولية). هذه الخطوات تحمل في طياتها رؤية روسية مفادها أن معالجة الأوضاع الإنسانية يجب أن تترافق مع أفق سياسي واضح نحو حل نهائي. وبالفعل، شدد الرئيس بوتين خلال لقائه عباس على أن تخفيف معاناة غزة وإعادة بنائها يجب أن يكونا جزءًا من حل أشمل يضمن الحقوق الفلسطينية. بكلمات أخرى، موسكو تؤكد أن أي جهود تهدئة أو إعادة إعمار ينبغي ألا تُنسي جوهر القضية المتمثل في إنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهي بذلك تحاول الدفع نحو إعادة إحياء عملية السلام على أسس أكثر عدلًا وشمولًا.
على الرغم من حضور روسيا السياسي والدبلوماسي المتنامي في الملف الفلسطيني، يبقى التساؤل قائمًا عن مدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي مقارنة بالقوى الدولية الأخرى؛ فالولايات المتحدة، بالرغم من تراجع صورتها لدى الفلسطينيين، تظل اللاعب الأبرز بتأثيرها المباشر في إسرائيل من خلال تحالف إستراتيجي عسكري وسياسي ممتد إلى عقود. تمتلك واشنطن أوراق ضغط حقيقية على الحكومة الإسرائيلية؛ ما يجعلها قادرة نظريًّا على فرض تنازلات إسرائيلية لو أرادت ذلك. في المقابل، يفتقر الجانب الروسي إلى نفوذ مشابه على إسرائيل؛ فعلاقة موسكو وتل أبيب -وإن اتسمت بالتعاون في بعض الملفات- لا ترقى إلى مستوى التأثير الذي يسمح بإلزام إسرائيل بتغييرات جوهرية في مواقفها، فالحكومة الإسرائيلية الحالية ذات التوجه اليميني المتشدد قد لا تنظر إلى موسكو على أنها وسيط مقبول أو ضاغط، خاصة في ظل تحفظها على علاقات روسيا مع خصوم إسرائيل الإقليميين، كإيران وحماس.
أما الاتحاد الأوروبي، فهو قوة دولية مهمة أخرى في هذا المشهد، لكنه غالبًا ما يتحرك بتنسيق مع الولايات المتحدة، أو يبقى أسير الانقسامات بين دوله الأعضاء. الاتحاد الأوروبي هو المساهم الأكبر في المساعدات الاقتصادية للفلسطينيين، ويتمتع بثقل اقتصادي كبير يمكن أن يؤثر في إسرائيل نظريًّا، لكنه نادرًا ما وظّف تلك الأدوات بفعالية في الضغط السياسي بسبب اعتبارات داخلية، وتباين مواقف دوله. أما الصين، فهي لاعب دولي صاعد أبدى اهتمامًا أكبر مؤخرًا بقضايا الشرق الأوسط، لكن دورها المباشر في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي لا يزال محدودًا، إذ تركز بكين أكثر على الدعم الخطابي، والاستثمارات الاقتصادية، دون انخراط عميق في تفاصيل الوساطة السياسية حتى الآن.
في ضوء ذلك، تبدو قدرة روسيا على أداء دور فعّال مرهونة بتعاونها مع أطراف أخرى ضمن إطار متعدد الأطراف. إن موسكو وحدها، بالرغم من دعمها الواضح للفلسطينيين، قد لا تستطيع فرض خطوات على الأرض دون غطاء أوسع من المجتمع الدولي، لكن في حال تنسيق الجهود بين روسيا ودول أوروبية فاعلة أو قوى إقليمية مؤثرة، كمصر وقطر -إلى جانب دفع من الأمم المتحدة- فقد تكتسب أي مبادرة سلام زخمًا أكبر، وضغوطًا أشمل على إسرائيل والولايات المتحدة معًا.
كذلك تجدر الإشارة إلى أن لروسيا ميزة نسبية في قدرتها على التواصل مع أطراف لا تتعامل معها الولايات المتحدة، مثل حركة حماس؛ مما قد يمكنها من أداء دور الوسيط الشامل بين جميع الفصائل الفلسطينية وإسرائيل. ومع ذلك، تبقى محدودية النفوذ الروسي الاقتصادي والعسكري على إسرائيل عاملًا يحد من فاعلية هذا الدور. باختصار، روسيا قادرة على أن تكون مسهّلًا أو عامل توازن في العملية السياسية، لكنها بمفردها لا تستطيع أن تكون بديلًا كاملًا عن الثقل الأمريكي ما لم تتغير المعادلات الإقليمية والدولية جذريًّا.
تمثل زيارة محمود عباس إلى موسكو تجسيدًا لمحاولة فلسطينية واعية لإعادة تشكيل أسس التعامل مع الملف السياسي على الساحة الدولية. إنها خطوة تأتي في لحظة مفصلية تحمل آلامًا كبيرة وآمالًا حذرة في آن. من جهة، تفتح هذه التحركات بابًا لإشراك أطراف متعددة في السعي نحو حل عادل، وهو ما قد يعيد التوازن المفقود في عملية السلام. ومن جهة أخرى، فإن نجاحها ليس مضمونًا في ضوء التعقيدات القائمة، لكنه يظل رهن الإصرار الفلسطيني على تفعيل العمل الدبلوماسي المتعدد الأطراف، واستعداد القوى الدولية للخروج من أطر الجمود التقليدية. بهذا المعنى، قد لا تكون زيارة عباس لموسكو عصا سحرية تغير الواقع فورًا، لكنها -بلا شك- مؤشر على بدايات توجه جديد، قد يمهد -إن أحسن استثماره- لإعادة رسم المشهد السياسي الفلسطيني- الدولي باتجاه أكثر إنصافًا وتوازنًا.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير