
أكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أمس الأربعاء، 26 أغسطس (آب) 2026، أنه جرى إبلاغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنتائج الاتصالات التي أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف خلال زيارته الخاطفة، التي استغرقت عدة ساعات فقط، إلى العاصمة الروسية.
بيسكوف، الذي كان قد نفى بشدة، أول من أمس الثلاثاء، 25 أغسطس (آب) 2026، زيارة راتكليف، عاد أمس، بعدما عرف العالم كله بزيارة كبير رجال الاستخبارات الأمريكيين إلى موسكو، ليؤكد أن الاتصالات المذكورة جرت عبر قنوات الأجهزة الأمنية الروسية، ومن دون لقاء مباشر بين راتكليف وبوتين.
المتحدث الرئاسي الروسي امتنع، في الوقت نفسه، عن كشف مضمون المحادثات التي أجراها راتكليف مع نظرائه الروس، ولم يخبرنا كذلك مع من تحدث الرجل تحديدا: هل مع ناريشكين، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية، أم مع بورتنيكوف، رئيس جهاز الأمن الفيدرالي؟ فكلاهما تدخل ضمن اختصاصاته ملفات من تلك المكلف بها مدير “السي آي إيه”.
ومع ذلك، فإن المهم بالنسبة لي في كلام بيسكوف هو تصريحه المقتضب بأنه لا يزال من السابق لأوانه الحديث عن تأثير زيارة راتكليف في إخراج العلاقات الروسية الأمريكية من أزمتها. والأزمة التي يقصدها هي أزمة مؤسسات دولة مع مؤسسات دولة. والمهم كذلك أنه، بكل هذا الكلام، نقل خبر الزيارة من منطقة التسريبات الإعلامية التي عشنا معها طوال يوم أول من أمس، الذي شهد الزيارة، إلى تأكيدها بوصفها واقعة سياسية، على الرغم من حجب مضمونها عمدا.
وتأتي أهمية زيارة راتكليف إلى موسكو من كونها الزيارة الأولى المعروفة لرئيس الاستخبارات الأمريكية منذ رحلة وليام بيرنز إلى العاصمة الروسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أي منذ نحو خمس سنوات. وبالتالي، فإن هذا المعطى وحده يقودنا إلى الاعتقاد بأن أمرا مهما دفع رئيس “السي آي إيه” إلى القدوم بنفسه، وعلى متن طائرة شحن عسكرية لا طائرة مدنية، وأن يأمر الجانب الأمريكي الجيش الأوكراني بوقف الاستهداف والقصف خلال فترة وجوده في موسكو.
إذن، لدينا زيارة لرئيس المخابرات الأمريكية إلى العاصمة الروسية، استمرت عدة ساعات فقط، ومن دون برنامج علني أو لقاء مع بوتين أو بيان مشترك، بل حتى من دون تحديد رسمي لأسماء محاوريه من الجانب الروسي.
وفي العرف الاستخباراتي، كل هذه المعطيات التي ذكرتها في الفقرة أعلاه لا تقلل من أهمية الزيارة، بل على العكس تماما، تزيد من أهميتها. فالزيارات القصيرة والمغلقة من هذا النوع تكون عادة مخصصة لملفات محددة سلفا عبر القنوات السرية، ويجري فيها تبادل رسائل مهمة، واستطلاع المواقف، وقياس الحدود واختبارها، ولا يكون غرضها بناء علاقات سياسية أمام الكاميرات مثلا.
وعلى الجانب الآخر، يصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الزيارة بأنها مهمة شبه روتينية، قبل أن يضيف عبارة فاصلة بقوله إنها قد تقود إلى شيء ما.
وبالتالي، بين الوصفين الروسي والأمريكي للزيارة تقع القيمة الحقيقية للزيارة، أو للمهمة التي أتى من أجلها راتكليف إلى موسكو؛ بمعنى أن الطرفين لا يريد أي منهما تقديم هذه الزيارة على أنها ستحدث اختراقا ما في العلاقات، أو أنها في حد ذاتها تمثل اختراقا، لكن في الوقت نفسه، تظهر الطريقة الملتوية للتعليق الرسمي عليها من الطرفين أنهما لا يريدان أيضا التعامل معها على أنها حدث عادي.
وفي رأيي، تكمن قيمة الزيارة في عدم التقليل من شأنها أو تضخيمه، وأن حقيقة ما دار فيها لا يعرفها أحد، بخلاف أشخاصها المعنيين، حتى لحظة كتابة هذه السطور. وتبقى هذه أفضل طريقة للبدء في فهم ما جرى خلال ثماني ساعات يوم الثلاثاء، 25 أغسطس (آب) 2026، في موسكو، بعيدا عن الضجيج الذي رافق وصول هذه الطائرة العسكرية الأمريكية الضخمة لتقل شخصا واحدا بحجم راتكليف، وبعيدا كذلك عن كل النظريات التي ذهبت سريعا من الحديث عن صفقة سرية حول أوكرانيا، إلى إنذار أمريكي بشأن الناتو، وصولا إلى مقايضة روسيا بإيران.
فما نعرفه يقينا الآن هو أن راتكليف زار موسكو وأجرى محادثات مع مسؤولين في الأجهزة الروسية، وأن بوتين تلقى على الفور تقريرا بنتائج الاتصالات، وأن أهمية الزيارة بالنسبة إلى الروس تكمن في أن الاتصالات على مستوى الأجهزة الخاصة في البلدين تستمر، حتى في أصعب مراحل العلاقات الثنائية.
ترمب، في تعليقه على الزيارة، نفى أن تكون المهمة التي أتى من أجلها رجل استخباراته الأول مخصصة لمسألة اختبار بوتين للناتو، التي يهيص حولها الأوروبيون، وبصفة خاصة البريطانيون، هذه الأيام، أو أن تكون مخصصة لملف العقوبات الأمريكية على إيران.
وهذه النقطة الأخيرة مهمة على الرغم من نفي ترمب، لأنها تضع حدودا لبعض التكهنات التي انتشرت خلال الساعات الأولى منذ تسريب معلومات الزيارة. وذلك لأن إيران ربما تكون قد طرحت بالفعل، وفي اعتقادي أنها طرحت بلا شك، لأنها الملف الأهم بالنسبة إلى ترمب الآن، ومصدر فشله وإزعاجه وكل وجع دماغه داخليا وخارجيا. وأوكرانيا طرحت بالطبع، لكنها ليست أولوية ترمب الآن.
بالطبع، لا توجد تحت يدي الآن معلومات تسمح باعتبار أي منهما، وأقصد إيران أو أوكرانيا، السبب الرئيسي للرحلة الخاطفة؛ لأنني أعمل وفق مبدأ أن التحليل الجيد يجب أن يبدأ مما يثبت، لا مما يمكن تخيله، على الرغم من حلاوة إغراء الخيال.
وإذا انسقت وراء الخيال، أجدني أقول إن تفاصيل الرحلة نفسها تفسح له مجالا واسعا. فعندما نتتبع بيانات الطيران التي ذكرتها وسائل الإعلام والمنصات الروسية والأمريكية، نرى أن راتكليف ووفده المرافق استخدما طائرة نقل عسكرية أمريكية من طراز “سي-17″، وأن الرحلة مرت عبر مدينة ريغا، ووصلت إلى مطار فنوكوفو في موسكو صباح الثلاثاء، ثم غادرت موسكو بعد نحو ثماني ساعات ونصف. وهذه أول زيارة لمدير “السي آي إيه”، كما أشرت أعلاه، إلى روسيا منذ بدء الحرب في أوكرانيا.
وثماني ساعات ونصف لا تعني أنها كانت ثماني ساعات من الاجتماعات المتواصلة، لكنها أيضا لا تتفق، في رأيي، بحال مع وصف ترمب لها بأنها زيارة روتينية.
فمدير “السي آي إيه” لا يعبر الأطلسي إلى موسكو في هذه الظروف من أجل كلام يمكن وصفه بالروتيني، وكان باستطاعته مناقشته وإنجاز المهمة عبر الهاتف الآمن.
أضف إلى ذلك أن زيارة قصيرة بهذا الشكل، لمسؤول أمريكي بهذا الوزن وفي هذا التوقيت، لا بد أن تقول لنا شيئا آخر؛ بمعنى أنها لم تكن رحلة دبلوماسية لبناء علاقة، ولا استقبالا سياسيا، ولا عشاء، ولا مؤتمرا صحفيا، ولا لقاء رئاسيا.
ما لدينا إذن هو أن الرجل جاء، فاجتمع، ونقل واستمع، ثم غادر.
وكما سبقت وأشرت، فإن الاحتمال الطبيعي هو أن يكون من بين الأشخاص الذين التقاهم راتكليف سيرغي ناريشكين، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية، وربما التقى أيضا مدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، ألكسندر بورتنيكوف، وهو بالمناسبة من أشد الصقور الروس. بالطبع، أكرر أنه ليست لدي معلومات مؤكدة بهذا الخصوص، لكن يبقى هذا الترجيح الأقرب إلى الواقع، خصوصا أن الطرف المقابل هو مدير “السي آي إيه”، والمنطقي أن الاتصال وقع داخل الدائرة المتصلة بصناعة القرار الاستراتيجي. ولم يكلف مدير الاستخبارات الأمريكية نفسه عناء المجيء إلى موسكو بهذا الشكل ليعقد مجرد اجتماع مهني بين ضباط استخبارات.
كنا خلال الأيام الماضية نتوقع قدوم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وشلتهما، لكننا فوجئنا براتكليف. وهنا أصل إلى السؤال المهم بالنسبة لي: لماذا حدث هذا التغيير؟
إدارة ترمب تملك قنوات سياسية مباشرة للحديث مع موسكو، وإذا كان المطلوب هو نقل مقترح سياسي بشأن وقف إطلاق النار في أوكرانيا مثلا، فلماذا يذهب مدير الاستخبارات بجلالة قدره بنفسه؟
سؤال استفزازي، أعرف ذلك، لكن لدي جواب، وهو أن المسألة هنا، إن صح الافتراض بأن أوكرانيا هي الملف الرئيسي، مرتبطة بالوظيفة التي يشغلها الرجل. راتكليف مصنف على أنه أقرب إلى الصقور إذا قارناه بويتكوف وكوشنر، لكن الاختلاف لا يتعلق بأن أحدهم متشدد والآخر مرن. ليس هذا مربط الفرس فيما أرمي إليه.
ما أقصده أن مدير “السي آي إيه”، بحكم منصبه، يستطيع التحدث في أشياء لا يستطيع المبعوث السياسي التعامل معها بالطريقة نفسها؛ فرجل المخابرات يملك معلومات لا يملكها المبعوثون السياسيون. وهو يستطيع القول مثلا: هذا ما نعرفه عنكم، وهذا ما تعرفونه عنا، وهذا نعتبره استعدادا لعمل معين، وهنا تقع حدود التصعيد، أو ما الذي يمكن التحقق منه إذا اتفقنا معكم على شيء، وما إلى ذلك.
فقد جرت العادة في ممارسات العلاقات الدولية على أن تتعامل الدبلوماسية مع التعهد، أما الاستخبارات فتسأل: هل نستطيع التأكد من تنفيذه، أي التعهد؟
وهذه نقطة مهمة للغاية من أجل فهم مسألة ما إذا كان الطرفان يناقشان، ولو بصورة أولية، قواعد تتعلق بحرب العمق أو بترتيبات لاحقة لوقف إطلاق النار مثلا.
ولدينا في هذا السياق سابقة مهمة نستطيع أن نحيل إليها، وذلك عندما قدم وليام بيرنز إلى موسكو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وكان يحمل حينها تحذيرا يتعلق بالاستعدادات الروسية للهجوم على أوكرانيا.
والتقى أيضا سيرغي ناريشكين في أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وكان الملف المركزي للنقاش هذه المرة مسألة التصعيد النووي، لا التفاوض على إنهاء الحرب.
وما أرمي إليه بهذا الكلام هو أن هذه السوابق تقودني إلى استنتاج أن استخدام مدير “السي آي إيه” في الملف الروسي سبق أن ارتبط تحديدا باللحظات التي أرادت واشنطن فيها إيصال رسالة أمنية شديدة الحساسية إلى موسكو، ومن دون تحويلها إلى مفاوضات سياسية علنية.
لذلك، أستبعد، بناء على فهمي هذا، أن يكون السيد راتكليف قد جاء إلى موسكو لثماني ساعات وفي حقيبته خطة سلام جاهزة. الموضوع مختلف يا سادة؛ فما أميل إليه هو أنه جاء بحزمة محددة من الرسائل والأسئلة والحدود، وليس فقط بخصوص ملف أوكرانيا.
قد يكون أحد أسباب الرحلة أنه حمل إنذارا أمريكيا بشأن ما يقال عن استعدادات روسية لاختبار الناتو في شقه الأوروبي، بسبب ما تفعله دوله من استفزازات تصعيدية في نطاق حرب أوكرانيا ضد روسيا.
وجود مدير “السي آي إيه” يناسب هذا النوع من المهام؛ لأنه إذا كانت واشنطن تمتلك معلومات استخباراتية وتعتبرها جدية، فإن الرسالة المحتملة التي حملها الرجل يمكن أن نفترض نصها على النحو التالي: نحن نعرف ما يجري، فلا تسيئوا تقدير ردنا.
لكن، يا أيها القارئ الكريم، لا توجد حتى الآن معلومة واحدة نستطيع أن نثق بها عن وجود خطة روسية محددة في هذا الشأن، أو أن يكون راتكليف على علم بهذه الخطة. ولم نسمع عن تحذير أمريكي بعينه بهذا الخصوص؛ لذلك تبقى هذه الفرضية أضعف الفرضيات المتصلة بملفات الزيارة حتى الآن بالنسبة لي شخصيا.
وقد تكون إيران هي المفتاح وكلمة السر.
فتوقيت الرحلة وشكلها يجعلان تجاهل إيران صعبا. ترمب وواشنطن يصعدان ضغطهما الاقتصادي والسياسي على طهران، وفي الوقت نفسه تحتفظ روسيا بعلاقات استراتيجية وعسكرية مهمة مع إيران، ودعك مما يقوله المزايدون. والإعلام الأمريكي المقرب من دوائر صنع القرار كرر أكثر من مرة اتهام موسكو بأنها قدمت إلى طهران معلومات استخباراتية مرتبطة بمواقع وأصول أمريكية في المنطقة. وهذا الأمر يمنح “السي آي إيه” سببا مباشرا للحديث مع الروس.
لكن القفز من ذلك إلى سيناريو “أوقفوا دعم إيران، ونحن نخفض دعم أوكرانيا”، في رأيي، كلام مبالغ فيه.
وسأقول لكم لماذا: روسيا ليست المورد الاقتصادي الرئيسي لإيران في الوقت الحالي إذا قارناها بالصين، هذا أولا. وثانيا، أوكرانيا أكبر بكثير في الحسابات الاستراتيجية لبوتين والكرملين من أن تتحول، بكل هذه البساطة، إلى ورقة مقايضة في ملف إيران.
نعم، أنا لا أنفي أن يكون هناك ربط بين الملفين، بل أرجح وجوده، لكنه أكثر تعقيدا من مثل هذه الطروحات التبسيطية. فحسابات الدول الكبرى لا تحسب هكذا؛ فالمسألة ترتبط بعدة عناصر مهمة، مثل حدود المساعدة العسكرية، وحماية القوات الأمريكية، والعقوبات، وأمن الملاحة، وما الذي سيعتبره كل طرف انتقالا من الدعم السياسي إلى الاشتراك العملياتي في الصراع، وما إلى ذلك.
بمعنى أن إيران كانت بندا في الزيارة، نعم، لكنها ليست تفسيرا كاملا لها.
وختاما، وبعيدا عن كل العناوين الرنانة من وحي فترة الحرب الباردة، التي تردد صداها في الإعلام الدولي عن الرحلة السرية لمدير “السي آي إيه” إلى موسكو، أقول إن أهمية زيارة راتكليف، من هنا، من قلب العاصمة الروسية، ومن حيث أجلس على بعد مئات قليلة من الأمتار من الكرملين، تبدو أقل إثارة، لكنها أكثر جدية مما توحي به كل هذه العناوين عن “الرحلة السرية”.
الرجل لم يأت ليصنع السلام، لكنه أتى لأن الولايات المتحدة وروسيا، بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من الحرب، ومع وصول المسيرات الأوكرانية، بفضل المعلومات الاستخباراتية الأمريكية والإحداثيات التي تقدمها، إلى العمق الروسي، وجدتا وفهمتا أن القنوات السياسية وحدها لا تكفي لإدارة المخاطر المتصاعدة التي صنعتها الحرب ولا تزال تصنعها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير