
تدخل روسيا عام 2026 وهي تواجه تحديات كبرى على الصعيدين الداخلي والخارجي، وسط استمرار صراعها المفتوح مع الغرب بشأن أوكرانيا، وسعيها الدؤوب إلى تعزيز مكانتها بوصفها قوة عالمية مستقلة. فبعد سنوات من العقوبات الغربية والحرب في أوكرانيا، تكيفت موسكو مع واقع المواجهة الطويلة الأمد، معتمدةً على مزيج من الصلابة العسكرية والدبلوماسية النشطة، والشراكات الإستراتيجية خارج إطار الغرب. وفي الداخل، نجح الكرملين في ترسيخ الاستقرار السياسي وتعبئة المجتمع حول أهداف الدولة، رغم التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للصراع.
لفهم سياسات روسيا في 2026، لا بد من الرجوع قليلًا إلى الخلفية التاريخية التي شكلت توجهات موسكو الحالية. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، دخلت روسيا عقد التسعينيات وهي ضعيفة اقتصاديًّا ومهمشة على الساحة الدولية، وحاولت التقارب مع الغرب في عهد الرئيس بوريس يلتسن، لكن توسع حلف الناتو شرقًا، واندلاع الأزمات في البلقان وغيرها، ترك لدى النخب الروسية شعورًا متناميًا بأن الغرب استغل فترة الضعف الروسي، ولم يراعِ مصالح موسكو الأمنية. مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000، بدأت روسيا تستعيد عافيتها تدريجيًّا بفضل عائدات النفط والغاز، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. اعتمد بوتين نهجًا يقوم على إعادة بسط هيبة الدولة، وتعزيز الاقتصاد، تزامنًا مع رفضه أي محاولات خارجية للتدخل في الشؤون الروسية.
في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، بدأت ملامح سياسة خارجية أكثر حزمًا بالظهور. رفضت موسكو حرب العراق عام 2003، وفي 2008 استخدمت القوة في جورجيا لمنع مزيد من تمدد الناتو في الفضاء السوفيتي السابق، فيما اعتُبر أول استعراض قوة عسكري بعد الحرب الباردة. رسّخ ذلك قناعة لدى القيادة الروسية بأن القوة الصلبة لا تزال أداة مشروعة لضمان المصالح الحيوية.
خلال العقد التالي، خاصةً بعد موجة الثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا (2003- 2004)، ثم أوكرانيا مرة أخرى عام 2014، ازداد اقتناع الكرملين بوجود جهود غربية لتطويق روسيا وإضعافها عن طريق تغيير الأنظمة في جوارها. مثلت أزمة أوكرانيا 2014 نقطة تحول مفصلية؛ فقد ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، ودعمت تمردًا انفصاليًّا في شرق أوكرانيا، متحديةً بذلك النظام الأمني الأوروبي الذي تشكل بعد الحرب الباردة. فرض الغرب عقوبات قاسية، وردت روسيا بإعادة توجيه اقتصادها شرقًا نحو الصين والهند، وتعزيز الاعتماد على الذات في قطاعات رئيسة.
على الصعيد الداخلي، شهدت سنوات ما بعد 2012 (عودة بوتين إلى الرئاسة لولاية ثالثة) تشديدًا في قبضة السلطة على المجتمع المدني ووسائل الإعلام، خصوصًا بعد احتجاجات موسكو 2011- 2012. تكرس هذا الاتجاه أكثر مع تصاعد الشعور القومي عقب ضم القرم، ثم الحرب الشاملة في أوكرانيا التي اندلعت في فبراير (شباط) 2022. استخدمت القيادة الروسية سردية تاريخية ترى أوكرانيا جزءًا من المجال الروسي تاريخيًّا، وتتهم الغرب بأنه يدعم “نزعة معادية لروسيا” على حدودها. كذلك استحضرت الذاكرة الروسية الجمعية من حقبة الحرب العالمية الثانية ودور الاتحاد السوفيتي في دحر النازية لتعبئة الشعب حول ما تسميه موسكو “معركة وجودية” ضد الهيمنة الغربية. في الوقت نفسه، أعادت روسيا بناء قدراتها العسكرية بوتيرة سريعة: إصلاح الجيش، وإدخال أسلحة حديثة، وتطوير ترسانة نووية تراها ضمانة أخيرة لأمنها ودورها بوصفها قوة عظمى. كل هذه العوامل التاريخية شكلت الأرضية التي تنطلق منها سياسات روسيا في 2026، حيث تسعى موسكو إلى إنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب يعترف بمصالحها الأمنية، واستعادة نفوذها في جوارها، وعلى الساحة العالمية.
على الصعيد الداخلي، تركز موسكو عام 2026 على ترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي لمواجهة تداعيات الصراع الطويل مع الغرب. عقب الانتخابات الرئاسية لعام 2024، التي منحت بوتين ولاية جديدة تمتد حتى 2030 (بفضل التعديلات الدستورية لعام 2020 التي سمحت له بالترشح مجددًا)، عزّز النظام الحاكم قبضته على مفاصل السلطة. لم تشهد تلك الانتخابات منافسة حقيقية، إذ أُقصِيت معظم رموز المعارضة الفاعلة؛ فبعضهم في السجون بتهم مختلفة، وبعضهم الآخر في المنفى الاختياري. الحكومة الروسية واصلت تشديد القوانين الرامية إلى خنق أي معارضة أو نقد قد يُضعف الجبهة الداخلية في زمن الحرب: فقانون “العملاء الأجانب” يُستخدَم لتصنيف المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام المستقلة بوصفها أدوات تأثير غربية، وقانون مكافحة “نشر الأخبار الكاذبة عن الجيش” و”تشويه سمعة القوات المسلحة” أدى إلى محاكمة وسجن عشرات المنتقدين للعملية العسكرية في أوكرانيا. يُبرر الكرملين هذه الإجراءات بأنها ضرورية لحماية المجتمع من التدخل الخارجي، وحفظ الوحدة الوطنية في وجه ما يصفه بـ”الحرب الشاملة” التي يشنها الغرب على روسيا.
اقتصاديًّا، أظهرت روسيا قدرة على الصمود والتكيف مع العقوبات الغربية غير المسبوقة المفروضة منذ 2022. مع دخول 2026، تشير المؤشرات الاقتصادية الروسية إلى أداء متواضع، لكنه مستقر؛ فقد تمكنت الحكومة من احتواء التضخم الذي ارتفع كثيرًا بعد فرض العقوبات، ليهبط إلى نحو 6% مع نهاية 2025، بعد أن اتخذ البنك المركزي الروسي والحكومة إجراءات نقدية ومالية صارمة. كما استطاعت موسكو عبر سياسات التحفيز ودعم القطاعات المتضررة تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب 1% خلال 2025، وهو نمو متواضع، لكنه أفضل من التوقعات المتشائمة السابقة، حتى إن بوتين صرّح بأن الاقتصاد الروسي سجل نموًّا تراكميًّا يقارب 10% خلال الأعوام الثلاثة الماضية، متفوقًا بذلك على معدل النمو في دول الاتحاد الأوروبي للفترة نفسها. كذلك تراجع عجز الميزانية الروسية إلى نحو 1.6% من الناتج في 2025 بعد أن كان 2.6% في العام السابق، مستفيدًا من عائدات نفطية مرتفعة نسبيًّا، وإجراءات تقشف حكومية. ولا يزال الدين العام عند مستويات مريحة جدًّا (أقل من 20% من حجم الاقتصاد)؛ مما يمنح الحكومة هامشًا للاقتراض عند الحاجة.
على الرغم من هذه المؤشرات، فإن التحديات الاقتصادية تبقى كبيرة؛ فالعقوبات حرمت روسيا من التكنولوجيات الغربية المتقدمة، ومن جزء مهم من أسواق التصدير التقليدية. غير أن موسكو التفتت إلى الداخل وعززت إستراتيجية “الاستعاضة بالذات” لتطوير الصناعات المحلية، خاصة في مجالات التقانة الدفاعية، والبرمجيات، والرقائق الإلكترونية، والمواد الأساسية. كما زادت تعاملاتها التجارية مع شركاء بدلاء في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لتأمين السلع والخدمات المحظورة؛ فعلى سبيل المثال، نمت التجارة مع الصين والهند نموًّا كبيرًا، وباتت بكين الشريك التجاري الأول لموسكو، ومصدرًا رئيسًا للتقنيات، والمكونات الإلكترونية، وقطع الغيار. كذلك تنامى الدور التركي والإيراني والإماراتي في مساعدة روسيا على الالتفاف على قيود الاستيراد والتصدير المفروضة من جانب أوروبا والولايات المتحدة، سواء من خلال إعادة تصدير السلع، أو توفير مسارات مالية بديلة عن نظام السويفت.
اجتماعيًّا، يبقى المزاج العام خليطًا من التعب والإصرار؛ فالحرب المستمرة في أوكرانيا تسببت في خسائر بشرية مؤلمة، مع تقديرات بعشرات الآلاف من الجنود الروس القتلى والجرحى منذ 2022؛ مما يعني تقريبًا عدم وجود أسرة روسية لم تمسسها نار الحرب على نحو مباشر أو غير مباشر. غير أن آلة الدعاية الحكومية نجحت -إلى حد كبير- في السيطرة على الخطاب العام، وتشكيل وعي وطني يرى أن روسيا تقاتل دفاعًا عن بقائها وسيادتها ضد مشروع غربي عدائي. ظهرت حملات لتكريم “أبطال الحرب” ورعاية أسرهم، مع تقديم مزايا مادية ومعنوية للعسكريين وعائلاتهم؛ بهدف الحفاظ على الروح المعنوية، وتجنب تسرّب التذمر. وفي الوقت نفسه، بفضل إحكام القبضة الأمنية، انحسر تمامًا نشاط أي معارضة شعبية منظمة؛ فلا مظاهرات تذكر بعد موجة الاعتقالات في 2022- 2023، التي طالت مشاركين في احتجاجات مناهضة للحرب. وهكذا يدخل المجتمع الروسي عام 2026 وقد ألف حالة “اقتصاد الحرب” وتقشفها النسبي، مع تفهم عام لضرورة الدعم الحكومي المتزايد للصناعة العسكرية والقطاعات الإستراتيجية على حساب الإنفاق الاجتماعي، تحت شعار حماية الوطن في لحظة مفصلية من تاريخه.
ترتكز السياسة الخارجية الروسية في 2026 على هدف مركزي يتمثل في إعادة تشكيل النظام الدولي باتجاه نظام متعدد الأقطاب يضمن مصالح روسيا، ويحد الهيمنة الغربية الأحادية. في قلب هذا التوجه تأتي المواجهة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي؛ فعلاقات موسكو مع الغرب لا تزال في أدنى مستوياتها منذ عقود، وإن شهدت بعض الانفراج النسبي مع بداية إدارة أمريكية جديدة عام 2025 أكثر استعدادًا للحديث مع موسكو. لقد رحبت روسيا بفوز الرئيس دونالد ترمب بولاية جديدة في الانتخابات الأمريكية 2024، إذ رأت فيه شريكًا محتملًا أقل عدائية من سلفه تجاهها. وبالفعل، كثّف الكرملين تواصله الدبلوماسي مع واشنطن مطلع 2025 باحثًا عن تسوية سياسية للنزاع في أوكرانيا. ومع ذلك، تدرك موسكو أن جذور الخلاف مع الغرب عميقة، مرتبطة برفض روسيا ترتيبات ما بعد الحرب الباردة الأمنية والاقتصادية، وإصرار واشنطن وحلفائها على منع أي انتصار روسي في أوكرانيا؛ خشية تشجيع قوى أخرى.
لذا، تسير موسكو في سياسة خارجية ذات مسارين متوازيين: مسار التصدي للضغوط الغربية، ومسار بناء التحالفات البديلة. في المسار الأول، تستمر روسيا في استخدام أوراق قوتها لفرض أمر واقع على الغرب، كاستخدام نفوذها في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية للضغط على أوروبا (مثلًا، عن طريق التنسيق مع دول “أوبك+” لتخفيض إنتاج النفط بما يرفع أسعاره، ويؤثر في الاقتصادات الغربية)، ومواصلة إظهار القدرات العسكرية الإستراتيجية -خاصة النووية- لردع أي تدخل مباشر من الناتو في الحرب الأوكرانية. كما تعمد موسكو إلى استغلال التباينات داخل المعسكر الغربي، فتحافظ على خيوط اتصال مع بعض القادة الأوروبيين الساعين إلى الحوار؛ فقد أشارت تصريحات فرنسية وألمانية متزايدة -أواخر 2025- إلى ضرورة “ضبط النفس”، و”التفكير في مستقبل الأمن الأوروبي مع روسيا”؛ نتيجة الإرهاق من تبعات الصراع، وطول أمده. تعوّل روسيا على بروز تيار عملي في أوروبا يضغط باتجاه تسوية سلمية، ويخفف الالتزام الصارم بدعم كييف، خاصة إذا تباطأت واشنطن في ضخ المساعدات، أو طالبت الأوروبيين بتحمل عبء أكبر.
أما في المسار الثاني، فتعمل روسيا على تعزيز شراكاتها الإستراتيجية مع الشرق والجنوب العالمي. ازداد انخراط موسكو في تكتلات مثل مجموعة بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، اللتين توسعتا بقبول أعضاء جدد في 2024 و2025 (انضمت دول كالسعودية والإمارات ومصر وإيران وغيرها إلى بريكس مثلًا)، ما رأته روسيا دليلًا على تنامي جبهة عالمية ترفض الهيمنة الغربية. ركزت الدبلوماسية الروسية على تعميق العلاقة مع الصين، الشريك الأهم والأكبر الداعم لموسكو سياسيًّا واقتصاديًّا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. وعلى الرغم من حذر بكين التقليدي وتحفظها عن التحالفات الرسمية، فإن حجم التعاون التجاري والعسكري بين البلدين بلغ مستويات غير مسبوقة. بالموازاة، وطدت موسكو علاقاتها مع الهند، مستفيدةً من رغبة نيودلهي في موازنة النفوذ الصيني والغربي معًا، واستمرت روسيا بتزويد الهند بالسلاح والطاقة بأسعار تفضيلية، فيما دعمت الهند موقف موسكو في المنصات الدولية عن طريق الامتناع عن إدانتها صراحةً؛ وبهذا، أصبحت روسيا ترى الصين والهند شريكين إستراتيجيين، وإن لم تصنفهما حليفين بالمعنى التقليدي، فكلتاهما تتحرك وفق مصالحها الوطنية، لكن تقاطع المصالح معها في رفض العقوبات الغربية، وفي بناء نظام مالي وتجاري بديل، يعطي هذه الشراكات أهمية كبرى.
إلى جانب ذلك، نشطت روسيا في توسيع نفوذها في الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؛ فقد استضافت موسكو في منتصف 2023 قمة روسية- إفريقية أكدت فيها استمرار دعمها للدول الإفريقية بالأسلحة والمساعدات التنموية مقابل دعم سياسي في الأمم المتحدة، وأسواق للمنتجات الروسية. وفي الشرق الأوسط، استفادت روسيا من سياسات بعض القوى الإقليمية الراغبة في تنويع شراكاتها بعيدًا عن المحور الغربي. فعلى سبيل المثال، واصلت روسيا تعاونها الوثيق مع إيران في المجالات العسكرية (تطوير المسيّرات والصواريخ) والاقتصادية (مبادلات تجارية بالعملات المحلية، وتنسيق في أسواق الطاقة)؛ مما عزز ما يوصف أحيانًا بـ”محور العقوبات” الذي يضم روسيا وإيران والصين ودولًا أخرى تعارض سياسات واشنطن. كذلك حافظت موسكو على علاقة خاصة مع تركيا رغم كونها عضوًا في الناتو؛ فرغم تضارب مصالحهما في بعض الملفات (سوريا، والقوقاز، والبحر الأسود)، تمكن بوتين وأردوغان من إقامة قناة حوار براغماتية لتبادل المنافع: من صفقة تصدير الحبوب عبر البحر الأسود (التي رعتها تركيا والأمم المتحدة في 2022- 2023 قبل أن تتعثر لاحقًا)، إلى التعاون في مجال الطاقة (مشروع محطة أكويو النووية في تركيا بتمويل وخبرة روسيين، ومقترح تحويل تركيا إلى مركز لتوزيع الغاز الروسي). هذه العلاقة الخاصة مع أنقرة حدّت -إلى درجة ما- تضامن الناتو الكامل ضد موسكو، وأحدثت اختراقًا في جدار العزلة الغربية.
مظهر آخر لتحركات موسكو الخارجية تمثل في استغلال أزمات عالمية لصالحها؛ فعندما اندلعت الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في غزة (أكتوبر/ تشرين الأول 2023)، تبنت روسيا موقفًا مؤيدًا لوقف إطلاق النار وحل الدولتين، ومنتقدًا الضربات الإسرائيلية العشوائية، في تباين واضح مع الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل. هذا الموقف أكسب موسكو نقاطًا سياسية في الشارع العربي، وساعد على توثيق الصلات مع دول عربية رئيسة كانت محبطة من الانحياز الغربي. في مطلع 2024، على سبيل المثال، قادت الإمارات ومصر جهودًا دبلوماسية بالتنسيق مع روسيا والصين في مجلس الأمن للدفع نحو قرار يوقف القتال في غزة، ويدين استهداف المدنيين، مستندةً إلى الغطاء الروسي- الصيني لتمرير هذا القرار في وجه “الفيتو” الأمريكي المتوقع. ورغم تعقيدات ملف الشرق الأوسط، تظهر هذه الحادثة إدراك موسكو أهمية تبني خطاب مناصر لقضايا العالم النامي؛ لتوسيع نفوذها، واستقطاب الدعم في صراعها الأكبر مع الغرب.
تصوغ روسيا سياستها الخارجية لعام 2026 بوصفها معركة على شرعية النظام الدولي؛ فهي تدافع عن مبدأ سيادة الدول، وعدم تدخل القوى الخارجية (وتستخدم هذا المبدأ لانتقاد دعم الغرب لأوكرانيا أو لأي معارضة داخلية في دول حليفة لروسيا)، وفي الوقت نفسه تصر على حقها بوصفها قوة عظمى في أن تكون لها مجالات نفوذ أمنية وجيوسياسية خاصة بها، تمامًا كما أن للولايات المتحدة مجالها التقليدي في نصف الكرة الغربي. وتؤكد موسكو دومًا أنها لا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع الغرب بقدر ما تريد ضمانات أمنية مكتوبة تكبح توسع الناتو قرب حدودها، وتحترم مكانتها. هذه الرؤية تصطدم طبعًا برؤية معاكسة في العواصم الغربية؛ مما يجعل عام 2026 استمرارًا لحالة الشد والجذب دوليًّا، حيث تحاول موسكو كسب الوقت، وتعميق الانقسامات في المعسكر المقابل، ريثما تفرض الحقائق نفسها على طاولة التفاوض الكبرى بشأن مستقبل النظام العالمي.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير