مقالات المركز

روسيا والحوثيون في اليمن


  • 12 فبراير 2024

شارك الموضوع

أثارت تصرفات جماعة الحوثيين أو “أنصار الله”، وتحديدًا قصف السفن في البحر الأحمر، تفسيرات مثيرة للجدل في بلدان مختلفة. ويبرر الحوثيون أفعالهم بدعم فلسطين، ومعاقبة الدول التي تدعم إسرائيل. هذا الوضع يمثل- في الواقع- تحديًا أمام الغرب الجماعي بكامله، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي التي تعتمد على توريد المنتجات المختلفة عبر قناة السويس.

وفي الوقت نفسه، فإن الولايات المتحدة، التي استخدمت القوة العسكرية مرارًا وتكرارًا لحصار دول أخرى ذات سيادة بسبب مصالح جيوسياسية شخصية، رأت أنه من الضروري التدخل من جانب واحد، وكأن مشكلة الشحن هي حق حصري للولايات المتحدة، ولها وحدها حق التصرف كما تراه مناسبًا. لكن الولايات المتحدة لم تصدق حتى على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ومن ثم فهي مستبعدة فعليًّا من الولاية القضائية الدولية، التي تدعمها معظم دول العالم. ويظهر هذا النهج مرة أخرى ازدواجية معايير واشنطن، التي تريد التهرب من الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالإجراءات القانونية، ومن ناحية أخرى، تتصرف تصرفًا احتكاريًّا في محيطات العالم، وفي هذه الحالة نتحدث عن استخدام القوة العسكرية، وهو ما ينتهك اتفاقيات الأمم المتحدة الأخرى.

الموقف الروسي في مجلس الأمن

دعت روسيا إلى عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي في يناير (كانون الثاني) 2024، بسبب تصرفات الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى ضد اليمن، ولكن، كما كان متوقعًا، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) على الفور. ومع ذلك، فقد حددت موسكو- بوضوح- موقفها في هذا الصراع. قال المندوب الدائم للاتحاد الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا: “إن روسيا تدين- على نحو قاطع- عدوان الدول الغربية على اليمن، الذي يحدث دون أي عقوبات من مجلس الأمن الدولي”. وفي الوقت نفسه، أشار إلى مواقف تاريخية لتصرفات مماثلة من الغرب تجاه الدول العربية، قائلاً: “إن التصرفات العدوانية لزملائنا في مجلس الأمن- الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى- في البحر الأحمر، تذكرنا بالأوقات السيئة للقصف الهمجي وغير القانوني الذي شنه حلف شمال الأطلسي على يوغوسلافيا، وأفغانستان، والعراق، وليبيا، وسوريا”. وفي الوقت نفسه، تُستَغل الأطروحات المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وما يسمى بالحق في الدفاع عن النفس بلا خجل. ثم أكمل: “نحن ندين بشدة العدوان على اليمن، دون فرض عقوبات مناسبة من مجلس الأمن”. وأضاف: “من المؤسف أن مجلس الأمن الدولي لم يتمكن حتى الآن من اعتماد قرار واحد يطالب بوقف العنف بسبب موقف وفد واحد- الولايات المتحدة، يعوق كل الجهود والمبادرات لوقف إراقة الدماء في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويعطي إسرائيل تفويضًا مطلقًا لمواصلة العقاب الجماعي للفلسطينيين”، مؤكدًا العلاقة بين الجرائم الدموية للصهيونية ورعاتها؛ الولايات المتحدة، وبريطانيا.

وبشكل عام، تدين الدبلوماسية الروسية، الولايات المتحدة وبريطانيا، ليس فقط بسبب الهجمات غير المصرح بها على اليمن في ذاتها؛ بل لأن ذلك يؤدي إلى تصعيد التوتر في المنطقة برمتها.

ومن المؤكد أن هذا الاتجاه مثير للقلق في بلدان أخرى في الخليج وفي إفريقيا، فقد أصبحت المنطقة برمتها عرضة للمواجهة الحالية؛ ولذلك استجابت البحرين وحدها للدعوات الأمريكية للانضمام إلى الضربات ضد الحوثيين. في غضون ذلك، حذرت قطر، حيث تتمركز أيضًا الوحدة العسكرية الأمريكية، مثل روسيا، من خطر التصعيد في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وأوقفت إمدادات الغاز المسال إلى أوروبا عبر قناة السويس. أما مصر، التي عانت بالفعل أكثر من غيرها من حصار البحر الأحمر بسبب انخفاض قدرة قناة السويس، فقد اتخذت سلطات هذا البلد موقفًا متوازنًا، وبدأت عملية التفاوض مع الحوثيين. ويواصل الغرب اتهام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتصعيد المتعمد من خلال الحوثيين. كما تعاني مصر من المذبحة الإسرائيلية المستمرة في فلسطين، وهي في وضع صعب إلى حد ما. لكن يمكن القول إن مواقف معظم الدول العربية وروسيا بشأن اليمن متطابقة، سواء أعجبتنا مواقف حركة أنصار الله، أم لا، لكن التدخل العسكري الإضافي لن يجلب سوى مزيد من المشكلات. هناك حاجة إلى حل سياسي من خلال المفاوضات الدبلوماسية.

ولكن يبدو أن الغرب سوف يتبع إستراتيجيته المتطرفة، ولم تعلمهم تجاربهم السابقة في أفغانستان شيئًا. ومع ذلك، ولأنهم يدركون مدى تعقيد الوضع في الغرب، فإنهم يحاولون استخدام الحملات الإعلامية ضد اليمن، والدفاع عن مغامرتهم الخاصة.

ومن ثم، تنشر وسائل الإعلام الغربية أيضًا تصريحات مثيرة للقلق، مفادها أن الحوثيين يمكن أن يسببوا مشكلات خطيرة إضافية لأوروبا والشركات العابرة للحدود الوطنية، ليس فقط من خلال تقييد مرور وسائل النقل عبر البحر الأحمر؛ ولكن أيضًا عن طريق تعطيل الاتصالات تحت الماء.

والحقيقة هي أن أكثر من 90 % من حركة الإنترنت بين أوروبا وشرق إفريقيا وآسيا تمر عبر البحر الأحمر عبر الكابلات. لقد كانت هناك بالفعل مشكلات في صيانة شبكات الألياف الضوئية هذه، وفي المستقبل، مع احتمال تصعيد الصراع، سيكون القيام بذلك أكثر صعوبة. حتى لو لم تدخل سفينة الكابلات الثابتة المياه الإقليمية اليمنية، لكنها قد تتعرض للهجوم خلال الإصلاحات، وسيكون من المستحيل تجنب الهجوم؛ لذلك، قد يقرر مشغلو سفن الكابلات أنه من الأفضل عدم المخاطرة بسفنهم وطاقمهم.

لكن يمكن للحوثيين أيضًا إتلاف الكابلات عمدًا، ولا تحتاج حتى إلى متفجرات هنا. يكفي إسقاط المرساة من السفينة، وسحبها ذهابًا وإيابًا في المكان الذي توجد به الاتصالات.

بالطبع، يمكنك استخدام طرق بديلة لنقل البيانات برًّا، لكن سعة حركة المرور الخاصة بها ستكون أقل. سيكون عليك أيضًا إعادة توجيه حركة المرور عبر اتصالات أخرى.

وحتى الآن، لم تظهر أي إشارات على هذه النية من جانب حركة أنصار الله، لكن وسائل الإعلام الغربية نفسها، التي تغذي هذا الموضوع، يمكن أن تعطيهم تلميحًا بشأن كيفية التصرف في المستقبل إذا تكررت هجمات الدول الغربية على اليمن. إذا كان الحوثيون قد أرسلوا في السابق طائرات بدون طيار هجومية إلى مصافي النفط السعودية، فإن خيار تعطيل الاتصالات تحت الماء قد يبدو لهم نموذجًا ناجحًا تمامًا.

ما العواقب التي قد تترتب على الحصار الطويل الأمد للبحر الأحمر؟

فيما يتعلق بمصر وقطر، فضلا عن عدد من الشركات الكبرى العاملة في مجال النقل البحري، فإن ذلك سيؤدي إلى انخفاض كبير في الأرباح التي يمكن أن تحصل عليها في ظل الوضع الراهن، وستؤدي حالة عدم اليقين إلى زيادات في أسعار الغاز والتأمين على الشحن البحري، والبحث عن طرق بديلة. في الوقت الحالي، تضطر كثير من سفن الحاويات إلى الإبحار حول إفريقيا لتسليم البضائع من آسيا إلى أوروبا والعكس.

كيف يمكن أن يؤثر ذلك في المصالح الروسية؟

مع أن مصلحة موسكو السياسية غير المشروطة تتمثل في وقف التصعيد، وحل السبب الجذري، أي العدوان الإسرائيلي على فلسطين، فإن روسيا سوف تحصل على مكاسب إضافية من الناحية الاقتصادية؛ أولًا: يتم تحديث طريق بحر الشمال الذي يمر خلال الأراضي الروسية. ثانيًا: سيؤدي ذلك إلى زيادة أهمية الممر بين الشمال والجنوب، الذي أصبح في المراحل النهائية من تشغيله (وجزء من المسار يعمل بالفعل). ثالثًا: ستزداد تدفقات العبور بالسكك الحديدية. وذكرت قناة (CNBC) أن الهجمات العسكرية التي شنها اليمن على السفن في البحر الأحمر أدت إلى استخدام طرق بديلة، مثل طريق السكك الحديدية بين الصين وأوروبا عبر الشرق الأقصى الروسي.

يعد النقل بالسكك الحديدية جذابًا لشركات الشحن؛ لأنه أرخص من النقل الجوي، وهو الآن أسرع من النقل البحري. الآن يستغرق هذا العبور من 14 إلى 25 يومًا، اعتمادًا على تفاصيل الشحنة والوجهة. وفقًا لشركة (Rail Bridge Cargo) الهولندية، زادت طلبات النقل بالسكك الحديدية من الصين إلى روسيا بنسبة 37 % في يناير (كانون الثاني)، وقد تزيد في المستقبل. وفي حالة العقوبات الاقتصادية من الغرب، ستكون هذه حجة أخرى؛ أنه من الأفضل أن نكون أصدقاء ونتعاون مع روسيا، وعدم اتباع خطى الولايات المتحدة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع