
انتهت يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في العاصمة الروسية موسكو، وفي أهم قاعات قصر الكرملين الكبير التاريخية، أعمال قمة روسيا-أفريقيا الثالثة، والتي جرت بمشاركة وفود عالية التمثيل من 48 دولة إفريقية من بين دول القارة الـ54.
وقد اعتمدت القمة في يومها الختامي، حيث جرت على مدى يومي 28 و29 من أكتوبر (تشرين الأول)، ثلاث وثائق رئيسية ومهمة تحدد أولويات التعاون بين الأطراف خلال السنوات المقبلة، وعلى رأسها خطة عمل للفترة من 2027 إلى 2029. وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن حجم التبادل التجاري بين روسيا ودول القارة تجاوز 27 مليار دولار بختام عام 2025، وهو رقم متواضع في حقيقة الأمر إذا قسناه على قدرات روسيا وقدرات دول القارة، لكنه مع ذلك مهم في سياق مقالنا الحالي لأنه يمثل مؤشرًا مهمًا على تطور العلاقات الروسية الأفريقية، وذلك أنه يزيد بمعدل 50% تقريبًا عن مستوى التعاون عند انعقاد القمة السابقة عام 2023.
واخترت أن أبدأ بالأرقام، لأنها هي اللغة الوحيدة التي لا تكذب ولا تتجمل، على عكس التصريحات السياسية التي غالبًا ما تخضع للتأويل والعواطف، وفي أغلب الأحيان للمصالح المؤقتة. وأقول إن هذه الأرقام على أهميتها، إلا أنها تضعنا أمام سؤال مهم يتجاوز النتائج المباشرة لهذه القمة الثالثة، وهو: هل ما حدث في موسكو في آخر أيام أكتوبر (تشرين الأول) يعكس نجاح روسيا في بناء شراكة استراتيجية متكاملة مع القارة السوداء الواعدة والمتخمة بالثروات المغرية، أم أن الحضور السياسي والأمني الروسي لا يزال يفوق وزنها الاقتصادي الحقيقي داخل أفريقيا؟
هذا السؤال مهم لأن فهمه يحيلنا إلى إمعان النظر في موضوعات ونتائج القمم الثلاث، التي جمعت روسيا بأفريقيا منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، عندما عقدت أولى قمم هذه الصيغة الجديدة. وأقول إن الإجابة عليه تستدعي منا النظر إلى القمم الثلاث باعتبارها مراحل متعاقبة في تطور السياسة الروسية تجاه أفريقيا.
ففي سوتشي عام 2019 كانت موسكو تسعى بعد انقطاع طويل إلى استعادة حضور تراجع بصورة حادة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي واستمر طوال العقد الأول من الألفية الجديدة في التراجع. وفي سان بطرسبورغ عام 2023، كان وضع روسيا مختلفًا، فقد جاءت هذه القمة بعد عام وبضعة أشهر على اندلاع حرب أوكرانيا، التي صاحبتها حزم غير مسبوقة من العقوبات الغربية على روسيا ومحاولات فرض عزلة دولية عليها، فكانت الرسالة والأولوية هي إثبات قدرة الكرملين والدولة الروسية على الاحتفاظ بشركائها الدوليين رغم استمرار الحرب وتوالي حزم العقوبات. أما قمة موسكو الأخيرة، فنستطيع القول إنها جاءت في ظروف أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد منطقيًا أن تكون أجندتها مكرسة فقط لاستمرار الحوار السياسي مع القارة، وأصبحت موسكو مطالبة بالتالي بتقديم إثبات على قدرتها على تحويل العلاقات الدبلوماسية الطيبة إلى استثمارات ومشروعات إنتاجية ومصالح اقتصادية طويلة الأمد، فعلم العلاقات الدولية يخبرنا أن المصالح هي أفضل رباط يعزز العلاقات ويحافظ على استمرارها وتعميقها.
ومن خلال متابعتي المباشرة للقمم الثلاث، حيث كنت حاضرًا لها جميعًا وفي قلب أحداثها وفعالياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، أستطيع القول، من وجهة نظر شخصية بالطبع كمراقب يسعى قدر الإمكان إلى تحري الموضوعية، وانطلاقًا من العمل بمبدأ “الرائي يصدق قومه”، أن التحول الأساسي في المقاربة الروسية يتمثل في الانتقال بشكل تدريجي من توظيف الرصيد التاريخي للاتحاد السوفيتي ودوره في دعم حركات التحرر الوطني من الاستعمار ودعم الدول الأفريقية الوليدة خلال النصف الأخير من القرن المنصرم، إلى محاولة بناء شبكة مصالح معاصرة تعتمد على البراغماتية الإيجابية والمصالح والفائدة المتبادلة بعيدًا عن الأدلجة والتوجهات الأيديولوجية التي كانت تحكم الفعل السوفيتي في ذلك الزمان.
ومع ذلك أقول إن الحديث الروسي المتكرر عن دعم حركات التحرر وتدريب الكوادر، فضلًا عن إسقاط حوالي 23 مليار دولار من الديون التاريخية عن دول القارة، لا يزال يمثل عنصرًا مهمًا في الخطاب الروسي المعاصر الموجه لأفريقيا. غير أن الواقع التاريخي يخبرنا أن أغلب هذه الديون تعود إلى التزامات نشأت خلال الحقبة السوفيتية، وبالتالي لا تمثل تدفقات مالية جديدة إلى الاقتصادات الأفريقية التي هي الآن في أمس الحاجة لمثل هذه الأموال. وبناءً على ذلك، فإن الرصيد التاريخي نعم قد يفتح أبواب التعاون، ولكنه لا يستطيع وحده ضمان استمرار هذا التعاون.
كما أن مراقبتي للقمم الثلاث كشفت لي عن جانب مهم أرى ضرورة مشاركته معك أيها القارئ الكريم حتى تتضح الصورة أكثر، وأقصد به أرقام الحضور والمشاركة ومستواها. فقد حضر القمة الأولى في سوتشي 43 رئيس دولة ورئيس حكومة أفريقية، في حين شارك في قمة سان بطرسبورغ 17 رئيسًا ورئيس حكومة فقط، بينما كان خلف طاولة قمة موسكو الأخيرة 22 قائدًا أفريقيًا، بالإضافة إلى ما يزيد عن ضعفهم من الوزراء الذين مثلوا دولهم.
وهذا الكلام معناه أن موسكو نجحت في الحفاظ على قدرة معتبرة على الحشد الدبلوماسي، رغم حرب أوكرانيا وتأثيراتها، ورغم ضغوط غربية كبيرة، حسبما وصلني من معلومات، مورست على الدول الأفريقية لثنيها عن الحضور أو حتى المشاركة بأي مستوى من المستويات في هذه القمة. ومع ذلك الموضوعية تقتضي منا الإشارة إلى أنها لم تستعد مستوى التمثيل القيادي الذي شهدته القمة الأولى.
والأهم في هذا السياق، في رأيي، هو أن مشاركة الدول الأفريقية في القمة وحضورها إلى جانب بوتين في قلب قصر الكرملين الكبير، لا تعني بحال أن هذه الدول تؤيد المواقف الروسية في الصراع مع الغرب، أو تتبنى رواية هذا الطرف أو ذلك، وإنما هي دول باحثة عن تنويع الشركاء الدوليين وراغبة في الحفاظ على هامش أوسع لاستقلال قرارها السياسي.
ومع ذلك نعود ونقول إن الاقتصاد هو الأساس الصلب الذي يجب أن نستند إليه لتقييم مستقبل وآفاق هذه الشراكة، فإذا كان التبادل التجاري الروسي الأفريقي قد تجاوز 27 مليار دولار، فإن هذا الحجم، وكما ألمحت أعلاه، لا يزال محدودًا قياسًا بالقدرات الاقتصادية والسكانية للقارة، وكذلك بحجم العلاقات التي تربط دول أفريقيا بالصين والاتحاد الأوروبي. والأمر المهم في هذا الإطار هو أن التجارة تميل بصورة واضحة لصالح الصادرات الروسية من الحبوب والأسمدة والطاقة والمعدات، في حين أن الواردات الروسية من المنتجات الأفريقية أقل بكثير. وما أقصده بهذا الكلام هو أننا في هذه الحالة بصدد مشكلة هيكلية تتجاوز حجم التبادل التجاري نفسه، إذ إنها تتعلق بطبيعة توزيع القيمة المضافة بين الطرفين. فإذا استمر الوضع على هذا الحال، فهذا يعني أن الشراكة ستقوم أساسًا على تصدير المنتجات الروسية واستيراد المواد الخام الأفريقية، وهي نعم قد تزيد حجم التبادل التجاري وتوسعه، لكنها على الأغلب لن تؤدي إلى تطوير القاعدة الصناعية الأفريقية، وهذا ما يجب أن يأتي في أعلى سلم الأولويات لدول القارة في تعاملها مع قوة صناعية كبرى مثل روسيا.
لذلك يبدو لي أن النجاح الحقيقي للسياسة الروسية لا ينبغي قياسه بزيادة حجم الصادرات وحدها، ولكن بقدرتها واستعدادها وجدية نيتها على إقامة مصانع مشتركة وتوطين التكنولوجيا وتطوير سلاسل إنتاج داخل الدول الأفريقية نفسها. وذلك لأنه شتان بين بيع المعدات الزراعية لدولة أفريقية والمشاركة والمساهمة المباشرة في إنشاء صناعة محلية لهذه المعدات وتدريب كوادر وطنية محلية على إنتاجها وتشغيلها. كما أن هناك فارقًا اقتصاديًا كبيرًا بين تصدير الأسمدة بأنواعها المختلفة وبناء منظومة متكاملة لزيادة الإنتاج الزراعي المحلي في دول القارة. فالشكل الأول من العلاقة يجعلها علاقة تجارية تقليدية، أما الثانية فإن تحققت فهي تصبح شراكة تنموية حقيقية تخلق مصالح متبادلة يصعب الاستغناء عنها.
ولم أختر مثال المعدات الزراعية والأسمدة في الفقرة أعلاه صدفة، ولكن بناءً على إدراكي لأهمية ملف الأمن الغذائي الملحة بالنسبة لدول القارة، وهو ما تجلى بوضوح خلال الأعوام الأخيرة. وفي هذا الصدد أشير إلى تصريحات بوتين نفسه خلال القمة، عندما أعلن أن روسيا صدرت إلى أفريقيا أكثر من 18 مليون طن من الحبوب خلال عام 2025، وحوالي 13 مليون طن خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2026 الجاري. فضلًا عن ذلك أكد الرئيس الروسي ارتفاع صادرات الأسمدة المعدنية الروسية إلى أكثر من 2.2 مليون طن خلال الفترة التي تناولتها البيانات الروسية من العام الجاري.
وهذه الأرقام بدورها تعكس أهمية روسيا كمورد للسلع الزراعية الأساسية إلى أفريقيا، ومع ذلك هي في الوقت نفسه تضعنا أمام سؤال مهم عن مستقبل الأمن الغذائي الأفريقي، فهل ينبغي مثلًا أن يستمر اعتماد دول القارة وشعوبها على الاستيراد، أم أن من الأجدى لها والذي يجب أن يشكل أولوية هو أن تنتقل إلى تطوير قدرات الإنتاج المحلي والبنية التحتية الزراعية. فالاستقلال الغذائي لا يمكن تحقيقه بحال على حساب تأمين الواردات فقط، ولكن ينبغي السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الإنتاج المحلي أو على الأقل تقليل الحاجة الهيكلية للواردات في سلعة استراتيجية مثل الحبوب.
في المجال المالي، وهو من المجالات بالغة الأهمية في نجاح التعاون وخصوصًا في ضوء ما كشفته العقوبات الغربية عن احتكار الغرب لمنظومات تسيير هذا القطاع، أعلن بوتين عن رقم مثير للاهتمام، حيث أكد أن حصة الروبل الروسي وصلت إلى 85% تقريبًا من العمليات التجارية الروسية الأفريقية التي تناولتها تصريحاته خلال فعاليات القمة. وأهمية هذه النقطة أنها تمثل وفق الرؤية الروسية، حسب فهمي لها، أنها تمثل تقدمًا في تقليل الاعتماد على الدولار واليورو، وبالتالي الحد من تأثير القيود المصرفية الغربية. ومع ذلك من الحري بنا الإشارة إلى أن استخدام العملات الوطنية لا يعني تلقائيًا تجاوز العقوبات أو بناء نظام مالي مستقل ومستقر. فنحن لا نزال نعيش في مرحلة تحتاج فيها التجارة إلى بنوك قادرة على التسوية وسيولة كافية وضمانات ائتمانية وخدمات تأمين وشحن وإلخ. كما أن اختلال الميزان التجاري قد يؤدي إلى تراكم أرصدة كبيرة بالروبل لدى بعض الشركاء الأفارقة دون وجود استخدامات اقتصادية كافية لها. وهذه طبعًا أيها القارئ الكريم مشكلة لا تحلها القرارات السياسية وحدها، وإنما تتطلب توسيع حجم وتنوع التجارة في الاتجاهين.
بلا شك الطاقة النووية المدنية تبدو في رأيي أحد المجالات التي تمتلك فيها روسيا ميزة تنافسية حقيقية مع المتنافسين الآخرين على أسواق أفريقيا، ولا أقول ذلك فقط بسبب القدرات الفنية الكبيرة التي لدى روسيا، وإنما لطبيعة هذه الصناعة التي بحد ذاتها تؤسس لعلاقات ممتدة لعقود. فضلًا عن تفرد روسيا بقدرتها على تقديم نماذج تعاون جذابة في هذا المجال عبر توريد المحطات العائمة الصغيرة، وهي التكنولوجيا الموجودة بالفعل والمجربة من سنين لدى روسيا، في حين أن منافسيها الأقرب كل ما لديهم الآن مجرد تصميمات لم تتحول إلى منتجات فعلية مجربة يمكن تقديمها للشركاء.
وفي المجال النووي يقدم مشروع محطة الضبعة النووية المصرية نموذجًا مهمًا للتعاون بين روسيا وأفريقيا، فهذا المشروع هو مشروع عملاق بأربع وحدات من طراز VVER-1200، وقدرة تصميمية إجمالية تبلغ 4800 ميغاواط. وأهميته لا تقتصر على إنتاج الكهرباء، ولكن أيضًا لتدريب وتأهيل كوادر وطنية في هذا المجال بالغ الأهمية، فضلًا عن تطوير البنية التحتية التكنولوجية والخدمات الصناعية المرتبطة بالتشغيل والصيانة.
وقد كشفت النقاشات التي تابعتها عن كثب في أروقة القمة وعقب انتهائها عن اهتمام روسي بتوسيع التعاون النووي مع دول إفريقية أخرى، وإن كانت المفاوضات التي بدأت لهذا الغرض لا تعني بالضرورة تحول جميع المشروعات المقترحة والمطروحة إلى عقود تنفيذية بشكل سريع أو إلى مشروعات واقعية حقيقية بالفعل.
وهنا أرى أن العلاقات المصرية الروسية تكتسب أهمية تتجاوز الإطار الثنائي التقليدي، وما أرمي إليه هو أن مصر التي يتجاوز حجم تجارتها مع روسيا 9 مليارات دولار وفق البيانات المعلنة، تمثل أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لروسيا في أفريقيا. وبحساب تقريبي يتضح لنا أن هذا الرقم يمثل حوالي ثلث إجمالي التجارة الروسية مع القارة. وهذه النسبة كاشفة عن التركيز الجغرافي للعلاقات الاقتصادية الروسية الأفريقية، كما أنها توضح في الوقت نفسه أهمية السوق المصرية بالنسبة لروسيا، فضلًا عن موقعها اللوجستي والصناعي، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أيضًا مشروع المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
التعاون العسكري يظل أحد أكثر أدوات النفوذ الروسي حضورًا في القارة السمراء. وقد أكد بوتين في تصريحاته على هامش القمة أن موسكو لديها اتفاقات للتعاون الفني والعسكري مع 45 دولة من الدول الأفريقية. لكن اتساع شبكة الاتفاقيات لا يعني بالضرورة وجود تعاون فعلي بالمستوى نفسه مع جميع الدول. كما أن تجربة منطقة الساحل والصحراء تكشف لنا حدود المقاربة الأمنية الروسية في التعامل مع مناطق معينة داخل أفريقيا. إن إعادة ترتيب التحالفات العسكرية قد يمنح بعض الحكومات بدائل عن الشركاء الغربيين، لكنها مع ذلك لا تكفي لمعالجة الأزمات المرتبطة بضعف المؤسسات في هذه الدول، فضلًا عن الفقر والتوترات الاجتماعية. وبالتالي ما أقصده هنا هو أن النفوذ العسكري نعم يستطيع توفير حضور سريع، لكن الاستقرار يحتاج إلى أدوات اقتصادية وسياسية مختلفة.
كما تضيف الحرب الأوكرانية بلا شك تناقضًا أساسيًا إلى كل هذه الحسابات التي نتحدث عنها، بمعنى أن العقوبات الغربية نعم دفعت موسكو دفعًا إلى توسيع علاقاتها مع دول الجنوب العالمي، وأعطت أفريقيا أهمية متزايدة في سياستها الخارجية. لكنها من جهة ثانية فرضت ضغوطًا مضاعفة على الموارد المالية الروسية وكذلك الصناعية واللوجستية، وهو ما قد يحد من قدرتها على تمويل مشروعات خارجية كبيرة وضخمة في المدى القريب على الأقل.
لذلك أرى أن المشكلة الروسية ليست في غياب الطموح أو الخبرة في قطاعات محددة، ولكن في القدرة على تخصيص الموارد اللازمة لتحويل هذا الطموح إلى نتائج عملية ونحن نرى كيف تزداد المنافسة الدولية شراسة على القارة الغنية بالموارد.
ومن التطورات التي لفتت نظري في نتائج القمة الثالثة مقارنة بسابقتيها هو اعتماد إعلان مستقل للتعاون بين روسيا وأفريقيا في الاستخدامات المدنية للذكاء الصناعي. وأرى أن هذه الخطوة تعكس إدراك موسكو ووعيها بأن مستقبل المنافسة على أفريقيا لن يتحدد بالسلاح والطاقة والغذاء وحدها، وكلها عناصر بالغة الأهمية، لكن بالتكنولوجيا أيضًا التي لا تقل أهمية في هذا السياق، وبصفة خاصة التكنولوجيا الرقمية وتكنولوجيا البيانات الضخمة وتدريب الكوادر في هذه المجالات.
لكن علينا القول إن هذا المجال بحد ذاته يطرح تحديات تتعلق بمسألة ملكية البيانات والسيادة الرقمية، زد على ذلك نقص البنية التحتية والكهرباء والتمويل. الدول الأفريقية نعم يمكنها استيراد الأنظمة التكنولوجية من روسيا، لكن ذلك لا يعادل امتلاك القدرة على تطويرها، والحال نفسه في حالة شراء المعدات الصناعية التي لا يعني شراؤها امتلاك صناعة وطنية.
وقبل أن أختم هذه السطور أريد التأكيد على وجهة نظري الخاصة فيما يتعلق بتعامل القوى الكبرى مع أفريقيا، ففي تقديري، الذي لا أفرضه على أحد، لم تعد أفريقيا تلك المساحة الجغرافية الممتلئة بالثروات التي تتنافس عليها هذه القوى الكبرى، فلقد أصبحت أفريقيا طرفًا أكثر وعيًا بأهمية موقعه في إعادة تشكيل التوازنات الدولية، على الرغم من ضعف اقتصاداتها وبنيتها التحتية ومشاكلها الاجتماعية والبينية. إن الدول الأفريقية الـ54 داخل الأمم المتحدة تمتلك وزنًا سياسيًا معتبرًا، غير أن مشكلتها أنها لا تشكل كتلة واحدة في مواقفها الدولية. ومن ثم فإن المصلحة الأفريقية لا تكمن في استبدال تبعية دولية بتبعية أخرى، شرقية أو غربية، وإنما في استثمار موقعها وقدراتها بذكاء، واستثمار المنافسة بين روسيا والصين والغرب والقوى الإقليمية الصاعدة، تركيا مثالًا، للحصول على أفضل الشروط للتمويل والتكنولوجيا والاستثمار.
ومن هذا المنطلق أرى أن خطة العمل الروسية الأفريقية للفترة 2027-2029 ستكون بمثابة الاختبار الحقيقي لهذه القمة الثالثة التي تناولناها في هذا المقال. والمعيار الذي ينبغي أن نحتكم إليه ليس في عدد البيانات أو الاتفاقيات التي يُعلن عنها، ولكن فيما سنراه على أرض الواقع من استثمارات يجري ضخها وتحويلها إلى مشاريع مرئية وملموسة، والمشروعات الصناعية المكتملة والمنتهية والمشغلة بالفعل، وبالتالي فرص العمل التي تم توفيرها والتكنولوجيا التي تم توطينها، وبناءً على كل ذلك على مدى تحسن قدرة الاقتصادات الأفريقية على الإنتاج والتصدير.
وختامًا أقول، لقد قطعت روسيا بالفعل شوطًا مهمًا في إعادة بناء حضورها السياسي والدبلوماسي داخل أفريقيا، لكنها لم تصل بعد، وهذا رأيي الشخصي، إلى مستوى الشراكة الاقتصادية الذي يتناسب مع طموحات الكرملين الاستراتيجية. نعم، نجحت القمم الروسية الأفريقية الثلاث في تأسيس مسار سياسي والأهم مؤسسي مستمر وأعتقد سيكون مستدامًا، غير أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة، وذلك لأنها ستنقل العلاقات بين الطرفين من اختبار العودة والقدرة على الحضور إلى اختبار القدرة على الإنجاز والفعل.
إن مستقبل النفوذ الروسي في إفريقيا لن تحسمه الصور الجماعية في قاعات قصر الكرملين التاريخية الفخمة، وإنما ستحدده المصانع ومحطات الكهرباء والمزارع والجامعات والموانئ، وعندما يحدث ذلك ستتحول المصالح السياسية إلى نتائج اقتصادية صلبة وملموسة ولن تبقى حبيسة المحاضر الدبلوماسية والتعهدات السياسية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير