القضايا الاقتصادية

دبي تُزيح بلجيكا عن سوق الألماس الهندية


  • 24 يونيو 2024

شارك الموضوع

أدت التغييرات الأخيرة في قوانين ولوائح الضرائب البلجيكية والاتحاد الأوروبي إلى تحويل تجار الألماس الجاينيين (Palanpuri Jain) قاعدتهم إلى سوق الألماس المزدهرة حديثًا في دبي. وتهيمن أنتويرب البلجيكية- عاصمة الألماس في العالم- على تلك التجارة، حيث تواصل 400 عائلة الإقامة فيها، واستخدامها كبوابة إلى السوق الأوروبية للألماس المقطوع والمصقول في سورات ومومباي في الهند. وتمكنت جماعة هندية تنتمي إلى ديانة “اليانية/ الجاينية”، وتنحدر من بلدة بالانبور في منطقة باناسكانثا في ولاية غوجارات، فيما يزيد قليلًا على نصف قرن، من السيطرة على تجارة الألماس في أنتويرب، ويبدو أنهم على موعد جديد من النمو في دبي.

منذ عام 2021، وصلت الإمارات العربية المتحدة إلى المركز الأول عالميًّا كمركز للألماس الخام، حيث تم تداول ما قيمته أكثر من (22.8) مليار دولار أمريكي من الألماس الخام. ويستمر قطاع الألماس المصقول في البلاد بالنمو بوتيرة سريعة بلغت نسبة (83 %)، متجاوزة بلجيكا باعتبارها مركز التجارة الخام الرائد في العالم. ويوجد أكثر من (1100) شركة في بورصة دبي للألماس، وهي أكبر منشأة لمناقصات الألماس في العالم. وقد أدت الرحلات الجوية المباشرة من دبي إلى دول التعدين في إفريقيا، ومراكز التصنيع في الهند، إلى تطوير سلاسل التوريد، وإعادة تشكيل سوق الألماس العالمية.

الجاينيون الهنود من تراب الألماس إلى السيطرة على الصناعة

في ستينيات القرن العشرين، بدأ الجاينيون من بالانبور في الوصول إلى أنتويرب. كانت تجارة الألماس تخضع لسيطرة مجتمع متماسك من اليهود الحسيديين، تحكمهم لوائح مجتمعهم الخاصة. لم يكن الجاينيون في وضع يسمح لهم بالتنافس معهم، لذلك عملوا في قطاع أصغر ذي صلة، وهو غبار الألماس، والألماس الصغير جدًّا الذي ليس من السهل قطعه أو تلميعه، ومن ثم لم يجذب سوى قليل من الاهتمام من اليهود الحسيديين.

ولأن الجاينيين عملوا في قطاع لم يكن مهمًّا، فإن اليهود الحسيديين لم يشعروا بالتهديد منهم؛ يقال إن اليهود الحسيديين قدموا أيضًا تسهيلات ائتمانية لهم في البداية. اشترى الجاينيون ألماسًا أصغر حجمًا، أو غبار الألماس من جنوب إفريقيا، وأستراليا، وسيبيريا، وأرسلوه إلى سورات ونافساري، حيث يمكنهم قطعه وصقله على يد عمالة عالية المهارة، ولكنها رخيصة، ثم بعد ذلك يُشحَن الألماس المعالج إلى أنتويرب، ويباع هناك، وفي مدن أوروبية أخرى.

فور أن بدأ الجاينيون يزدهرون في هذا العمل، أُنشئ مجتمع كبير من المهاجرين الهنود، وكانت مسألة وقت فقط قبل أن يتفوقوا على اليهود الحسيديين للسيطرة على التجارة بكاملها، لا سيما أن كبار تجار الألماس احتقروا الأحجار الكريمة الصغيرة على أساس أن الطلب العالمي كان يتركز في المقام الأول على الأحجار الكبيرة. ومع ذلك، فإن مثابرة الجاينيين وتنظيمهم المميز غيّرا هذا الوضع، وبدأ الجاينيون يتحكمون في كل خطوة من خطوات عملية صناعة الألماس، بدءًا من تسليم الأحجار، وهو ما يتم بواسطة أشخاص موثوق بهم يُعرفون باسم أنجادياس، وحتى قطع الألماس وصقله وتصنيفه، وتوزيعه مرة أخرى في السوق.

طور الجاينيون عملية تصنيع عالية الجودة، ومنخفضة التكلفة، وشبكة توزيع قوية. وبحلول نهاية القرن العشرين، أصبحوا يسيطرون على تجارة الألماس العالمية. ومثل اليهود الحسيديين، الذين سيطروا على تجارة الألماس في أنتويرب قبلهم، كان الجاينيون أيضًا مجتمعًا متماسكًا مقيدًا بقوانينه الاجتماعية والدينية الصارمة، بالإضافة إلى وجود شبكات عائلية مترامية الأطراف. وقد ساعد هذان العاملان مجتمع الجاينيين؛ لأن الثقة في تجارة الألماس لها أهمية أكبر من أي عمل آخر.

بلجيكا بوابة لصعود الهند في عالم الألماس

انجذب الجاينيون إلى الفرص التي قدمتها أنتويرب، على الرغم من التحديات اليومية للعيش بعيدًا عن ثقافتهم. لم يكونوا نباتيين فحسب؛ بل لم يأكلوا أي شيء ينمو في التربة، مثل البطاطس، والبصل، والثوم، والجزر، وجميعها من العناصر الغذائية الأساسية في المطبخ الأوروبي، لكنهم بنوا نظام دعم قويًّا داخل مجتمعهم في أنتويرب. تعد روابط الدم بين الجاينيين، سواء في الخارج أو في الهند، مقدسة تقديسًا مطلقًا؛ لذا طوروا أعمالهم في ضوء العلاقات العائلية الوثيقة، وتم تداول المعلومات التجارية ورأس المال فقط ضمن شبكة مغلقة.

ألحق الكساد الكبير، الذي بدأ عام 1929، أضرارًا بالغة بتجارة الألماس. فاق العرض الطلب بسبب البيع التنافسي غير المنظم للأحجار من جانب أصحاب المناجم بعد الحرب العالمية الأولى. عطلت الحرب تجارة الألماس بين بومباي وأنتويرب، ولم يتم إحياؤها إلا في عام 1945 عندما انتهت الحرب. لقد كان ذلك بداية مرحلة جديدة من التجارة؛ لأنه بعد وقت قصير من استقلال الهند عام 1947، استأنف الجيل التالي من صناع الألماس من بالانبور رحلاتهم، حيث سافر صانع الألماس كيرتيلال مانيلال ميهتا (المعروف باسم باباجي) إلى أنتويرب وتل أبيب في فلسطين الخاضعة للإدارة البريطانية عام 1945. كانت الحياة في أعقاب الحرب صعبة بسبب نقص الغذاء، والعيش في ثقافة أجنبية، وحاجز اللغة. وعلى الرغم من هذه الصعوبات، أُسّسَت جيمبل (جواهر بلجيكا)، واختبار الأسواق الخارجية المتنامية في مناطق أبعد من أنتويرب، ونيويورك، وتل أبيب، وهونغ كونغ.

مع أن صناع الألماس من بالانبور غامروا بالذهاب إلى أنتويرب بعد فترة وجيزة من الحرب لاستعادة تجارة الألماس إلى الهند في الفترة الاستعمارية، فإن أول رئيس وزراء للهند جواهر لال نهرو وحكومته واصلوا حظر استيراد الألماس؛ في محاولة للحفاظ على النقد الأجنبي الثمين، ولم يفهموا قدرة هذه الصناعة على كسب النقد الأجنبي، وتوليد فرص العمل. ونتيجة لذلك، أصبح الأمر أكثر من مجرد عمل تهريب، حيث أُرسلت طرود الألماس إلى بلجيكا على نحو غير رسمي.

عام 1952، سمحت الحكومة الهندية بواردات محدودة، بشرط بيع الجزء الأكبر من الألماس النهائي في الخارج. وأعطى إنشاء مجلس ترويج صادرات الأحجار الكريمة والمجوهرات (GJEPC) عام 1966، تحت رعاية وزارة التجارة، لهذه الصناعة غير المنظمة آنذاك منصة للتواصل مع الحكومة. وتم تسريع “انفتاح” صناعة الألماس في الهند من خلال تزايد وجود جالية هندية في أنتويرب، التي كانت قادرة على الوصول إلى الائتمان الرخيص في أوروبا، والخدمات المصرفية للبنوك الهندية. أخيرًا، اجتمعت طموحات صناع الألماس الهنود في أنتويرب، والتغيرات السياسية المتزايدة في الهند خلال الفترة من 1991 إلى 1992، عندما أُصلِحَ الاقتصاد الهندي، وأزيلت جميع الحواجز أمام تداول العملات الأجنبية على الحسابات الجارية، وهذا ما جعل من مومباي- سورات أهم مصنع ألماس في العالم، وهو اللقب الذي احتفظت به حتى اليوم. لم يكن هذا ممكنًا لولا أنتويرب، التي لم تفقد قط أهميتها خلال سنوات النمو هذه، لكن يبدو أننا الآن على موعد لحدوث تغيير.

دبي ترث سوق الألماس الهندية التاريخية

يشهد مجتمع الألماس الخام الأكثر قيمة في العالم، الذي تبلغ قيمته 4 مليارات دولار بين أنتويرب ومومباي، تغييرًا للمرة الأولى منذ 80 عامًا. أدت الحروب المستمرة بين أوكرانيا وروسيا وإسرائيل وحماس إلى إضعاف الطلب العالمي وأسعار الألماس لمدة عامين متتاليين. إن تداعيات هذه الأحداث الجيوسياسية تخفي تحولًا أساسيًّا يحدث في خط توريد الألماس بين مومباي وأنتويرب، الذي قد يقلب أولوية أنتويرب لمومباي. ومن المؤشرات على ذلك حركة الخروج من أنتويرب منذ عام 2018 من جانب كثير من صانعي الألماس الجاينيين الذين إما يفتحون مكاتب في دبي، وإما ينتقلون إلى هناك مع عائلاتهم بسبب سهولة ممارسة الأعمال التجارية في دبي مقارنة بأنتويرب، ويعد هذا تغييرًا كبيرًا، فقد كانت أنتويرب موطنًا لأكبر تجمع لعائلات الألماس من أصل هندي في الخارج، وبعضهم عاش في أنتويرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وكان أحد العوامل الرئيسة وراء هذا التحول هو متطلبات الامتثال وقوانين الضرائب الصارمة على نحو متزايد في بلجيكا والاتحاد الأوروبي. في المقابل، تعد دبي مناسبة للأعمال التجارية، وقريبة جغرافيًّا من مومباي، التي أصبحت أكبر سوق وصناعة للألماس في العالم اليوم، فالهند توفر 11 من كُل 12 ماسة تباع عالميًّا. كما أن دبي قريبة أيضًا من إفريقيا، التي تعد حاليًا أكبر مصدر للألماس الخام، حيث لا يزال الألماس الروسي خاضعًا للعقوبات. ولا توجد مشكلات في دبي للحصول على تأشيرات للموظفين، أو فتح مطابخ خاصة بالطبيعة الغذائية لمجتمع الجاينيين، وهي مسألة مهمة جدًّا في ضوء عقائدهم الدينية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع