
يشكل استشراف مستقبل الإرهاب في آسيا عام 2026 مدخلًا تحليليًّا يتقاطع مع أدبيات الإرهاب الحديثة التي وسعت النظرة إلى الظاهرة من كونها نتاجًا للتطرف الأيديولوجي، إلى اعتبارها سلوكًا عنيفًا عقلانيًّا يتأثر ببنية الفرص السياسية، وهشاشة الدولة، وديناميات الصراع الممتد. ووفقًا لمقاربات الإرهاب الجديد، ونظريات الشبكات اللامركزية، فإن التراجع الظاهري في القدرات العسكرية للتنظيمات لا يعني بالضرورة انحسار التهديد، بل قد يعكس انتقال الإرهاب من نموذج السيطرة الإقليمية إلى نموذج المرونة العملياتية والانتشار الأفقي، وفي السياق الآسيوي، تتجسد هذه التحولات بوضوح في تفاعل الإرهاب مع بيئات غير متجانسة تجمع بين دول فاشلة أو شبه فاشلة، وأخرى ذات قدرات أمنية عالية؛ ما يجعل آسيا فضاءً مركبًا تتعايش فيه أنماط إرهابية تقليدية مع أخرى هجينة وعابرة للحدود.
وفي ضوء هذا، يطرح استشراف مستقبل الإرهاب في آسيا عام 2026 مجموعة من الإشكاليات المرتبطة بقدرة التنظيمات الإرهابية على إعادة التموضع داخل بنى الصراع والهوية والحوكمة، وبينما تشير بعض المؤشرات الكمية إلى انخفاض نسبي في عدد العمليات في بعض الأقاليم الآسيوية، تكشف المؤشرات النوعية عن انتقال الظاهرة من السيطرة المكانية إلى الانتشار الشبكي، والضربات الرمزية، والتأثير النفسي والسياسي الطويل المدى، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية لعل من أبرزها: هل سيظل الإرهاب مرتبطًا ببؤر الصراع التقليدية في غرب آسيا وجنوبها أم سيتحول إلى تهديد عابر للأقاليم عبر الفضاء الرقمي والهويات العابرة للحدود؟ وهل ستنجح الدول الآسيوية في الانتقال من منطق الاحتواء الأمني إلى بناء مقاربات وقائية شاملة تعالج الجذور البنيوية للتطرف أم أن الضغوط الجيوسياسية والتنافس الدولي ستعيد إنتاج بيئات حاضنة للعنف؟ كما يظل السؤال الأهم يتمثل في: هل يتجه الإرهاب في آسيا نحو الانحسار التدريجي بوصفه ظاهرة أمنية قابلة للإدارة، أم نحو التجذر بوصفه عاملًا بنيويًّا دائمًا في معادلات الأمن الإقليمي خلال العقد المقبل؟
تشهد القارة الآسيوية في المرحلة الراهنة حالة من التعقيد الجيوسياسي المتصاعد، ناتجة عن تداخل الصراعات التقليدية مع تحولات النظام الدولي، وتزايد التنافس بين القوى الكبرى والإقليمية، حيث تُعد آسيا مسرحًا رئيسًا لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، في ظل صعود الصين كقوة دولية، وتغير نهج الولايات المتحدة الأمريكية في ظل حكم دونالد ترمب، ومحاولات قوى إقليمية مثل الهند وتركيا وإيران توسيع مجالات نفوذها، هذا التنافس البنيوي ينعكس مباشرة على البيئة الأمنية، ويخلق مساحات رخوة تستغلها الفواعل من غير الدول، وعلى رأسها التنظيمات الإرهابية.
ففي جنوب آسيا، لا يزال السياق الأمني محكومًا بثلاث دوائر رئيسة؛ أفغانستان وباكستان والنزاع الهندي الباكستاني بشأن كشمير، فعودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان أعادت إنتاج بيئة أمنية هشة، اتسمت بازدواجية السلطة الأمنية، وغياب الاعتراف الدولي، ما سمح بعودة نشاط تنظيمات مثل داعش خراسان وطالبان باكستان، حيث تُسهم الطبيعة الجغرافية المفتوحة للحدود الأفغانية الباكستانية في تعقيد جهود الضبط الأمني، بما يحول جنوب آسيا إلى أحد أكثر الأقاليم قابلية لتجدد التهديدات الإرهابية.
أما شرق آسيا، فيتسم سياقه الجيوسياسي بطابع تنافسي بين القوى الكبرى، خاصة في ظل تصاعد التوترات بشأن تايوان، وبحر الصين الجنوبي، وشبه الجزيرة الكورية، وعلى الرغم من انخفاض معدلات الإرهاب التقليدي في شرق آسيا مقارنة بجنوبها، فإن البيئة الأمنية في شرق آسيا تشهد تحولات نوعية مرتبطة بتصاعد التهديدات غير التقليدية، مثل التطرف اليميني والعنف السياسي ذي الدوافع الهوياتية، فضلًا عن توظيف الفضاء السيبراني كأداة للتجنيد والتحريض، وهو ما يفرض نمطًا جديدًا من الأخطار الأمنية ذات الطابع المركب، في حين يتداخل السياق الأمني في جنوب شرق آسيا مع بنية اجتماعية ودينية متعددة، ومع إرث تاريخي من الحركات الانفصالية والتمردات المسلحة. ورغم نجاح بعض الدول، مثل إندونيسيا وماليزيا، في تقليص قدرات التنظيمات الإرهابية التقليدية، فإن الإقليم لا يزال يشهد نشاطًا متقطعًا لجماعات مرتبطة بتنظيم داعش، لا سيما في الفلبين، ويُضاف إلى ذلك تأثير العوامل الاقتصادية وعدم المساواة الاجتماعية، التي تشكل بيئة خصبة لعودة التطرف في صور أكثر لا مركزية، وأقل تنظيمًا.
وعلى خلاف ما سبق، فإن آسيا الوسطى، تُعد حالة خاصة في السياق الآسيوي؛ إذ تتمتع بمستويات منخفضة نسبيًّا من النشاط الإرهابي الداخلي، لكنها في الوقت نفسه تمثل منطقة عبور حساسة للتطرف العابر للحدود، خاصة في ظل قربها الجغرافي من أفغانستان، وفي هذا السياق تعتمد دول الجمهوريات الخمس على مقاربات أمنية صارمة، مدعومة بتنسيق مع روسيا والصين، وهو ما أسهم في احتواء التهديدات المباشرة، لكنه لا يلغي احتمالات التسلل الأيديولوجي على المدى المتوسط.
ومن هذا، يكشف السياق الجيوسياسي والأمني لآسيا عن سمتين رئيستين؛ الأولى ترتبط بتعدد مصادر التهديد بين دولية وإقليمية، والثانية تتعلق بتداخل الأبعاد الأمنية مع السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، هذا التداخل يجعل الإرهاب في آسيا ظاهرة مرتبطة بالبنية الجيوسياسية للإقليم، وليس مجرد نتاج لعوامل داخلية؛ ومن ثم فإن فهم اتجاهات الإرهاب المستقبلية في آسيا لا يمكن فصلها عن إدراك ديناميات التنافس الدولي، وهشاشة بعض دول القارة، والتحولات العميقة في طبيعة الصراع والأمن في النظام الدولي المعاصر.
كما تُظهر تقديرات المؤشر أن بعض دول آسيا الوسطى، مثل كازاخستان وقرغيزستان وتركمانستان، سُجلت فيها صفر نقطة على المؤشر؛ ما يضعها بين أكثر الدول أمانًا في آسيا والعالم بحسب بيانات مؤشر 2025، هذا التباين يعزز أن التهديد الإرهابي في آسيا غير متجانس، إذ تتراوح الدول بين بيئات شديدة التأثر، مثل جنوب آسيا، وبيئات مستقرة أمنيًّا بتأثير إرهاب منخفض جدًّا أو معدوم في آسيا الوسطى، وهو ما يدعم اتجاه التفاوت في القدرات الوطنية على مواجهة الإرهاب.
وفي إقليم بلوشستان بجنوب غرب باكستان، اشتدت أعمال العنف الإرهابي ذات الأهداف السياسية، إذ نفذ جيش تحرير بلوشستان سلسلة من العمليات، من بينها هجوم حافلة مدرسة في خضدار الذي أودى بحياة 11 شخصًا، أغلبهم أطفال، وأصاب أكثر من 50 آخرين، في واقعة تجسد تنامي العنف الذي لا يستهدف قوات الأمن فقط؛ بل أيضًا المجتمع المدني، في سياق نزاعات عرقية وسياسية طويلة. كما أظهرت هجمات، مثل اختطاف قطار جعفر إكسبريس في مارس (آذار) 2025، على يد مجموعات انفصالية، مدى استخدام الإرهاب وسيلة ضغط وإستراتيجية في سياقات النزاع الداخلي السياسي؛ ما يوسع نطاق الفعل الإرهابي من التفجيرات إلى عمليات معقدة تشمل الاستيلاء على مواصلات جماعية لخلق تأثير سياسي واسع على الدولة والمجتمع.
وفي مدينة دهوك في إقليم كردستان العراق، في أبريل (نيسان) 2025 ، نُفذ هجوم بسلاح أبيض خلال احتفالات مهرجان أكيتو؛ ما أدى إلى إصابة 3 أشخاص، بينهم مدنيون من الأقلية الآشورية، قبل اعتقال المنفذ، الذي أقر بالتجنيد عن طريق مواقع تنظيم الدولة الإسلامية. هذا الهجوم يعكس انتقال تأثير الفكر الإرهابي من ساحات القتال التقليدية إلى أعمال عنف فردية مستوحاة من الدعاية المتطرفة، بما يبرز استمرار تهديد الإرهاب داخل المجتمعات المتعددة الأعراق والطوائف في العراق حتى بعد خسارة التنظيم للسيطرة على أراضٍ واسعة.
يتوقف مستقبل الإرهاب في آسيا في 2026 على تفاعل أربعة متغيرات رئيسة تتمثل في: ديناميات الصراعات المسلحة المزمنة، وقدرة الدول على الضبط الأمني والحكومي، وتحولات التنظيمات الإرهابية من المركزية إلى الشبكية، فضلًا عن تأثير البيئة الإقليمية والدولية في توظيف الجماعات الإرهابية في المنطقة، وبناءً على ذلك، يمكن صياغة ثلاثة سيناريوهات استشرافية تكشف تباين في مستوى التهديد واتساعه الجغرافي، كما يتضح فيما يلي:
السيناريو الأول: تصاعد إقليمي غير متكافئ للإرهاب: يُعد هذا السيناريو الأكثر احتمالًا، حيث يعكس إرهابًا انتقائيًّا غير شامل يتركز في مناطق الصراع والهشاشة، دون تحول آسيا إلى مسرح إرهاب شامل؛ ففي غرب آسيا، حيث دول الشرق الأوسط، يستمر الإرهاب امتدادًا للصراعات المسلحة في سوريا والعراق ولبنان واليمن وإيران، مع بقاء تنظيمات مسلحة في صورة خلايا لا مركزية قادرة على تنفيذ هجمات منخفضة الكثافة لكنها مستمرة، ويغذي هذا المسار هشاشة التسويات السياسية، وتراجع الانخراط الدولي المباشر، ما يحول الإرهاب إلى تهديد مُزمن منخفض الشدة، في حين يشهد إقليم جنوب آسيا تصاعدًا ملحوظًا، خاصةً في باكستان وأفغانستان، نتيجة نشاط طالبان باكستان وتنظيم داعش خراسان في ظل هشاشة الحدود، وضعف الاقتصاد، وتسييس الهويات الدينية، ويمثل جنوب آسيا في هذا السيناريو المركز العالمي الأعلى من حيث التأثير الإرهابي. وفي جنوب شرق آسيا يستمر الإرهاب في صورة تهديد محدود ولكن كامن، تقوده خلايا صغيرة مرتبطة بتنظيمات عابرة للحدود، مع تركز الخطر في المناطق الطرفية، مثل جنوب الفلبين وأجزاء من إندونيسيا، ويظل التهديد قابلًا للاحتواء بفضل كفاءة الأجهزة الأمنية في تلك البلدان.
ويبقى الإرهاب في آسيا الوسطى في مستوى التهديد الوقائي، حيث لا تشهد المنطقة موجات عنف واسعة، لكن تستمر أخطار التطرف الكامن والارتداد من بؤر الصراع الأفغاني، خاصة في طاجيكستان وأوزبكستان، دون تحول ذلك إلى موجة عمليات واسعة. أما في شرق آسيا وشمال آسيا فيرجح أن يظل الإرهاب محدود الانتشار، لكنه يتخذ طابعًا نوعيًّا على غرار هجمات فردية أو ذئاب منفردة، خاصة في روسيا ذات الامتداد الآسيوي، مع ارتباطه بتداعيات الحرب الأوكرانية، والتوترات الداخلية.
السيناريو الثاني: الاحتواء النسبي وتراجع التأثير الإرهابي: يفترض هذا السيناريو نجاح الدول الآسيوية في تعزيز التنسيق الأمني، وتطوير القدرات الاستخباراتية، ومعالجة بعض الجذور الاقتصادية والاجتماعية، حيث تشهد بعض الساحات غرب آسيا -خاصة العراق وسوريا- انخفاضًا تدريجيًّا في كثافة العمليات الإرهابية، مع تحول التنظيمات إلى العمل الدعائي أكثر من العملياتي، نتيجة الضربات الاستباقية، وتحسن التنسيق الأمني، في حين يظل التهديد جنوب آسيا قائمًا، لكنه أقل دموية في حال نجاح جزئي لباكستان في تقليص قدرات حركة طالبان باكستان، وضبط الحدود مع أفغانستان دون القضاء الكامل على التهديد. وفي جنوب شرق آسيا قد يتراجع الإرهاب إلى مستوى هامشي، حيث تتحول الجماعات المتطرفة إلى شبكات فكرية أكثر من كونها عسكرية، وفي آسيا الوسطى وشرق آسيا تتحول هذه المناطق إلى مناطق استقرار أمني نسبي، مع استمرار المراقبة الاستباقية دون تسجيل موجات عنف واسعة، ويؤدي هذا السيناريو إلى تراجع التأثير الكلي للإرهاب في آسيا، دون اختفائه، مع تحوله إلى ظاهرة أمنية قابلة للإدارة، وليس تهديدًا وجوديًّا.
السيناريو الثالث: انفجار إرهابي شامل: وهو سيناريو منخفض الاحتمال، لكنه عالي الخطورة، يرتبط بانهيارات سياسية أو صدامات كبرى، ويحفز حدوث هذا السيناريو انهيار أمني مفاجئ في أفغانستان أو سوريا، وتوسع الحروب الإقليمية في الشرق الأوسط بين إسرائيل من جهة وإيران وسوريا والعراق ولبنان واليمن من جهة أخرى، مع تراجع حاد في الاقتصادات الهشة، وتصاعد التوظيف السياسي للهويات الدينية، ما يؤدي إلى عودة الإرهاب الواسع النطاق في غرب آسيا، مع سيطرة مؤقتة للتنظيمات الإرهابية على مناطق طرفية، في حين يتحول جنوب آسيا إلى مركز تصدير إرهابي عابر للحدود، وامتداد التهديد إلى جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى عن طريق المقاتلين الأجانب والخلايا النائمة، مع تصاعد الهجمات النوعية ذات الطابع الرمزي أو السياسي في روسيا وشرق آسيا، وتتحول آسيا في هذا السيناريو إلى مسرح إرهاب مركب؛ ما يؤدي إلى تدويل المواجهة الأمنية بين القوى الإقليمية والدولية.
استنادًا إلى ما سبق، يمكن القول إن مستقبل الإرهاب في آسيا عام 2026 لن يكون موحد المسار؛ بل سيظل غير متوازن جغرافيًّا، فمن المرجح أن يظل الإرهاب متركزًا في بؤر الهشاشة والصراعات الممتدة، لا سيما في غرب آسيا وجنوبها، حيث تتغذى التنظيمات المتطرفة على فراغات الحكم، وتداخل الصراعات المحلية بالإقليمية، وتراجع فاعلية الحلول السياسية الشاملة. وفي المقابل، ستشهد أقاليم أخرى، مثل شرق آسيا وآسيا الوسطى، مستويات تهديد أقل، مع انتقال الظاهرة من نمط العمليات الواسعة إلى أنماط منخفضة الكثافة، وعالية الرمزية؛ ما يعكس قدرة التنظيمات على التكيف، وليس التوسع الجغرافي الشامل.
وتشير المعطيات الراهنة إلى أن مستقبل الإرهاب في آسيا سيتسم بطابع الاستمرارية المتحولة أكثر من كونه تصاعدًا شاملًا، أو تراجعًا حاسمًا، ويظل سيناريو التصاعد الانتقائي هو الأكثر ترجيحًا، حيث يتحول الإرهاب من تهديد شامل إلى تهديد موضعي مرن، يعتمد على الشبكات والخلايا الصغيرة أكثر من التنظيمات المسيطرة إقليميًّا، فضلًا عن التوظيف الذكي للفضاء الرقمي ليتحول الإرهاب في آسيا خلال عام 2026 إلى تهديد أمني مرن ومتعدد الأشكال، ويضع هذا التحول الدول الآسيوية أمام معادلة مركبة تتطلب الانتقال من منطق الرد الأمني المباشر إلى مقاربات شاملة تدمج بين الوقاية المبكرة، وبناء الصلابة المجتمعية، وتعزيز التعاون الإقليمي العابر للحدود؛ ومن ثم فإن نجاح الدول الآسيوية في مواجهة الإرهاب في هذا العام لن يُقاس بعدد الهجمات فقط؛ بل بمدى قدرتها على منع تحوله إلى عامل بنيوي دائم في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير