
حذر المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف في إيجازه الصحفي اليومي، الجمعة 13 مارس (آذار) 2026، من أن الوضع الحالي في أسواق الطاقة العالمية الناتج عن العدوان الأمريكي الإسرائيلي غير المبرر على إيران ورد طهران عليه ينذر بتفاقم أزمة طاقة عالمية.
وقال بيسكوف بوضوح: “نعتبر أن الوضع الحالي محفوفًا بأزمة متفاقمة عالميًا في قطاع الطاقة”. وبهذا لم يبدأ الكرملين حديثه اليوم عن الحرب على إيران بالصواريخ أو المعارك الجوية، وإنما اختار أن يبدأ من سوق الطاقة.
والأهم من التصريح أعلاه هو تعليق بيسكوف المباشر والصريح على القرار الأمريكي الصادر اليوم الجمعة 13 مارس (آذار) 2026 بتخفيف بعض القيود على بيع وشراء النفط الروسي المشحون والمحمَّل على السفن قبل تاريخ 12 مارس (آذار) 2026، حيث قال المتحدث الرئاسي الروسي: “نفهم جيدًا أن هذه الخطوة تمثل محاولة من واشنطن لتحقيق الاستقرار في أسواق الطاقة”. ما يعني أن الكرملين ليست لديه أوهام تجاه أسباب هذا القرار الأمريكي، ويفهم أن ما يحاول ترمب فعله هو تبريد السوق.
ومع ذلك يقول بيسكوف: ولِمَ لا؟ فمصالح موسكو وواشنطن تتقاطع في هذه النقطة تحديدًا. وهذه، في رأيي، قمة البراغماتية التي تحكم الفعل السياسي الروسي المعاصر. وهذا بالمناسبة أمر إيجابي، لأنك إذا كنت تعيش في عالم اليوم فلا بد أن تقبل قواعده وأن ترى الأمور بنظارة الواقع، وليس من خلال النظارة الوردية للنظريات الأخلاقية التي لا يمكن أصلًا تطبيقها على أرض الواقع. بل إن من يدرس تاريخ العالم جيدًا وبموضوعية يفهم أنه كان ولا يزال واقعيًا. ولا أقول هنا أن تكون الدول انتهازية، فهذا توصيف غير موضوعي.
البراغماتية الإيجابية هي أن تكون مصلحة بلدك وشعبك فوق الجميع، وهذا ما يطبقه بوتين، من وجهة نظري. ولذا كانت الرسالة الأوضح في حديث بيسكوف اليوم في جملته: “بدون كميات كبيرة من النفط الروسي يصبح استقرار السوق العالمي مستحيلًا”.
إن هذه الجملة تحديدًا تلخص بدقة الطريقة التي ترى بها موسكو ما يحدث في العالم اليوم. فالحرب في الخليج لم تخلق أزمة عسكرية فقط، لكنها عرّت أيضًا حدود النظام الاقتصادي الذي حاول الغرب بناءه خلال السنوات الأخيرة لعزل روسيا في أسواق الطاقة.
والقرار الأمريكي نفسه هو من كشف أزمة النظام الغربي. ففي محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في الأسعار، وكما أشرت أعلاه، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية السماح مؤقتًا ببيع النفط الروسي الذي تم تحميله على الناقلات قبل 12 مارس (آذار)، وهذا الترخيص يسري حتى يوم 12 أبريل (نيسان).
ويسمح القرار، وفقًا للفقرة المفسرة له، بتصريف ما يقارب 100 مليون برميل من النفط الروسي كانت عالقة في السوق بسبب القيود والعقوبات الأمريكية والغربية.
لكن المفارقة أن رد فعل السوق على هذا القرار الأمريكي جاء على غير المتوقع، فسعر خام برنت لم ينخفض، بل ظل فوق مستوى 100 دولار للبرميل حتى لحظة كتابة هذه السطور ظهر الجمعة 13 مارس (آذار) الجاري. وهذا يدل على أن المشكلة الأساسية ليست في نقص الشحنات، بل إن المشكلة هي في القلق وفي خوف السوق من طول فترة اضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، وخصوصًا بعد تصريحات المرشد الإيراني الجديد في أول بياناته الرسمية.
المهم في هذا السياق بالنسبة للكرملين هو أنه يرى هذه الخطوة الأمريكية بمثابة اعتراف بحقيقة بسيطة، وهي أن سوق الطاقة العالمي لا يستطيع الحفاظ على الاستقرار في ظل غياب النفط الروسي.
لقد كشفت الحرب على إيران عن واحدة من أكبر المفارقات في الاقتصاد السياسي للحروب.
فالعقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا كانت تهدف أساسًا إلى تقليص عائدات موسكو من صادرات الطاقة، التي اعتبرت واشنطن وحلفاؤها أنها تمول الآلة العسكرية للكرملين وتمنحه القدرة على مواصلة الحرب التي دخلت عامها الخامس.
لكن حرب الخليج الجديدة في نسخة 2026 أدت إلى نتيجة معاكسة، فالاضطراب في واحدة من أهم مناطق إنتاج النفط في العالم، والذي سببه عدوان أمريكا انصياعًا لرغبة إسرائيل ورئيس وزرائها المهووس، أدى إلى ارتفاع الأسعار على الفور، ما منح الدول المصدرة، وعلى رأسها روسيا، مكاسب مالية إضافية رغم العقوبات.
فقد كشف تقرير صدر الخميس 12 مارس (آذار) 2026 أن روسيا حققت عائدات تُقدَّر بنحو 7 مليارات دولار (حوالي 6.1 مليارات يورو) من صادرات النفط والغاز خلال الأيام الأولى من الحرب على إيران.
كما أوضح التقرير، الذي أصدره مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، وهو مركز بحثي أوروبي يتابع عائدات صادرات النفط والغاز الروسية بشكل لحظي، أن متوسط الإيرادات اليومية لروسيا ارتفع بنحو 14% مقارنة بمستويات شهر فبراير (شباط) عن نفس الفترة من الشهر.
وأشار التحليل إلى أن ارتفاع العائدات الروسية جاء في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة تقلبات بسبب التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتأثر الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
أما الجهة التي نشرت التحليل فهي منظمة أورغيفالد الألمانية غير الربحية، التي تنشط في حملات الضغط ضد تمويل مشروعات النفط والغاز، والتي تدعو باستمرار وعزم لا يلين إلى تشديد العقوبات المفروضة على صادرات الطاقة الروسية.
وبهذا المعنى يمكننا القول إن الحرب على إيران أعادت فتح نافذة لروسيا داخل سوق الطاقة العالمي في لحظة كان يفترض فيها أن تكون موسكو معزولة اقتصاديًا.
في الوقت نفسه ينبغي أن ندرك أن القرار الأمريكي لا يمكن ربطه فقط بسوق الطاقة العالمي أو النظر إليه من هذه الزاوية، فترمب ليس فاعل خير عالمي، وواشنطن أصلًا في كل أفعالها لا ترى إلا مصلحتها الخاصة.
ذلك أن ارتفاع أسعار الوقود يمثل قضية حساسة للغاية في الولايات المتحدة، خاصة ونحن في عام انتخابي. وكما ذكرت في مقال سابق تشير تقارير إعلامية عديدة إلى أن البيت الأبيض يخشى بشدة أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد الأمريكي والمستهلكين.
فوكالة “رويترز” مثلًا، في تعليق على القرار الصادر اليوم، رأت أنه يعكس قلقًا حقيقيًا داخل الإدارة الأمريكية من تأثير أسعار النفط على فرص الجمهوريين في الانتخابات النصفية المقبلة. أما “سي إن إن” فنقلت انتقادات سياسيين ديمقراطيين اعتبروا أن الحرب في الشرق الأوسط وسياسات ترمب المرتبطة بها منحت روسيا دخلًا إضافيًا بدلًا من إضعاف اقتصادها، وهو ما حاولت فعله إدارة بايدن على مدار 3 سنوات قبل عودة ترمب إلى البيت الأبيض.
لكن المثير كذلك، أو لنقل المفرح بالنسبة للكرملين، في رأيي، ومن باب “اللهم لا شماتة”، أن القرار الأمريكي الجديد يوسع الفجوة بين واشنطن وأوروبا.
فهذا القرار الترمباوي أثار قلقًا واضحًا في العواصم الأوروبية من واقع ردود الفعل الأولية التي وقعت عيني عليها عند تجميع المادة للمقال.
فمن المعروف جيدًا أن الاتحاد الأوروبي كان ولا يزال يسعى إلى الحفاظ على سياسة صارمة تجاه صادرات الطاقة الروسية، من نفط وغاز، بل وحرمها على نفسه نهائيًا مع نهاية شهر مارس (آذار) الجاري، بينما بدأت واشنطن، كما نرى، تظهر مرونة بسبب أزمة الأسعار الداخلية لديها.
البريطانيون قالوها صراحة، وفق ما نشرته صحيفة “التليغراف” اليوم، حيث اعتبرت الصحيفة أن هذه الخطوة قد تعمق الانقسام بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن كيفية التعامل مع روسيا.
حتى الإعلام الألماني، الذي نادرًا ما أبص عليه الصراحة، لم يخف استياءه. فقد نشرت قناة “n-tv” تقريرًا (قرأته مترجمًا إلى الروسية بالطبع) اعتبرت فيه أن بعض قرارات ترمب الأخيرة تجعله يبدو وكأنه يساعد روسيا، وإن بشكل غير مباشر.
وهذا بالطبع إذا ترجمناه إلى اللغة المفهومة فنفهم على الفور أنه اتهام من القناة الألمانية للرئيس الأمريكي، وهو قد يكون اتهامًا مبالغًا فيه سياسيًا، لكنه يعكس حقيقة مهمة في سياق موضوع مقالنا هذا، وهي أن الحرب على إيران بدأت تؤثر مباشرة في وحدة الموقف الغربي تجاه موسكو.
فحين تلتقي ثلاث حروب في حرب واحدة تصبح موسكو والكرملين وبوتين كاسبين.
لم تعد الحرب على إيران في يومها الرابع عشر أزمة شرق أوسطية منفصلة، ولم تعد الحرب في أوكرانيا، بعد دخولها عامها الخامس، ملفًا أوروبيًا قائمًا بذاته، كما لم تعد أزمة الطاقة مجرد نتيجة جانبية للصدامات العسكرية في أوروبا والشرق الأوسط.
النظرة الموضوعية لهذه الأزمات وربطها معًا تجعلنا نبلور تصورًا يقول إن هناك ثلاث حروب تتحرك داخل مسرح واحد.
الحرب الأولى عسكرية ملتهبة مباشرة على إيران في مرحلتها عالية السخونة الآن، والثانية حرب استنزاف متبادل طويلة بين روسيا والغرب ساحتها ميادين أوكرانيا، أما الثالثة فهي حرب على سوق الطاقة العالمي.
وفي هذه الحرب الثالثة تحديدًا تتحول البراميل (ليس المتفجرة) والمضائق والعقوبات إلى أدوات للصراع لا تقل في تأثيرها عن الصواريخ والمسيرات الانتحارية.
وبما أننا عرجنا على حرب أوكرانيا، فمن المنطقي أن نطرح السؤال التالي في السياق: هل غطت حرب إيران على حرب أوكرانيا؟
في الواقع هناك إجماع في دوائر التحليل الروسي على أن إيران حجبت أوكرانيا، لكنها لم تلغها تمامًا. بمعنى أن الحرب في الخليج سحبت جزءًا كبيرًا من اهتمام واشنطن، وهذا طبيعي، وكذلك من اهتمام الغرب عمومًا بعيدًا عن الجبهة الأوكرانية. وهذا ظاهر جدًا إعلاميًا بالنسبة لنا كمراقبين، لكن مع ذلك الصراع هناك مستمر، وحرب إيران لم تنهه.
غير أن مجرد تراجع أوكرانيا ولو درجة واحدة في سلم الأولويات الغربية يمنح موسكو بلا شك مساحة زمنية واستراتيجية أكبر لحل عدة مهام وأهداف في وقت واحد.
وهنا يظهر الترابط بين الحربين. ما أقصده أنه كلما استمر التوتر في الشرق الأوسط، كلما وجدت واشنطن نفسها مضطرة إلى توزيع مواردها، العسكرية خاصة، واهتمامها بين جبهتين مختلفتين، وهو ما قد يخفف الضغط على روسيا في أوروبا الشرقية، وفي القلب منها أوكرانيا.
وعودًا على بدء نقول: لقد أصاب بيسكوف عندما قرر أن يبدأ تعليقه اليوم على حرب إيران بالحديث عن سوق الطاقة قبل أي شيء آخر، فهو ينقل رسالة الكرملين بأن الحرب في الشرق الأوسط، بعد أقل من أسبوعين على اندلاعها، كشفت أن النظام العالمي للطاقة لا يمكن أن يعمل من دون روسيا.
بمعنى أن بوتين يقول إن موقع روسيا في النظام الدولي ليس كقوة عسكرية، نووية تحديدًا، أو جيوسياسية فحسب، بل إنها عنصر لا يمكن الاستغناء عنه في الاقتصاد العالمي للطاقة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير