مقالات المركز

حرب أكتوبر وإدارة التصعيد.. ديناميات التنافس الأمريكي-السوفيتي في الشرق الأوسط


  • 6 أكتوبر 2026

شارك الموضوع

مع حلول الذكرى الثالثة والخمسين لحرب أكتوبر 1973، تظل الحرب حاضرة في الذاكرة المصرية والعربية باعتبارها نقطة تحول رئيسية في مسار الصراع العربي-الإسرائيلي. ولا تقتصر أهميتها على نتائجها العسكرية أو ما أحدثته في موازين القوى الإقليمية، بل تمتد إلى ما كشفته عن طبيعة التفاعلات الدولية في الشرق الأوسط خلال واحدة من أكثر مراحل الحرب الباردة تعقيدا.

اندلعت الحرب في وقت كانت فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يسعيان إلى تثبيت سياسة الانفراج الدولي، بالتوازي مع استمرار تنافسهما على النفوذ والمصالح في مناطق مختلفة من العالم. وكان الشرق الأوسط من أكثر ساحات هذا التنافس حساسية، في ظل ارتباط موسكو بعلاقات عسكرية وسياسية وثيقة مع عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها مصر وسوريا، مقابل علاقة استراتيجية متنامية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

لذلك، لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية إقليمية، بل مثلت اختبارا لقدرة القوتين العظميين على إدارة أزمة ارتبط كل منهما بأحد أطرافها، مع محاولة الموازنة بين دعم الحلفاء والمحافظة على مصداقية الالتزامات تجاههم، وتجنب انتقال الحرب إلى مواجهة أمريكية-سوفيتية مباشرة. وأكدت الوثائق الأمريكية أن إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون تعاملت مع الحرب باعتبارها أزمة تجمع بين الالتزام بأمن إسرائيل والحفاظ على التوازن الإقليمي، وضرورة تجنب صدام أوسع مع الاتحاد السوفيتي قد يقوض سياسة الانفراج.

غير أن قراءة الحرب باعتبارها مجرد امتداد للتنافس الأمريكي-السوفيتي تظل غير كافية لفهم مسارها ونتائجها. فقد احتفظت الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، بأهدافها وحساباتها الاستراتيجية الخاصة. ولم يكن القرار المصري بالحرب استجابة لإرادة سوفيتية، بل جاء في إطار محاولة تغيير الوضع السياسي والعسكري الذي استقر منذ حرب يونيو (حزيران) 1967، وكسر حالة الجمود التي أخفقت التحركات الدبلوماسية السابقة في تجاوزها.

من هنا، تكشف حرب أكتوبر عن تفاعل ثلاثة مستويات مترابطة: محاولة مصر تغيير الوضع القائم وإعادة فتح المسار السياسي من موقع مختلف؛ والتنافس الأمريكي-السوفيتي على حماية المصالح والنفوذ مع ضبط حدود التصعيد؛ ثم انتقال هذا التنافس، بعد توقف العمليات العسكرية، إلى محاولة التأثير في مسار التسوية وترتيبات ما بعد الحرب.

حرب أكتوبر واختبار سياسة الانفراج الدولي

شهدت مرحلة اندلاع حرب أكتوبر تحولا نسبيا في طبيعة العلاقات الأمريكية-السوفيتية. فمع بداية سبعينيات القرن العشرين، اتجهت واشنطن وموسكو إلى تبني سياسة الانفراج الدولي، التي استهدفت خفض مستوى التوتر بينهما وتنظيم بعض جوانب المنافسة الاستراتيجية، خاصة في مجال الحد من التسلح وتعزيز قنوات الاتصال المباشر.

لكن الانفراج لم يعن إنهاء التنافس بين القوتين العظميين أو التوصل إلى توافق بشأن مناطق النفوذ. فقد استمرت الخلافات المتعلقة بالمصالح الإقليمية، وظل الشرق الأوسط إحدى الساحات التي ظهر فيها بوضوح التناقض بين محاولات ضبط العلاقة الثنائية واستمرار المنافسة الجيوسياسية.

وكانت حرب أكتوبر من أولى الاختبارات واسعة النطاق لقدرة هذا الإطار على التعامل مع أزمة إقليمية تمس مصالح الطرفين بصورة مباشرة. وأصبح على الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إدارة مستويين متوازيين من العلاقة: دعم أطراف متعارضة في الحرب، ومنع هذا الدعم من تقويض العلاقات بينهما أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

واتسمت البيئة الإقليمية السابقة للحرب بحالة من الجمود منذ انتهاء حرب الاستنزاف، في ظل غياب تقدم حقيقي نحو تسوية النتائج المترتبة على حرب يونيو (حزيران) 1967، وعدم نجاح المبادرات السياسية المطروحة في إحداث تغيير جوهري في قضية الأراضي العربية المحتلة.

وحاولت القيادة المصرية قبل الحرب تحريك هذا الجمود بأكثر من وسيلة. ففي يوليو (تموز) 1972، قرر الرئيس أنور السادات إنهاء مهمة عدد كبير من المستشارين العسكريين السوفيت، وفتحت القاهرة قناة اتصال مع هنري كيسنجر من خلال مستشار الأمن القومي المصري حافظ إسماعيل. وفي فبراير (شباط) 1973، التقى إسماعيل كيسنجر في محاولة لاستكشاف إمكانية التوصل إلى تسوية، لكن هذه الاتصالات لم تؤد إلى تغيير جوهري في الوضع القائم قبل اندلاع الحرب.

من هذا المنطلق، لم يكن الخيار العسكري منفصلا عن الهدف السياسي. فقد سعت مصر إلى تغيير بيئة تفاوضية ظلت جامدة منذ عام 1967، وإثبات أن استمرار الاحتلال لا يعني بالضرورة استمرار الاستقرار الإقليمي.

وأدت العمليات العسكرية بالفعل إلى إعادة الصراع إلى صدارة الاهتمام الدولي، وفرضت على الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي التعامل مع أزمة لم يعد من الممكن احتواؤها من خلال المحافظة على الوضع القائم.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أظهرت الأيام الأولى للحرب حدود سياسة الانفراج. فقد استمر كل طرف في دعم الجانب المرتبط به، بينما ظل الحفاظ على الإطار الأوسع للعلاقات الأمريكية-السوفيتية حاضرا في حساباتهما. وأوضحت الوثائق الأمريكية أن صانعي القرار في واشنطن كانوا يدركون رغبة القيادة السوفيتية في المحافظة على مكاسب الانفراج، رغم استمرار دعمها للدول العربية.

وبذلك، لم تؤد حرب أكتوبر إلى انهيار سياسة الانفراج، لكنها كشفت طبيعتها وحدودها. فالانفراج لم يكن توافقا استراتيجيا ينهي المنافسة الأمريكية-السوفيتية، بقدر ما كان إطارا يسمح باستمرارها مع محاولة وضع قيود تحول دون انتقالها إلى مواجهة مباشرة.

دعم الحلفاء وحدود التحكم في التصعيد

مع استمرار العمليات العسكرية، أصبح دعم الأطراف الحليفة أحد أبرز مظاهر التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وأعاد الاتحاد السوفيتي إمداد مصر وسوريا بالأسلحة والمعدات، بينما بدأت الولايات المتحدة تنفيذ جسر جوي واسع لتعويض الخسائر الإسرائيلية، ووصلت الإمدادات الأمريكية بصورة مكثفة إلى إسرائيل في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 1973. غير أن أهمية هذا الدعم لم ترتبط بحجمه فقط، بل بالحسابات السياسية والاستراتيجية التي حكمته.

لم يكن الاتحاد السوفيتي مستعدا لقبول هزيمة واسعة لمصر وسوريا يمكن أن تؤدي إلى إضعاف موقعه في الشرق الأوسط، في حين لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لقبول هزيمة إسرائيل أو تراجع قدرتها العسكرية إلى مستوى يهدد موقعها الإقليمي.

لذلك، ارتبط الدعم العسكري بمسألة أوسع تتعلق بمصداقية الالتزامات تجاه الحلفاء. فأي تراجع ملحوظ من جانب إحدى القوتين عن مساندة الطرف المرتبط بها كان من شأنه أن يحمل انعكاسات لا تقتصر على ميدان الحرب، بل تمتد إلى صورة القوة الدولية ومدى موثوقيتها في علاقاتها مع حلفائها الآخرين.

في الوقت نفسه، كانت لهذه الالتزامات حدود واضحة. فقد سعت واشنطن وموسكو إلى دعم حلفائهما من دون الوصول إلى مشاركة عسكرية مباشرة يمكن أن تنقل الأزمة إلى مواجهة بين القوتين.

وهكذا، تشكلت إحدى المعادلات الأساسية التي حكمت سلوك الطرفين خلال الحرب: منع هزيمة الحليف مع تجنب التحول إلى طرف مباشر في القتال.

وأظهرت الوثائق الأمريكية حضور هذا الاعتبار بوضوح في تقديرات إدارة نيكسون، فقد تناولت النقاشات مدى استعداد الاتحاد السوفيتي لدعم حلفائه العرب من دون التضحية بالمكاسب الأوسع التي حققها من سياسة الانفراج مع الولايات المتحدة.

مع ذلك، لم تكن قدرة القوتين العظميين على التحكم في مسار الأزمة مطلقة. فقد امتلكت الأطراف الإقليمية أهدافا واستراتيجيات لم تتطابق بالضرورة مع أولويات داعميها الدوليين.

وفي هذا السياق، تكتسب الحالة المصرية أهمية خاصة. فعلى الرغم من اعتماد القوات المسلحة المصرية بصورة واسعة على السلاح السوفيتي، لم تكن الاستراتيجية المصرية مجرد امتداد للسياسة السوفيتية في الشرق الأوسط. بل عكست الخطوات التي اتخذتها القاهرة قبل الحرب، وفي مقدمتها تقليص الوجود العسكري السوفيتي ومحاولة فتح قناة اتصال مع واشنطن، سعيا إلى توسيع هامش الحركة المصرية.

ولم يكن الهدف السياسي المصري من الحرب تعزيز النفوذ السوفيتي، بل تغيير الوضع الذي نشأ بعد عام 1967 وخلق شروط جديدة تدفع القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى التعامل بجدية أكبر مع ضرورة الوصول إلى تسوية.

لذلك، لم تكن العلاقة بين القوى الكبرى والأطراف الإقليمية علاقة تحكم كامل من جانب واحد. فقد أثرت واشنطن وموسكو في القدرات العسكرية والسياسية لحلفائهما، لكن الأطراف الإقليمية أثرت بدورها في حسابات القوتين، ودفعتهما إلى التعامل مع أوضاع لم تكونا قد خططتا لها بالضرورة قبل الحرب.

وأصبحت حدود القدرة على التحكم في التصعيد أكثر وضوحا خلال الأيام الأخيرة من العمليات العسكرية، عندما تحول الخلاف حول تنفيذ وقف إطلاق النار إلى أزمة مباشرة في العلاقات الأمريكية-السوفيتية.

أزمة وقف إطلاق النار والتصعيد الأمريكي-السوفيتي

مثلت أزمة وقف إطلاق النار المرحلة الأكثر حساسية في التفاعل الأمريكي-السوفيتي خلال حرب أكتوبر. فمع تطور الموقف العسكري على الجبهة المصرية، وعبور القوات الإسرائيلية إلى غرب قناة السويس ثم حصار الجيش الثالث المصري، لم تعد الأزمة تقتصر على دعم الأطراف المتحاربة، بل أصبحت مرتبطة بشروط إنهاء القتال ومدى قدرة واشنطن وموسكو على فرض الالتزام بالتفاهمات التي توصلتا إليها.

وفي 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 338، الذي دعا أطراف القتال إلى وقف جميع الأعمال العسكرية خلال اثنتي عشرة ساعة، والبدء في تنفيذ القرار رقم 242، والدخول، بالتزامن مع وقف إطلاق النار، في مفاوضات تهدف إلى إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.

وتكمن أهمية القرار في أنه لم يفصل بين وقف العمليات العسكرية والمسار السياسي، بل ربطهما في إطار واحد، ما جعل وقف إطلاق النار مدخلا إلى عملية تفاوضية أوسع.

لكن القتال لم يتوقف بصورة مستقرة بعد صدور القرار. لذلك أصدر مجلس الأمن القرار رقم 339 في 23 أكتوبر (تشرين الأول)، مؤكدا وقف جميع الأعمال العسكرية، وداعيا القوات إلى العودة إلى المواقع التي كانت تحتلها عند بدء سريان وقف إطلاق النار، إلى جانب إرسال مراقبين تابعين للأمم المتحدة للإشراف على تنفيذه.

ومع استمرار العمليات، ازدادت المخاوف السوفيتية، خاصة في ظل تدهور وضع الجيش الثالث المصري. واعتبرت موسكو أن استمرار التحركات الإسرائيلية بعد صدور قرارات مجلس الأمن يهدد نتائج التفاهمات التي توصلت إليها مع الولايات المتحدة. وتكشف رسائل بريجنيف إلى نيكسون حجم القلق السوفيتي من استمرار القتال بعد وقف إطلاق النار.

وبلغت الأزمة ذروتها ليلة 24-25 أكتوبر (تشرين الأول)، عندما اقترح بريجنيف إرسال وحدات عسكرية أمريكية وسوفيتية بصورة مشتركة إلى مصر لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار، وأشار إلى إمكانية بحث اتخاذ خطوات منفردة إذا تعذر التحرك المشترك.

وتعاملت واشنطن مع الرسالة باعتبارها مؤشرا على احتمال ارتفاع مستوى التدخل السوفيتي، وردت برفع حالة تأهب القوات الأمريكية إلى مستوى DEFCON 3. واستهدفت هذه الخطوة إرسال إشارة واضحة إلى موسكو بشأن خطورة الانتقال إلى تدخل عسكري منفرد، وليس بدء مواجهة عسكرية مع الاتحاد السوفيتي. ومن ثم، يمثل القرار نموذجا لاستخدام الاستعداد العسكري أداة للردع في إطار إدارة الأزمة.

ورفضت واشنطن المقترح السوفيتي الخاص بإرسال قوات من القوتين العظميين إلى مصر، لكنها أكدت استعدادها لاتخاذ إجراءات لضمان الالتزام بوقف إطلاق النار، ورأت أن زيادة عدد مراقبي الأمم المتحدة تمثل بديلا أكثر ملاءمة. ولم ينتقل الاتحاد السوفيتي بدوره إلى التدخل العسكري المنفرد.

لذلك، لا تقتصر دلالة أزمة 24-25 أكتوبر (تشرين الأول) على ارتفاع مستوى التصعيد، بل تمتد إلى الطريقة التي أدار بها الطرفان هذا التصعيد. فقد استخدم كل منهما أدوات الضغط والردع مع إبقاء المجال مفتوحا أمام التسوية الدبلوماسية. وكشفت الأزمة بذلك حدود التنافس بين القوتين العظميين؛ فقد كانتا مستعدتين للدفاع عن مصالحهما ودعم حلفائهما، لكنهما لم تكونا مستعدتين لتحمل تكاليف انتقال الحرب الإقليمية إلى مواجهة عسكرية مباشرة بينهما.

آليات احتواء الأزمة: الردع والدبلوماسية والأمم المتحدة

اعتمد احتواء التصعيد خلال حرب أكتوبر على ثلاث آليات رئيسية عملت بصورة متداخلة: الردع، والاتصالات الدبلوماسية، وتوظيف الأمم المتحدة.

تمثلت الآلية الأولى في استخدام الأدوات العسكرية لإرسال إشارات بشأن حدود التحرك المقبول. وكان رفع حالة التأهب الأمريكية إلى DEFCON 3 من أبرز الأمثلة على ذلك. فقد جاء في سياق الرد على احتمالات التدخل السوفيتي المباشر، واستهدف زيادة التكلفة المتوقعة لأي تغيير في مستوى الانخراط العسكري. لكن الردع لم يكن قادرا بمفرده على إدارة الأزمة.

أما الآلية الثانية، فتمثلت في استمرار قنوات الاتصال بين واشنطن وموسكو حتى خلال أكثر مراحل التوتر حساسية، سواء عبر الرسائل المباشرة بين نيكسون وبريجنيف أو من خلال الاتصالات بين كيسنجر والسفير السوفيتي أناتولي دوبرينين. وتشير وثائق العلاقات الأمريكية-السوفيتية إلى أن قناة كيسنجر-دوبرينين ظلت إحدى أهم وسائل الاتصال بين الطرفين خلال هذه المرحلة.

وسمحت هذه الاتصالات بنقل رسائل كل طرف بشأن حدود تحركه وتقدير نوايا الطرف الآخر، وهو عنصر أساسي في منع سوء الحسابات خلال الأزمات التي تنطوي على إمكانية التصعيد بين قوى نووية.

ولذلك، لم تكن الدبلوماسية والردع مسارين منفصلين أو متناقضين. فكلما ارتفع مستوى الاستعداد العسكري، ازدادت أهمية قنوات الاتصال السياسي، لأن الهدف لم يكن استخدام القوة في الأساس، بل التأثير في حسابات الطرف الآخر ومنعه من تجاوز حدود معينة.

أما الآلية الثالثة، فتمثلت في دور الأمم المتحدة. فبعد القرارين 338 و339، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 340 في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، مطالبا بالالتزام الفوري والكامل بوقف إطلاق النار، وقرر إنشاء قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة تضم قوات من دول غير الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. ثم جاء القرار رقم 341 في 27 أكتوبر (تشرين الأول) في إطار استكمال الترتيبات المتعلقة بقوة الطوارئ الدولية.

واكتسب هذا المسار أهمية خاصة لأنه قدم بديلا عن نشر قوات أمريكية وسوفيتية مباشرة في منطقة العمليات. وبدلا من وجود وحدات عسكرية تابعة للقوتين العظميين على الأرض، وما يحمله ذلك من احتمالات احتكاك مباشر، أصبحت الأمم المتحدة الإطار المؤسسي الذي يتولى جانبا من مسؤولية مراقبة وقف إطلاق النار.

ولا يعني ذلك أن المنظمة الدولية عملت بمعزل عن موازين القوى. فقد ارتبط عدد من القرارات التي اتخذها مجلس الأمن بصورة مباشرة بالمشاورات بين واشنطن وموسكو، لكن الأمم المتحدة وفرت إطارا يسمح بتحويل هذه التفاهمات إلى ترتيبات دولية أوسع.

وأوضح احتواء أزمة أكتوبر أن إدارة التصعيد لم تعتمد على أداة منفردة، بل على التفاعل بين الردع العسكري والدبلوماسية والمؤسسات متعددة الأطراف.

فقد وضع الردع حدودا للتدخل، وساعدت الاتصالات الدبلوماسية على منع سوء تفسير تحركات الطرف الآخر، بينما وفرت الأمم المتحدة آلية مؤسسية لتثبيت وقف إطلاق النار من دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر للقوتين العظميين.

وكان العامل الذي جمع هذه الآليات وجود مصلحة مشتركة لدى واشنطن وموسكو في منع الحرب الإقليمية من تقويض العلاقة بينهما. ورغم حدة التنافس، ظل الحفاظ على حدود معينة لهذا التنافس عنصرا أساسيا في حسابات الطرفين.

من إدارة الحرب إلى التنافس على مسار التسوية

لم يؤد وقف العمليات العسكرية إلى إنهاء التنافس الأمريكي-السوفيتي في الشرق الأوسط، بل غير مجاله. فبعد أن تمحور التنافس خلال الحرب حول دعم الحلفاء وضبط حدود التصعيد، انتقل تدريجيا إلى التأثير في مسار التسوية والترتيبات السياسية والأمنية التي أعقبت القتال.

وكان القرار 338 نفسه يحمل بداية هذا التحول، بعدما ربط وقف إطلاق النار ببدء المفاوضات من أجل الوصول إلى تسوية سياسية.

في المرحلة الأولى، ظل التعاون الأمريكي-السوفيتي حاضرا. فقد كان التفاهم بين الطرفين عنصرا أساسيا في الوصول إلى وقف إطلاق النار، وشاركا في رعاية مؤتمر جنيف للسلام الذي افتتح في ديسمبر (كانون الأول) 1973.

لكن المرحلة التالية كشفت عن تحول تدريجي في طبيعة المنافسة على إدارة التسوية. فقد توسع الدور الأمريكي من خلال جولات التفاوض التي قادها وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر بين مصر وإسرائيل، وعرفت بـ”الدبلوماسية المكوكية”. وأصبح كيسنجر يؤدي دورا مركزيا في المفاوضات الخاصة بفصل القوات بين مصر وإسرائيل. وتشير الوثائق الأمريكية إلى أنه تولى دورا قياديا في المفاوضات التي أعقبت الحرب وانتهت إلى اتفاقات فصل القوات خلال عام 1974.

وفي 18 يناير (كانون الثاني) 1974، وقع اتفاق فصل القوات بين مصر وإسرائيل، الذي نظم إعادة انتشار القوات على جانبي قناة السويس، ووضع ترتيبات للفصل بينهما تحت إشراف قوة الطوارئ الدولية.

لكن لا ينبغي تفسير تصاعد الدور الأمريكي باعتباره نتيجة لقدرة واشنطن على إقصاء موسكو بصورة منفردة. فقد ارتبط أيضا بالاستراتيجية المصرية وإعادة القاهرة تقييم كيفية توظيف علاقتها بالقوتين العظميين بعد الحرب.

فمن وجهة النظر المصرية، كان تحقيق الهدف السياسي للحرب يتطلب تحويل النتائج العسكرية إلى عملية تفاوضية تؤدي إلى تغيير الوضع الذي استقر منذ عام 1967. لذلك اكتسبت الولايات المتحدة أهمية خاصة بسبب قدرتها على التأثير في إسرائيل، وهو ما منح القاهرة حافزا لتوسيع نطاق التعامل السياسي معها.

وكانت الحرب قد غيرت البيئة التي تتحرك فيها السياسة المصرية. فقبل حرب أكتوبر، أخفقت القاهرة في محاولاتها لدفع واشنطن إلى ممارسة ضغط لتغيير الوضع القائم. أما بعد الحرب، فلم يعد الصراع بالنسبة إلى الولايات المتحدة قضية يمكن إدارتها من خلال المحافظة على التوازن السابق، بعدما أثبتت العمليات العسكرية أن استمرار الجمود يحمل تكلفة سياسية واستراتيجية متزايدة. ومن هنا اتضحت قدرة مصر على توظيف نتائج الحرب سياسيا.

ولم تنتقل مصر ببساطة من الاعتماد على الاتحاد السوفيتي إلى الاعتماد على الولايات المتحدة، بل سعت إلى استخدام التغيير الذي أحدثته الحرب في حسابات القوتين لتوسيع هامش حركتها وتحسين موقعها التفاوضي.

واستفادت مصر من الدعم العسكري السوفيتي في بناء قدراتها وإدارة الحرب، لكنها أدركت في مرحلة التسوية أن واشنطن تمتلك أدوات تأثير على إسرائيل لا تمتلكها موسكو بالدرجة نفسها. ويساعد هذا التفاعل على تفسير التحول التدريجي في مركز الثقل الدبلوماسي بعد الحرب.

ولم يختف الدور السوفيتي على الفور، ولم تنتقل إدارة الصراع بصورة كاملة إلى الولايات المتحدة بمجرد توقف العمليات. فقد ظلت التسوية في مراحلها الأولى مرتبطة بتفاهمات أمريكية-سوفيتية وإطار دولي مشترك، قبل أن تتسع تدريجيا مساحة الدور الأمريكي في المفاوضات المصرية-الإسرائيلية.

وبذلك، أصبح التنافس بعد أكتوبر يدور حول القدرة على تحويل النفوذ إلى دور سياسي داخل عملية التسوية. وتمكنت واشنطن تدريجيا من تعزيز موقعها، بينما تراجع الدور السوفيتي في المسار المصري-الإسرائيلي.

لكن هذا التحول لم يكن مجرد نتيجة للتنافس بين القوتين العظميين، فقد كانت السياسة المصرية أحد العوامل المؤثرة في تشكيله. ووظفت القاهرة نتائج الحرب لإعادة صياغة موقعها وعلاقاتها الخارجية، وربطت بين الإنجاز العسكري والهدف السياسي بدلا من التعامل معهما باعتبارهما مرحلتين منفصلتين.

ومن ثم، لم تؤد حرب أكتوبر إلى تغيير المعادلة العسكرية التي استقرت بعد عام 1967 فقط، بل أسهمت أيضا في إعادة تشكيل أنماط النفوذ الدولي في الشرق الأوسط، وفتحت المجال أمام مرحلة جديدة أصبحت فيها التسوية السياسية نفسها ساحة للتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

وأخيرا

كشفت حرب أكتوبر 1973، عند تناولها من منظور العلاقات الدولية، عن نموذج مركب لإدارة التنافس بين القوى الكبرى داخل أزمة إقليمية.

فقد واجهت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي معادلة تقوم على ضرورة الحفاظ على التزاماتهما تجاه الحلفاء وحماية مصالحهما ونفوذهما الإقليمي، من دون الانزلاق بالدعم المقدم إلى مواجهة عسكرية مباشرة بينهما.

وأظهرت الحرب أن سياسة الانفراج الدولي لم تكن تعني انتهاء التنافس الأمريكي-السوفيتي، بل وفرت إطارا لإدارته ووضع حدود لمستوى التصعيد المقبول. وظهر ذلك بصورة أكثر وضوحا خلال أزمة وقف إطلاق النار، عندما ارتفع التوتر إلى مستوى غير مسبوق خلال الحرب، قبل أن تنجح آليات الردع والاتصال الدبلوماسي والأمم المتحدة في منع انتقال الأزمة إلى مواجهة أوسع.

لكن انتهاء القتال لم ينه التنافس، بل أعاد تشكيله. وانتقل مركز الثقل من دعم الحلفاء وإدارة التصعيد العسكري إلى محاولة التأثير في عملية التسوية وترتيبات ما بعد الحرب.

وتمكنت الولايات المتحدة تدريجيا من توسيع دورها الدبلوماسي، مستفيدة من علاقتها بإسرائيل وقدرتها على التأثير في قراراتها، في حين بدأ الدور السوفيتي يتراجع تدريجيا في المسار المصري-الإسرائيلي.

ولا يمكن تفسير نتائج الحرب والتحول في أدوار القوتين العظميين بمعزل عن الدور المصري. فمصر لم تكن مجرد ساحة للتنافس الأمريكي-السوفيتي، بل كانت طرفا فاعلا سعى إلى توظيف هذا التنافس لخدمة أهدافه. واستخدمت العمل العسكري لكسر الجمود الذي استمر منذ عام 1967، ثم تحركت لتحويل النتائج العسكرية إلى مكاسب سياسية، مستفيدة من اختلاف أدوات التأثير التي امتلكتها موسكو وواشنطن.

وتتمثل إحدى أهم دلالات حرب أكتوبر في إظهارها قدرة الدولة الإقليمية على التأثير في تفاعلات القوى الكبرى، وليس مجرد التأثر بها، عندما تنجح في ربط استخدام القوة بهدف سياسي واضح، وتوظيف التحولات الناتجة عنه داخل البيئة الدولية.

وبذلك، تجاوزت نتائج حرب أكتوبر حدود ميدان القتال. فقد أسهمت في إعادة صياغة آليات إدارة الصراع العربي-الإسرائيلي، وغيرت طبيعة التنافس الدولي المحيط به، وفتحت المجال أمام مرحلة أصبح فيها التأثير في مسار التسوية أحد أهم محددات التنافس الأمريكي-السوفيتي في الشرق الأوسط.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع