تقدير موقف

هل تصبح مفاوضات جنيف محطة اختبار للصفقة الكبرى أم إعادة إنتاج طريق مسدود؟

جنيف.. هل تكون عودة إلى الدبلوماسية الصلبة؟


  • 17 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: reuters

أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، في الإيجاز الصحفي اليومي، الاثنين 16 فبراير (شباط) 2026، أن وفد روسيا إلى مفاوضات جنيف، التي تنطلق جولتها الأولى الثلاثاء 17 فبراير (شباط) 2026، ويفترض أن تستمر يومين، بشأن التسوية المحتملة لحرب أوكرانيا، سيضم مجددًا فلاديمير ميدينسكي، مستشار الرئيس الروسي، الذي يعود إلى رئاسة وفد التفاوض الروسي الموسع كما في السابق، قبل جولتي أبو ظبي.

كما سيضم الوفد كذلك ميخائيل غالوزين، نائب وزير الخارجية الروسي؛ ما يعني عودة الدبلوماسية التقليدية إلي المسار، فضلًا عن إيغور كوستيكوف، رئيس الاستخبارات العسكرية، إلى جانب مسؤولين آخرين.

من الواضح -بناءً على ما أعلنه بيسكوف رسميًّا عن تركيبة الوفد الروسي التي ستكون أوسع بكثير من جولات أبو ظبي، حسب معلومات غير رسمية تشير إلى أن تشكيل الوفد قد يصل إلى 20 شخصًا- أن نطاق القضايا المطروحة في جنيف سيكون أوسع، ويبدو أنه سيتضمن الملف الأهم، وهو ملف الأراضي.

وحسبما فهمت من كلام المتحدث الرئاسي الروسي، فقد تلقى الوفد تعليمات تفصيلية ومباشرة من الرئيس قبل التوجه إلى سويسرا؛ ما يعني أن لدى كل عضو أعضائه في جزئيته الخاصة فهمًا للسقف المسموح به من الكرملين، الذي لا نزول عنه.

وهذه نقطة جديرة بالملاحظة، وما أقصده أن تلقي الوفد الروسي تعليمات تفصيلية مباشرة من الرئيس يعني -حسب فهمي- أن هامش المناورة لديهم محدود؛ ومن ثم فيمكننا القول إن جنيف ليست ساحة مسموحًا فيها بالمبادرة الشخصية من جانب أعضاء الوفد، مهما كانت مناصبهم أو قربهم من الرئيس، بل لديهم مهمة محددة الإطار.

اللافت أنه بالتوازي مع وصول وفد التفاوض الروسي الرسمي، يصل كيريل دميترييف، رسول بوتين الخاص إلى ترمب، الذي لا يعتبر عضوًّا من أعضاء الوفد الروسي الرسمي -حسب فهمي- ليلتقي مع الثنائي ويتكوف وكوشنر، مبعوثي ترمب الأثيرين، اللذين سيحضران إلى جنيف هما أيضًا، ما يعني أن مسار الصفقة الكبرى يسير جيدًا بالتوازي مع كل الملفات الأخرى، ففي جنيف لن تناقش أوكرانيا فقط؛ بل إيران وملفات أخرى.

بالطبع تعطينا هذه المعطيات الجديدة انطباعًا بأن مفاوضات جنيف ستكون أعمق، ومن الواضح أنها تدفعنا إلى استنتاج دلالات مهمة، وهي أننا أمام انتقال رسمي من مفاوضات أمنية فنية تقنية إلى مفاوضات سياسية وإستراتيجية متعددة المسارات.

وأول ما يمكن أن نشير إليه في هذا الصدد، هو توسيع تشكيلة الوفد الروسي إلى هذه الدرجة للمرة الأولى تقريبًا منذ مفاوضات بيلاروس خلال الأسبوع الثاني للحرب، فضلًا عن أن ذلك يشير -بلا شك- إلى ان الأجندة توسعت.

وجود ميدينسكي يقول لنا إن التفاوض سيكون سياسيًّا، أي على الخطوط السياسية العريضة، ووجود غالوزين، باعتبار تخصصه حسبما أعرفه، معناه أن الشق القانوني الدبلوماسي سيكون حاضرًا، خصوصًا فيما يتعلق بالصياغات التي قد توضع على الورق، لتُوقَّع لاحقًا بوصفها وثائق ملزمة قانونيًّا، هذا إن وصلنا إلى هذه المرحلة. أما استمرار وجود كوستيوكوف، فهو إشارة إلى ضرورة وضع اللمسات على الاتفاقات، أو الآليات الأمنية والاستخباراتية.

وبالطبع وجود هذه الشخصيات، بالإضافة إلى آخرين، في وفد واحد، يعكس تعددية الملفات المطروحة التي يفترض طبعًا أنه اتُّفِقَ على مناقشتها والبت فيها، وإلا لما أوفدهم بوتين ووجه إليهم التعليمات. وهذا يعني أيضًا أنه إذا كانت جولتا أبو ظبي تدران بمقاربة أمنية مركزة، فإن جنيف المرتقبة تبدو وكأنها منصة لحزمة صفقة شاملة، سوف تشمل -حسبما أتصور من واقع قراءة تحليلية وليس معلومات- الملفات الرئيسة العالقة.

وأول هذه الملفات -في رأيي- هو مسألة الحدود والترتيبات الإقليمية، أي الأراضي التي يجب أن ينسحب منها الأوكران، وما الذي سيحصلون عليه في مقابل ذلك من الروس. وكذلك مسألة الضمانات الأمنية، خصوصًا أن هذه الضمانات في الفهم الروسي لها معنى وتفسير يتناقض تمامًا، حتى الآن على الأقل، مع تصور الأوكران والأوروبيين، ولا أقول الأمريكان، لها.

كما ستشمل مسألة شكل السلطة في كييف، وهذا طرح جديد قديم، ألمح إليه بوتين منذ عدة أشهر، وعاد وأشار إليه غالوزين في تصريحات استباقية للمفاوضات. ما أقصده أن الروس يقترحون ما يعرف بـ”إدارة خارجية” لأوكرانيا، تكون مخولة قانونيًّا لإدارة الوضع في البلاد؛ ومن ثم التوقيع على الوثائق ذات الصلة، وهو ما نترجمه ببساطة بالقول إن بوتين لن يوقع شيئًا مع زيلينسكي؛ لأنه لا يعترف به رئيسًا شرعيًّا لأوكرانيا.

هذا فضلًا عن ملفات مثل آليات الرقابة على وقف إطلاق النار، إن حصل وتم التوصل إلى اتفاق كهذا أصلًا، وكذلك مسألة التعاون الروسي الأمريكي الاقتصادي، خصوصًا في المناطق الغنية بالمعادن من أوكرانيا، وباتت الآن بحكم الواقع وبحكم الدستور الروسي أراضي روسية.

ما أفهمه من هذه العملية برمتها أن جنيف كمحطة للتفاوض بشأن التسوية في أوكرانيا هي محاولة لإعادة تسييس المسار التفاوضي، إي إعادته إلى شكل المفاوضات السياسية، بعدما اتخذ طابعًا أمنيًّا بحتًا. والبيان الجديد للكرملين اليوم (الاثنين) يؤكد ذلك فعليًّا.

إدراج ملف الأراضي رسميًّا وإعلان ذلك، يعني أن هذه المسألة ستكون من الأولويات المطروحة على الطاولة؛ ومن ثم فهي محاولة لإنهاء الغموض في المواقف، وخصوصًا الموقف الأوكراني بهذا الشأن، فالموقف الروسي ثابت ولم يتغير من واقع متابعتي الموضوعية له، وهذا يعني أيضًا أن موسكو مستعدة لطرح هذا الملف صراحة في التفاوض، وليس في فضاء التصريحات، وأنها لم تعد ترغب في تركه كشرط مؤجل.

لكن السؤال الأهم في هذا السياق هو: هل هذا الطرح يعني أنه قابل للتفاوض من جانب الكرملين، أم أنه يُطرح من أجل تثبيت خطوط بوتين الحمراء بشأنه؟

فحتى لحظة كتابة هذه السطور، لا توجد مؤشرات روسية على استعداد موسكو لتراجع ميداني عما قضمته وسيطرت عليه من أراضٍ. وفي المقابل، نرى أن كييف تربط -على لسان زيلينسكي- أي بحث في الترتيبات الإقليمية بضمانات أمنية أمريكية مسبقة، وآخر مرة ذكر فيها هذا الكلام كانت خلال كلمته في مؤتمر ميونخ للأمن، السبت 14 فبراير (شباط) 2026، التي لم يفوت الفرصة خلالها ليتهكم على بوتين مجدد ويصفه بـ”قيصر الحرب”.

وبالعودة إلى مسألة وصول كيريل دميترييف إلى جنيف حتى قبل أن يصل الوفد الرسمي المفاوض، فهذا يعني أن الكرملين ينظر إلى مسألة بحث التعاون الاقتصادي مع واشنطن على أنها مسألة رئيسة، وليست فرعية أو ثانوية، وفي هذا أيضا مؤشر -في رأيي- على أن بوتين يريد ربط الملفين، أي ملف التسوية السياسية في أوكرانيا مع ما قد يتطلبه من تنازلات، وإعادة فتح قنوات اقتصادية -ولو محدودة- حتى يتنفس الاقتصاد الروسي مقابل ذلك أيضًا.

وقد تشكل لديَّ انطباع من وحي ما تقوله دوائر قريبة من القرار الروسي أن موسكو تحاول هذه المرة في جنيف اختبار ما إذا كانت إدارة ترمب مستعدة لفصل مسار الاقتصاد عن مسار العقوبات، أو استخدامه كحافز تفاوضي.

غير أن الواقع يخبرنا -نحن المراقبين- أن التجربة السابقة تشير إلى أن ترمب وواشنطن لا يزالان يميلان إلى استخدام الاقتصاد كأداة ضغط لا كمكافأة مسبقة، خصوصًا في علاقاتهما مع موسكو.

أما إذا رغبنا في عقد مقارنة بين محطات إسطنبول وأبو ظبي وجنيف، فنقول ان إسطنبول 2022 كانت فرصة لا تعوض لكل الأطراف -وخصوصًا للطرف الأوكراني- للوصول إلى اتفاق سياسي، كان سيحفظ لأوكرانيا سيادتها على المناطق التي فقدتها الآن، ويبدو إلى الأبد، لكنها -أي اتفاقات إسطنبول الأولية- انهارت بسبب فجوة الثقة التي احدثتها التدخلات الغربية، البريطانية تحديدًا حينذاك.

جولات أبو ظبي، التي انعقدت في يناير (كانون الثاني) الماضي، ومطلع فبراير (شباط) الجاري، يمكن النظر إليها، أو وصفها بأنها كانت محاولة فنية تقنية للعودة إلى الحديث المباشر بين الأطراف، دون اختراقات سياسية كبيرة، ولكنها حققت نتائج تكتيكية تشير إلى أن الاتفاق ممكن، وأقصد العودة إلى تبادل الأسرى الأحياء.

أما جولة جنيف التي نحن بصددها، فمن المفترض أن تكون في شكل مفاوضات شاملة تتناول الأراضي والضمانات الأمنية المتبادلة والاقتصاد.

وهنا يظهر الفارق الجوهري، وأقصد أن جنيف بهذه الصيغة تجمع المسارات الثلاثة في وقت ومكان واحد، وهذا بالطبع يزيد فرص الاختراق، ولكنه أيضًا يرفع احتمالات التعثر في الوقت نفسه.

وإذا حاولنا تقديم تقييم واقعي لما قد تمضي إليه الأمور هذه المرة، فنقول إننا إذا استندنا إلى ما لدينا من معطيات واضحة من مواقف الطرفين، وأقصد ثبات الخطوط الحمراء الأوكرانية، وفق آخر تصريحات زيلينسكي العلنية في ميونخ، وتشدد الطرح الروسي بشأن شرعية السلطة الأوكرانية، وفق تصريحات غالوزين عن مسألة فرض إدارة خارجية في أوكرانيا، وكذلك في مسألة الحدود، وأخذًا في الحسبان إعلان الأوروبيين مواصلة الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، حتى تنكسر روسيا، اقتصاديًّا على الأقل، وهو ما صرح به المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر ميونخ للأمن، ومع غياب أي تخفيف ملموس في العقوبات الأمريكية على روسيا، فإننا نستنتج من هذا كله -وبوعي واقعي وموضوعي، من وجهة نظر شخصية بالطبع- أن جولة جنيف الحالية لن تذهب -على الأرجح- أبعد من إحداث تقدم محدود في ملفات إنسانية أو فنية تقنية، مثل مسألة هدنة الطاقة، وعدم استهداف منشآتها؛ لتعبر أوكرانيا الشتاء.

سيكون هناك نقاش ساخن وحاد بشأن مسألة الأراضي، ولن يفضي إلى شيء، أو إلى اتفاق نهائي. وفي الوقت نفسه، سوف تستمر المعارك، وسوف يستمر الضغط في الميدان، وهو بالطبع ضغط متبادل، فالحديث عن توسيع الأجندة لا يعني بالضرورة توسيع أرضية التوافق.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع