مقالات المركز

تركيا..المستفيد الصامت من تحول أمريكا من “الضامن” إلى “مالك البوابة”


  • 28 أكتوبر 2026

شارك الموضوع

لم يعد السؤال في واشنطن هو: “كيف نضمن تدفق النفط إلى العالم؟”، بل أصبح: “كيف نملك صنبور النفط ونقرر من يشرب؟”. هذا التحول البسيط في الصياغة يلخص أكبر انقلاب في العقيدة السياسية الخارجية الأمريكية منذ عقيدة كارتر عام 1980، وستجعل انعكاساته المباشرة من تركيا القوة الأكثر نفوذا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال السنوات الخمس المقبلة، ليس حبا بها، بل حاجة إليها.

أولا: سقوط عقيدة الضامن

لأكثر من أربعة عقود، قامت العقيدة الأمريكية على مبدأ واحد: الولايات المتحدة هي الضامن الأمني لمضيق هرمز والخليج، تحمي الممرات وتضمن وصول الطاقة إلى الجميع، حتى إلى خصومها، مقابل الحفاظ على هيمنة الدولار والنظام العالمي.

في منتدى الدوحة للأمن العالمي هذا العام، أعلن المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك نهاية هذه الحقبة بلا مواربة: “أمريكا لم تعد الضامن الأمني الذي كانت عليه خلال السنوات الثمانين الماضية، وعلى الحلفاء أن يصبحوا بالغين ويعتنوا بأنفسهم”. هذا ليس انسحابا، بل إعادة تموضع.

العقيدة الجديدة، التي يسميها البعض “ملحق ترمب” (Trump Corollary) لعقيدة مونرو، تقوم على منطق مختلف تماما: تفكيك مركز الطاقة في “العالم القديم”، أي الشرق الأوسط، ونقل ثقله إلى “العالم الجديد”، أي نصف الكرة الغربي، حيث يكون النفط تحت سيطرة أمريكية مباشرة.

فنزويلا هي النموذج الأوضح. لم تكن الصفقة الأخيرة مجرد رفع للعقوبات، بل عملية “استحواذ عدائي” (Hostile Takeover)، كما وصفتها مراكز أبحاث، تدخل بموجبها الشركات الأمريكية الكبرى بمليارات الدولارات لإدارة البنية التحتية النفطية الفنزويلية وإصلاحها، بعدما كانت 80% من صادراتها تتجه إلى الصين. لم يعد الهدف شراء النفط، بل امتلاك قرار تحديد الجهات التي تحصل عليه.

انتقلت الولايات المتحدة من دور “الضامن” (Guarantor)، الذي يضمن تدفق النفط إلى الجميع، إلى دور “مالك البوابة” (Gatekeeper)، الذي يمنح حق الدخول بشروط. من حارس للبحر إلى مالك للبوابة.

ثانيا: لماذا أوروبا هي الخاسر الأكبر؟

ترك هذا التحول أوروبا مكشوفة.

بنت أوروبا أمنها وازدهارها الاقتصادي على افتراضين: الغاز الروسي الرخيص، والحماية الأمريكية المجانية. سقط الافتراضان معا. واليوم، مع إعلان واشنطن نيتها سحب جزء من قواتها من ألمانيا، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة مستحيلة: أزمة طاقة مزمنة، وتضخم صناعي، وجيوش غير جاهزة للقتال، واعتماد أمني على حليف يقول صراحة إنه لم يعد الضامن.

تريد أوروبا الحفاظ على نظام الضامن القديم، في حين قررت الولايات المتحدة أنها تريد امتلاك البوابة في مكان آخر.

ثالثا: تركيا.. الجيش الوحيد الجاهز والبوابات الثلاث

هنا يظهر الفارق التركي.

بينما تناقش أوروبا نسب الإنفاق الدفاعي، تمتلك تركيا بالفعل ما لا تمتلكه القارة: جيشا يمتلك خبرة قتالية فعلية. فالجيش التركي هو ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الجيش الأمريكي، وتنفق أنقرة نحو 2.33% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وتستضيف قمة الناتو لعام 2026 في أنقرة، في اعتراف رمزي بنفوذها المتنامي.

الأرقام وحدها لا تكفي. يضم الجيش التركي نحو 480 ألف جندي في الخدمة الفعلية و380 ألفا في قوات الاحتياط، لكن ما يميزه عن الجيوش الأوروبية هو خبرته القتالية المتراكمة، من عمليات “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام” في سوريا، إلى العمليات العسكرية في شمال العراق وليبيا، ودوره بوصفه أحد أبرز مصادر الطائرات المسيرة المستخدمة في حرب قره باغ والحرب الأوكرانية. إنه جيش يمتلك خبرة قتالية فعلية، وليس مجرد جيش استعراضي.

والأهم من العدد هو الاكتفاء الذاتي. فقد تجاوز مستوى الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية التركية 80%، من طائرات “بيرقدار” المسيرة إلى المقاتلة الوطنية “قآن” (KAAN)، وصولا إلى السفن الحربية. وفي عالم يتحول فيه السلاح إلى أداة للمساومة، يصبح هذا الاكتفاء عملة سياسية.

ثم تأتي الجغرافيا. لا تمتلك تركيا بوابة واحدة، بل ثلاث بوابات تريد الولايات المتحدة، وفق عقيدتها الجديدة، التخلي عن مسؤولية حمايتها: مضيقا البوسفور والدردنيل، بوابة البحر الأسود؛ وشرق المتوسط، بوابة الطاقة والغاز؛ والحدود السورية العراقية، بوابة الشرق الأوسط. وعندما تنسحب الولايات المتحدة من دور الضامن، فمن يمتلك مفاتيح هذه البوابات؟

رابعا: استراتيجية أنقرة.. اللعب داخل الناتو وخارجه

لو كانت تركيا تتصرف كحليف تقليدي، لكان نفوذها محدودا. لكن أنقرة فهمت لعبة “مالك البوابة”، وبدأت تطبيقها على نطاق أصغر.

في أغسطس (آب) 2026، وقعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاقية “مكة” للدفاع المشترك، التي تنص على اعتبار أي هجوم خارجي على إحدى الدول الثلاث هجوما على جميعها. وهذا تحالف خارج إطار الناتو تماما، وبمعزل عن واشنطن.

الرسالة واضحة: ستبقى تركيا في الناتو لأنها ترى أن الحلف يحتاج إليها أكثر مما تحتاج إليه، لكنها لن ترهن أمنها به. ستبيع الطائرات المسيرة لأوكرانيا، وتشتري الغاز من روسيا، وتتفاوض مع واشنطن بوصفها مالكة للبوابة، لا مجرد حارسة لها.

وهذا ما يفسر لماذا تزداد قوة تركيا كلما ضعفت أوروبا. ففي نظام الضامن، كانت أوروبا الشريك المفضل للولايات المتحدة. أما في نظام “مالك البوابة”، حيث تريد واشنطن إدارة العالم من خلال صفقات ثنائية مشروطة، فتصبح تركيا، ببراغماتيتها وقوتها العسكرية وموقعها الجغرافي، شريكا أكثر فائدة من ألمانيا أو فرنسا.

الخلاصة: هل تصبح تركيا مالكة لبوابة مصغرة؟

لن تمنح واشنطن تركيا قيادة الناتو على طبق من ذهب. ولن يكون النفوذ التركي الجديد نفوذا مؤسسيا، بل نفوذا قائما على المساومة والضغط البناء.

ستقول تركيا للحلف: تريدون احتواء روسيا في البحر الأسود؟ أنا بوابتكم. تريدون خط غاز بديلا لا يمر بروسيا؟ سيمر عبر أراضيّ. تريدون جيشا يقاتل فعليا إذا اندلعت حرب؟ أنا الوحيد الجاهز.

في المقابل، ستطلب تركيا ثمنا: دورا قياديا في الملف السوري، وتفهما لمصالحها في شرق المتوسط، وصفقات مقاتلات “إف-16″ (F-16) و”إف-35” (F-35) دون شروط سياسية، وصمتا أوروبيا عن الانتقادات الموجهة إليها.

العقيدة الأمريكية الجديدة لا تخلق حلفاء أقوياء، بل تخلق ملاك بوابات صغارا يخدمون المالك الكبير. وفي الشرق الأوسط وأوروبا، تبدو تركيا المرشح الطبيعي والوحيد لهذا الدور.

السؤال لم يعد ما إذا كان نفوذ تركيا في الناتو سيزداد، بل هل ستنجح أنقرة في تحويل موقعها الجغرافي وقوتها العسكرية إلى نفوذ استراتيجي يفرض على واشنطن وأوروبا التعامل معها بوصفها شريكا يضع شروطه، لا حليفا يتلقى التعليمات؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع