
نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا يوم السبت 31 أكتوبر 2026، قالت فيه إن ناقلات نفط مرتبطة بأسطول الظل الروسي باتت تستخدم شباكا وأقفاصا معدنية وإطارات مطاطية لحمايتها من هجمات المسيرات الأوكرانية.
الصحيفة الأمريكية استندت في تقريرها إلى توثيق عبور ستين سفينة على الأقل بهذه التجهيزات عبر مضيق البوسفور منذ شهر أغسطس الماضي، بعدما بدأت عمليات الاستهداف الممنهج لسفن هذا الأسطول، الذي تشير تقديرات مختلفة إلى أن عدد سفنه يتراوح بين 1400 و2000 سفينة تقريبا، شكلت ولا تزال رئة للاقتصاد الروسي عبر تصدير هذه السلعة بالغة الأهمية للخزينة الروسية ولاقتصاد الحرب.
بالطبع، الصور التي تنشرها “وول ستريت جورنال” تقدم لنا مدخلا لفهم اتساع المخاطر التي تواجه صادرات النفط الروسية، ولكنها مع ذلك لا تكفي لاستخدامها دليلا نحكم به على نتائج هذه المواجهة الاقتصادية الموازية للحرب الساخنة داخل ساحات المعارك في أوكرانيا.
أقول ذلك لأن الصورة من هنا، من الداخل الروسي، ومن موقعي الذي أكتب منه هذا الكلام على بعد مئات الأمتار من الكرملين، لا تبدو بهذه البساطة. بمعنى أنه على الرغم من كل العقوبات والقيود الغربية التي تفرض منذ أكثر من أربع سنوات، وعلى الرغم من دخول عامل الاستهداف المباشر بالمسيرات وغيرها من الأسلحة، لا تزال الصادرات الروسية من هذه السلعة المهمة مستمرة، لكن تكاليفها بالطبع، أي تكاليف الصادرات نفسها، تزداد. وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع الأسعار العالمية بسبب أزمات أخرى، مثل أزمة مضيق هرمز، يعوض جانبا من الخسائر الروسية، لكنه لا يلغيها.
إذا نظرنا إلى الخطاب الروسي الرسمي في هذا الشأن، نراه يصف استهداف الناقلات باعتباره اعتداء على التجارة الدولية المدنية، بينما تتحدث التقارير الاقتصادية المحلية المحترمة عن مشكلات التأمين على هذه السفن والناقلات، فضلا عن الارتفاع الكبير في أجور النقل، وبالتالي تراجع العائد الذي يصل في نهاية المطاف إلى المصدر.
وإذا احتكمنا إلى الأرقام، لأنها الدليل الذي لا يجمل الحقائق ولا يغيرها، فأحيلك، عزيزي القارئ، إلى ما أوردته صحيفة “كوميرسانت” الروسية الكبيرة في تقريرها الاقتصادي الصادر يوم 27 أكتوبر 2026، عن ارتفاع صادرات روسيا من النفط والمكثفات إلى الدول الأجنبية خارج رابطة الدول المستقلة بنسبة 6.9% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 الجاري، لتصل إلى قرابة 4.8 ملايين برميل يوميا.
وأهمية هذه البيانات، التي قصدت ذكرها هنا، أنها تقدم لنا صورة تناقض التصور الذي قد يكون في أذهان الناس عن توقف تدفق النفط الروسي إلى العالم، خاصة ونحن نقرأ ونسمع ونشاهد صباح مساء أخبارا عن ضرب المصافي الروسية واشتعال النيران فيها.
بالطبع، لا بد من التوضيح أن الضربات الأوكرانية على المصافي أثرت وتؤثر بالفعل في صناعة النفط الروسية، بل إنها السبب المباشر في زيادة الصادرات من النفط الروسي الخام. ذلك أن كميات الخام التي توزع على المصافي الروسية من أجل تحويلها إلى مشتقات لا يجد المنتج الروسي بدا من تصديرها في شكلها الخام، بسبب الحاجة إلى إجراء أعمال صيانة في هذه المصافي. وبالتالي، ترتفع صادرات الخام، بينما تتراجع قدرة التكرير، ولذلك لا يجوز لنا بحال، كمراقبين، استخدام مؤشر زيادة الصادرات لإثبات سلامة القطاع بأكمله.
المشكلة تظهر بصورة أكبر عند الانتقال من الحديث عن كميات النفط المصدر إلى تكلفة بيعه. فالبيانات التي نشرتها وكالة “أرغوس ميديا”، التي تعد مرجعا عالميا لتقارير أسعار الطاقة، يوم 21 أكتوبر، تشير إلى أن تكاليف استئجار الناقلات لبعض شحنات الخام من مينائي نوفوروسيسك وبريمورسك الروسيين تراوحت بين 27 و48 دولارا للبرميل الواحد، بحسب المسار وحجم الشحنة. وهذا هو أعلى مستوى ضمن سلسلة الرصد التي بدأتها الوكالة في شهر يونيو 2023. بل والأهم أن الوكالة تشير في تقريرها إلى أن هذا النطاق لا يمثل حتى متوسط تكلفة جميع الصادرات الروسية.
التقرير نفسه فرق بين ارتفاع المخاطر في البحر الأسود، وبين نقص الناقلات وغلاء وقود السفن في بحر البلطيق، الذي باتت روسيا تلجأ إليه كخيار أفضل وأكثر أمنا، بديلا عن البحر الأسود. وارتفاع تكلفة النقل عبر بحر البلطيق حقيقي وملموس، لكن نسبته إلى نجاح الهجمات الأوكرانية على السفن التي تسير عبر البحر الأسود تجعلنا مضطرين إلى الخلط بين أسباب عسكرية وأخرى تتعلق بسوق النقل العالمية، حتى نستطيع فهم الصورة الكاملة.
وفي هذا السياق، يدخل عامل آخر على الخط، وهو أن زيادة الخصم الذي يقدمه المصدر الروسي على النفط الروسي تنعكس على ارتفاع مصاريف الوسيط الذي يتسلم ملكية الشحنة عند التحميل، ونحن نفهم أن النفط يصدر على أنه ليس نفطا روسيا حتى يفلت من العقوبات. وبالتالي، يحتاج هذا الوسيط إلى تغطية تكلفة أعلى لاستئجار الناقلة وتأمينها.
والمعنى الاقتصادي لهذا الكلام هو أن الخصم الذي يقدمه البائع الروسي لا يتحول بالضرورة كله إلى مكسب صاف للمشتري النهائي، حيث قد تستهلكه رحلة نقل أصبحت أعلى تكلفة وأكثر مخاطرة. وبالنسبة إلى المصدر نفسه، تظل النتيجة كما هي: ضغطا على السعر، أي سعر البيع الذي يستطيع تحصيله عند نقطة البيع.
ومشكلة أخرى لا تقل صعوبة، وهي مسألة التأمين الدولي على الشحنات، فالمنتجون الروس تتقلص قدرتهم أكثر فأكثر على استيعاب خسائر كبيرة بسبب انعدام إمكانية الوصول إلى طاقات التأمين الدولية، وقد حذر من هذه المسألة مؤخرا إيغور يورغنس، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس. ووجود الشركة الوطنية الروسية لإعادة التأمين، المدعومة من البنك المركزي الروسي، لا يجعل قدرتها غير محدودة.
ومع ذلك، لا يمكن بحال القول إن التأمين على الناقلات والشحنات اختفى تماما، ولكن الأدق هو أن خياراته تضيق، وبالتالي يصبح ارتفاع سعره هو السيناريو الواقعي، فضلا عن تقلص نطاق التعويض.
هذه الضغوط على تصدير النفط الروسي ليست معزولة عن اضطراب عمليات النقل خارج روسيا نفسها، فاللجوء إلى مسارات أطول والتحولات في استخدام السفن يؤديان إلى تقليص المعروض المتاح ورفع التكاليف في مناطق أخرى. ما أرمي إليه بهذا الكلام هو أن استقطاب عمليات النقل في منطقة الخليج عددا أكبر من الناقلات يضغط على السوق العالمية، وهو ما ينقل الغلاء مباشرة إلى الموانئ الروسية، حتى عندما لا تكون رحلة بعينها معرضة مباشرة للهجوم.
بالطبع، ارتفاع المصاريف الذي نتحدث عنه لا يعني تلقائيا انهيار الأرباح، فقد أفادت تغطية صحيفة “كوميرسانت” لصادرات الأشهر التسعة الماضية من العام الجاري، التي سبق أن أشرت إليها أعلاه، بتحسن هوامش الربح من تصدير خامي “أورال” و”إسبو” في شهر سبتمبر 2026، بفعل ارتفاع الأسعار في أسواق الوصول. لكن بالطبع، هذا الأمر لن يستمر إذا استقر الوضع في الشرق الأوسط ولم يتصاعد الصراع مجددا بين إيران والولايات المتحدة.
وهذا الكلام معناه أن الاضطراب الذي يرفع فاتورة النقل قد يرفع أيضا سعر النفط المباع، لكن الأثر النهائي يتحدد بحجم الفارق بين المكسب السعري والمصاريف الإضافية. وفي الوقت نفسه، فإن تحسن ربحية الشحنة لا يساوي تلقائيا تحسن إيرادات الموازنة بالمقدار نفسه.
وهنا أعود إلى موضوع المقال، وهو الشباك والأقفاص الحديدية المركبة على ناقلات أسطول الظل، التي تناولتها صحيفة “وول ستريت جورنال”. فهذه التحصينات البسيطة ما هي إلا محاولة لخفض الخسائر المحتملة، والحفاظ في الوقت نفسه على قابلية الرحلة للتنفيذ حتى نهايتها. لكن لا يمكن القول أبدا إنها تستطيع تقديم حماية كافية. فالمخاطر التي نتحدث عنها في هذا الصدد ليست افتراضية، فوكالة “إنترفاكس” مثلا نقلت عن وزارة النقل الروسية في نهاية شهر أكتوبر أنها سحبت ناقلة تسمى “أفراماكس ريو” إلى مكان آمن، بعد تعرضها لهجوم بزوارق مسيرة خلال الأسبوع الأول من شهر أكتوبر.
وقد ذكرت هذه الحادثة تحديدا مثالا للتدليل على أن تكلفة الإصابة تتجاوز مسألة إصلاح الضرر المباشر إلى عمليات الإنقاذ والسحب والفحص وتأخير الرحلات، حتى لو لم تؤد الواقعة إلى فقدان السفينة نفسها بالكامل.
وقد عاد نيكولاي باتروشيف، رئيس الهيئة البحرية الروسية ومستشار الرئيس الروسي المقرب، وسكرتير مجلس الأمن الروسي السابق، يوم 30 أكتوبر، ليحذر مجددا من عمليات تخريب محتملة ضد ناقلات الديزل الروسي المتجهة إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول، واتهم بريطانيا بالاسم تحديدا، ومعها بعض الدوائر في الناتو، بالتحضير لهذه العمليات.
وهذه الاتهامات، وبصفة خاصة عندما تأتي على لسان شخص بوزن باتروشيف، تعني أن موسكو تنظر إلى أمن الناقلات باعتباره جزءا من المواجهة الاستراتيجية بين روسيا والناتو، وبصفة خاصة مع شقه الأوروبي في المرحلة الحالية.
غير أن توصيف التهديد، على أهميته، لا يعالج أسئلة شركات النقل ومخاوفها. بمعنى: من يتحمل الخسارة، وما حجم التغطية، وهل يبقى العائد مجديا بعد حساب المخاطر؟
وختاما، أقول إن ما تناولناه بالتحليل في هذه الأسطر، استنادا إلى المصادر المحترمة، لا يسمح لنا بأن نستنتج أن روسيا تشرف على اختناق نفطي لا مفر منه، كما أنه لا يسمح لنا كذلك بالقول إن استمرار شحن النفط الروسي، سواء عبر بحر البلطيق أو حتى استمرار بعض الشحنات عبر البحر الأسود، قد أبطل أثر الهجمات الأوكرانية بالمسيرات أو أثر العقوبات الغربية.
ما تكشفه لنا كل هذه البيانات والمعلومات هو أن روسيا نجحت ولا تزال تنجح في التكيف مع هذه المخاطر المستجدة، لكن هذا التكيف له ثمن، وهذا الثمن يتمثل في مصاريف إضافية وقيود متراكمة.
والشباك المعدنية التي صورتها “وول ستريت جورنال” على ناقلات أسطول الظل، وهي تمخر مضيق البوسفور متجهة إلى غايتها، بلا شك قد تقلل ضررا محتملا، لكنها بلا جدال لا تحل مشكلة نقص الناقلات أو محدودية التأمين.
نعم، ارتفاع كميات صادرات الخام يحافظ على تدفق الإيرادات إلى خزينة الدولة الروسية، لكنه يخفي خسارة في التكرير. لذلك يبقى الحكم الحقيقي في صافي العائد واستدامة الرحلات والقدرة على تعويض الخسائر. وهذه كلها أمور تحتاج إلى متابعة البيانات والأرقام، وليس الاكتفاء بصور السفن وهي تمخر عباب البحار.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير