
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط بين الخليج العربي وبحر عُمان والمحيط الهندي، ويمتد عرضه بين 33 و95 كيلومترًا، وهو “حقل للدراسات التاريخية”، لاسيما في جنوب آسيا (خصوصًا الهند وباكستان). وقد كُتب عن المضيق بوصفه نقطة ربط تاريخي للثقافة والتجارة والأمن بين الخليج العربي وبحر عُمان والمحيط الهندي، وشملت هذه الجغرافيا تقلبات عدة منذ العصور الوسطى، مرورًا بالعصر البرتغالي والاستعمار البريطاني، وصولًا إلى عصر النفط. ويعود تاريخ المضيق إلى أكثر من 5000 عام، حيث استخدمته حضارات قديمة مثل السومرية والبابلية والفارسية الأخمينية والإغريقية والفينيقية كمعبر تجاري وحربي. ومرّت عبره طرق التجارة القديمة، وشهد مرور السومريين في الألف الثالث قبل الميلاد (كما تدل نقوش في عُمان)، وكان جزءًا من شبكة تجارة الحرير والتوابل.
اختلفت مسميات مضيق هُرمز على مدار التاريخ في جنوب آسيا، حيث تُستخدم في الكتابات الهندية والباكستانية (بالأوردية والإنجليزية والسنسكريتية القديمة) أسماء مستمدة من الفارسية والعربية. ويُعرف المضيق بـ”مضيق هرمز” (بالأوردية والعربية) أو “تنگه هرمز” (بالفارسية)، وفي النصوص الهندية القديمة “أردراپورا” أو “هرموز” كما في “فاستوپالاماهاتمايام” و”جاغادوچاريتام”. ويربط الباحثون الهنود أصله الإيتيمولوجي بـ”أهورا مازدا” (إله زرادشتي)، مما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمجتمع البارسي (الزرادشتيين الهنود) الذي هاجر من فارس. كما يُذكر مضيق هُرمز في بعض النصوص تحت اسم “مكان التمور” (Hur-Muz). وفي الأدب الأُردي الباكستاني، يُستخدم اسم “هرموز کا تنگ” أو “Strait of Hormuz” مباشرة.
يظهر مضيق هُرمز في الكتابات التاريخية الهندية كمحور مركزي للتجارة البحرية منذ القرن الثالث عشر الميلادي، حيث كانت مملكة هرمز (أورموز) إمارة تجارية تسيطر على مداخل الخليج. ويصف المؤرخ الهندي رانبير تشاكرافارتي في دراسته “الناخوذات والناويتكا: تجار ومالكو السفن على الساحل الغربي للهند (1000–1500 م)” هرمز بأنها “ميناء مشهور في القطاع الغربي للمحيط الهندي”، مشيرًا إلى زيارة ماركو بولو لها مرتين (1272 و1293). ووفق تشاكرافارتي، كان التجار الغوجراتيون (الهنود من غرب الهند) يشكلون ثاني أكبر تجمع في جزيرة هرمز، وكانوا يسيطرون على تجارة الخيول العربية والفارسية التي كانت لازمة لجيوش الممالك الهندية، مقابل تصدير الأقمشة القطنية والأرز الهندي. وقد وُجد نقش سومناث-فيرافال (1264 م) الذي يذكر تاجرًا مسلمًا نور الدين فيروز من هرمز، الذي بنى مسجدًا في سومناث. كما يبرز تشاكرافارتي في سياق آخر أن التجار الهنود دفعوا أموالًا لحظر ذبح الأبقار علنًا في هرمز، وبنوا معابد هندوسية.
أما المؤرخة شيرين موسوي فقد كتبت دراسة بعنوان “تجارة الهند البحرية مع إيران في العصور الوسطى”، تربط صعود ميناء سورت الهندي بموانئ هرمز وبندر عباس. وتقول موسوي إن التجار الهنود أرسلوا وكلاء إلى هرمز، وكان التجار مثل جاغادو (تاجر غوجراتي) يحتفظون بوكلاء هنود دائمين هناك، كما ورد في نصوص جينية. ويُعد هذا الوصف أحد أبرز النصوص التاريخية الهندية التي تؤكد أن هرمز “بوابة” لتجارة الدول المغولية والراجبوتية. ويروي برافين سوامي في سلسلته “ThePrint Explorer” كيف سيطر الهنود على الخليج عبر هرمز منذ 1300 م، مشيرًا إلى أن ثروة الهند كان لها دور حيوي في اقتصاد الخليج العربي، وأن الهنود (الغوجراتيين خاصة) شكلوا مجتمعات تجارية كبيرة مع بناء المعابد والمساجد. حيث كان مضيق هرمز جزءًا لا يتجزأ من “العالم الهندي المحيطي” الذي وصفه كنيث تشودري في “التاريخ المصور للعالم الإسلامي” (1996)، حيث كانت الأقمشة الهندية “ذات قيمة عالية” في الأسواق الشرق أوسطية، مما جعل الرحلات الطويلة مجدية.
أما في السياق الاستعماري، فتركز الكتابات الهندية على الدور البرتغالي كنقطة تحول تاريخية. ويُظهر التأريخ لهذه الحقبة الزمنية كيف استولى أفونسو دي ألبوكيركي على هرمز عام 1507 ثم 1515، وبنى حصنًا ليسيطر على طرق التجارة من الجانب العربي إلى الهند، مما قطع طرق التجارة الإسلامية في المحيط الهندي. واستمر هذا السيطرة حتى 1622، حين استعاد الإنجليز والفرس الجزيرة بقوة مشتركة. ويرى المؤرخون الهنود مثل تشودري أن هذا الاحتلال كان محاولة برتغالية لـ”إغلاق مضيق هرمز وباب المندب” لمنع الشحن الإسلامي من الوصول إلى الهند، مما أثر سلبًا على التجار الهنود في سورت وبومباي. ويمكن اعتبار هذه اللحظة التاريخية التي تحول المضيق فيها من مركز تجاري هندي-عربي-فارسي إلى ساحة صراع أوروبي-آسيوي أو غربي-شرقي.
شهد مضيق هرمز تحولات جذرية خلال حقبة الاستعمار البريطاني (من أوائل القرن التاسع عشر حتى انسحاب بريطانيا من الخليج عام 1971)، عندما أصبح محورًا استراتيجيًا لحماية طرق التجارة إلى الهند (الجوهرة تاج الإمبراطورية البريطانية)، ولاحقًا لتأمين تدفق النفط بعد اكتشافه في المنطقة. وفرضت بريطانيا سيطرة غير مباشرة على المضيق من خلال معاهدات بحرية، وقواعد عسكرية، وتحالفات مع الشيوخ العرب والسلاطين، مما أسس لما عُرف بـ”السلام البريطاني” (Pax Britannica) في منطقة الخليج. وبدأت بريطانيا تدخلها في المنطقة قبل الاستعمار الكلاسيكي. ففي عام 1622، شاركت شركة الهند الشرقية البريطانية مع الشاه عباس الأول (الصفوي) في استعادة جزيرة هرمز من البرتغاليين الذين سيطروا عليها منذ 1515. وكان التحالف مدفوعًا بمصالح تجارية: البريطانيون قدموا الدعم البحري مقابل امتيازات تجارية في الخليج، مما أنهى احتكار البرتغال لطرق التجارة إلى الهند وفتح الباب أمام نفوذ بريطاني تدريجي. وتحول المضيق من مركز برتغالي إلى ساحة للتنافس الأوروبي، وأصبحت بريطانيا لاعبًا رئيسيًا في المنطقة.
ومع ذلك، لم تصبح السيطرة البريطانية شاملة إلا في القرن التاسع عشر، عندما أصبح المضيق مدخلًا رئيسيًا للخليج تحت سيطرة قبيلة القواسم في رأس الخيمة، التي فرضت رسوم مرور على السفن. ورفضت بريطانيا هذه الرسوم، معتبرة إياها “قرصنة” تهدد تجارة الهند، فشنت حملات بحرية متكررة أدت إلى تدمير أسطول القواسم عام 1819، وتوقيع معاهدة السلام البحري العامة عام 1820. وأسست هذه المعاهدة نظام “الساحل المتصالح” (Trucial Coast)، حيث وقع شيوخ المنطقة (الإمارات الحالية) اتفاقيات بحرية دائمة مع بريطانيا لمنع “القرصنة” مقابل حماية بريطانية. وتطورت هذه المعاهدات لاحقًا إلى هدنة دائمة عام 1853، ثم اتفاقيات حصرية عام 1892، التي منعت الشيوخ من التعامل مع قوى أجنبية دون موافقة بريطانية. وبهذا أصبحت بريطانيا “الحامي” الفعلي للجانب الجنوبي من المضيق عبر الشيوخ المتصالحين وسلطنة عُمان، التي كانت تحت نفوذ بريطاني منذ معاهدة 1798 لمنع الفرنسيين. وسعت بريطانيا أيضًا إلى قواعد بحرية للسيطرة على مدخل الخليج، مثل احتلال جزيرة قشم مؤقتًا عام 1820، وإقامة قاعدة في باسيدو، ثم نقل الاهتمام إلى هنجام.
وفي أوائل القرن العشرين، مع مخاوف من روسيا والألمان، بحث البريطانيون عن قواعد في جزر المضيق لتعزيز موقفهم. ومع اكتشاف النفط في إيران عام 1908، ثم في دول الخليج، أصبح المضيق شريانًا حيويًا لتصدير النفط. وفي عام 1951، بعد تأميم النفط الإيراني بواسطة محمد مصدق، فرضت بريطانيا حصارًا بحريًا على عبادان، مانعة مرور ناقلات النفط عبر المضيق، مما أدى إلى أزمة دبلوماسية انتهت بانقلاب 1953 بدعم أمريكي-بريطاني. وظلت بريطانيا تسيطر حتى قرار الانسحاب “شرق السويس” عام 1968، وانسحابها الفعلي عام 1971، حيث أنهت معاهدات الحماية مع الدول المتصالحة (التي شكلت الإمارات العربية المتحدة)، وتركت نزاعات الجزر (مثل أبو موسى وطنب) معلقة، مع اتهامات عربية بتسليمها سرًا لإيران قبل الانسحاب.
في العصر الحديث ما بعد النفط، تركزت الكتابات عن مضيق هُرمز في سياق أمن الطاقة، ويؤكد ديفيد بروستر في كتابه “المحيط الهندي” (2015) أن (63%) من واردات النفط الهندية كانت تمر عبر المضيق عام 2011، ويصف هذا بـ”معضلة هرمز الهندية” المشابهة لمعضلة مالقا الصينية، داعيًا إلى دور بحري هندي أكبر. وكما تشير نايانتارا دي هينسل في “الأمن البحري في المحيط الهندي والمحيط الهادئ الغربي” (2017) إلى أن (85%) من النفط المنقول عبر المضيق يذهب إلى الأسواق الآسيوية، بما فيها الهند. لذا يناقش الباحثون في معهد دراسات الدفاع (IDSA) كيف أن أي إغلاق يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود وتضخم اقتصادي، خاصة مع اعتماد الهند على (40–70%) من وارداتها النفطية من الخليج. أما في باكستان، فتركز النظرة السياسية والتاريخية حول علاقة مضيق هُرمز بالضعف الاقتصادي للبلاد؛ إذ يمر (30–40%) من واردات النفط الباكستانية عبر المضيق، وأي أزمة (كما يحدث الآن) تهدد أمن الطاقة والغذاء.
في الأخير، يُعد مضيق هُرمز “نقطة اختناق” (chokepoint) حاسمة وحيوية، حيث يعتمد عليه تصدير النفط من السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر وإيران. وأي تعطيل يهدد الاقتصاد العالمي، خاصة آسيا (الصين والهند واليابان). وحاليًا تحاول طهران التهديد بإغلاقه كورقة ضغط في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية عليها، ليعود مضيق هُرمز إلى الواجهة بتاريخ طويل وصراعات سياسية بين الإمبراطوريات والحقب الاستعمارية والحرب الباردة وحتى الحرب التجارية الأمريكية-الصينية، والآن في ضوء الحرب الحالية. ويعكس كل هذا أهمية الاستقرار في منطقة غرب آسيا بالنسبة لكل دول العالم، وكيف تؤثر هذه المنطقة ومضائقها المائية على الاقتصاد العالمي، ما يجعل اللحظة الراهنة تحتاج إلى مقاربات فكرية وجيوسياسية وعسكرية مختلفة، حيث تحاول الولايات المتحدة أن تعيد إنتاج ما قامت به بريطانيا حول هذا المضيق، لكن الدرس التاريخي يثبت أن السياسات العدوانية من كافة الأطراف لا تصل إلى حلول، ولا ينتج عنها ما يمكن أن يُعتبر “انتصارًا”.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير