مقالات المركز

كيف تُعيد الشراكة الروسية- السعودية تشكيل معادلات الطاقة والاقتصاد؟

بين المئوية ومرحلة ما بعد النفط


  • 22 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: journal-neo

تأتي العلاقة الروسية- السعودية اليوم في لحظة رمزية وكاشفة في آن: لحظة اكتمال قرن على تأسيس العلاقات الدبلوماسية في 19 فبراير (شباط) 1926، ولحظة انتقال العلاقة من منطق إدارة التنافس إلى منطق هندسة المصالح من خلال الطاقة والاستثمار والدبلوماسية الإقليمية. وعلى هذا الأساس يكتسب اختيار السعودية دولةً ضيفًا في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي لعام 2026 دلالته السياسية والاقتصادية، بوصفه إشارة إلى أن الحوار لم يعد محصورًا في ملفات النفط، بل يتجه إلى سلاسل قيمة صناعية وتقنية وتمويلية أوسع، يلتقي فيها التحول السعودي تحت مظلة رؤية 2030 مع بحث روسيا عن شركاء قادرين على بناء مسارات تعاون طويلة الأمد خارج نطاق الضغوط الغربية.

العلاقة ليست تحالفًا عسكريًّا تقليديًّا، ولا اصطفافًا أيديولوجيًّا؛ بل شراكة براغماتية عالية السقف، تتوسع حين تتقاطع دوافع الاقتصاد السياسي للطاقة مع حاجات التنويع والاستثمار، وتتراجع حين ترتفع كلفة الأخطار الجيوسياسية، أو تتضارب حسابات الحصص في السوق. وبما أن بعض الأرقام التفصيلية قد تختلف حسب منهجيات القياس ومصادر التجارة (وخاصةً في بيئة قيود وعقوبات وتحوّل مسارات سلاسل الإمداد)، فإن التحليل يحتاج إلى قراءة مرنة تأخذ في الحسبان هامش الخطأ في البيانات.

يعود الجذر المؤسِّس للعلاقات إلى عام 1926 عندما كان الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف بالكيان السياسي الذي سيصبح لاحقًا المملكة العربية السعودية، ثم تطور التمثيل الدبلوماسية في جدة وصولًا إلى رفع مستوى القنصلية السوفيتية إلى سفارة عام 1930. وتعكس هذه اللحظة المبكرة معنى يتجاوز الاعتراف؛ فهي تؤكد أن موسكو والرياض حاولتا مبكرًا بناء قناة مباشرة خارج مظلة القوى المهيمنة آنذاك، حتى وإن كانت فرص استدامتها محدودة بحكم سياقات ذلك العصر.

غير أن هذا المسار انقطع عمليًّا في أبريل (نيسان) 1938 مع تعليق العلاقات واستدعاء البعثة السوفيتية، لتدخل العلاقة أطول فترات الجمود، ثم تتعمق هوة التباعد لاحقًا في سياق الحرب الباردة، ولا سيما بعد عام 1979 مع الحرب السوفيتية في أفغانستان وما ترتب عليها من اصطفافات إقليمية حادة. ولم يُكسر هذا الجمود إلا في سبتمبر (أيلول) 1990 من خلال إعلان استئناف العلاقات الدبلوماسية، قبل تفكك الاتحاد السوفيتي بقليل، بما مثّل عودة إلى الدبلوماسية أكثر مما كان شراكة كاملة في ذلك الوقت.

مع مطلع الألفية الجديدة بدأت إعادة الانفتاح تترجم عمليًّا عن طريق زيارات رفيعة المستوى، منها زيارة 2003، ثم محطة 2007 حين قام فلاديمير بوتين بزيارة وُصفت بأنها الأولى لرئيس روسي إلى السعودية. وبعدها تُسجل محطة 2015 خلال زيارة محمد بن سلمان إلى سانت بطرسبورغ على هامش المنتدى الاقتصادي، حيث تزامنت اللقاءات السياسية مع حزمة اتفاقات أولية شملت الطاقة والفضاء والنووي السلمي والاستثمار. وتبلغ دينامية الزيارات والقرارات ذروتها في زيارة سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، ثم زيارة بوتين إلى الرياض في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وصولًا إلى زيارة ديسمبر (كانون الأول) 2023 التي جاءت في سياق دولي شديد الحساسية، ولكنها أكدت استمرار قناة الاتصال المباشر.

في 2026 تتلاقى رمزية المئوية مع رمز اقتصادي- سياسي جديد: اختيار السعودية دولةً ضيفًا في منتدى سانت بطرسبورغ، وتأكيد سيرغي لافروف أن الحدث رمزي لوقوعه في عام الذكرى المئوية، بما يجعل المنتدى محطة مراجعة شاملة لمسار قرن، ومحطة تصميم لمرحلة تالية غير محكومة حصريًّا بمعادلة النفط.

من أوبك+ إلى ما بعدها.. تقييم الإنجازات والمشروعات المشتركة

الإنجاز الأكبر الذي أعاد تعريف العلاقة خلال العقد الأخير هو الانتقال من تنافس نفطي تاريخي إلى تنسيق مؤسسي ضمن “أوبك+”، التي تشكلت عمليًّا منذ 2016 بضم دول منتجة من خارج أوبك إلى آلية تنسيق الإنتاج. وبحسب قراءات مؤسسات بحثية غربية، فإن هذا التنسيق -برغم نقاط الاحتكاك- زاد انضباط التحالف وقدرته على إدارة المعروض، وخلق واقعًا جديدًا في توازنات سوق النفط العالمية، حيث أصبحت العلاقة السعودية- الروسية حجر الزاوية في قرارات الإنتاج.

غير أن اختبار متانة هذا الإنجاز ظهر في لحظات الأزمة، خصوصًا خلال صدمة جائحة كوفيد-19، وما أعقبها من حرب أسعار قصيرة في 2020، ثم العودة إلى اتفاقات خفض كبيرة. هذه الحلقة كشفت أن الشراكة ليست خالية من قابلية الانكسار، لكنها أظهرت أيضًا أن تكلفة الانفصال مرتفعة للطرفين عندما تتدهور الأسعار وتتعاظم الضغوط المالية، وهو ما يدفعهما في العادة إلى العودة لطاولة التنسيق.

في موازاة النفط، برز ملف النووي السلمي بوصفه مجالًا ذا قابلية على التحول إلى مشروع إستراتيجي طويل الأجل إذا توافرت شروط التمويل والحوكمة والضمانات. ففي يونيو (حزيران) 2015 وُقِّع اتفاق للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بين روساتوم ومدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، وتبعه في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 برنامج تعاون يوسع مجالات العمل إلى المفاعلات الصغيرة والمتوسطة والتدريب وبناء البنية التحتية التنظيمية. كما تشير تقارير قطاعية متخصصة إلى أن الاتفاقات تتضمن نطاقًا واسعًا: تصميم المفاعلات وبناءها وتشغيلها، وخدمات دورة الوقود، وإدارة الوقود المستهلك والنفايات المشعة، وتطبيقات النظائر المشعة، وتنمية الموارد البشرية.

أما في الاستثمار، فالمؤشر الأكثر دلالة كان إعلان 2015 عن إطار استثماري مشترك يصل إلى 10 مليارات دولار بين صندوق الاستثمارات العامة والصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة، ثم ظهرت لاحقًا إشارات إلى تفعيل أجزاء من هذا التعهد، مع حديث عن توجيه مليارات إلى فرص في قطاعات متعددة. وفي جانب الصناعة والطاقة، تداولت تقارير تحليلية متخصصة اتفاقات ومذكرات مرتبطة بالبتروكيماويات ونقل التكنولوجيا، وتطوير منصات استثمارية في الطاقة والتقنية، بما يوحي بأن الطاقة تُستخدم بوابة أولى لخلق شراكات صناعية أوسع.

التجارة والاستثمار والآليات المؤسسية للتعاون

تاريخيًّا، ظل التبادل التجاري محدودًا مقارنةً بثقل الطرفين في الاقتصاد العالمي، لكنه شهد نموًّا تدريجيًّا مع بناء الأطر المؤسسية. ففي 2017 -وفق بيان حكومي سعودي- تأكد تفعيل الشراكة في التجارة والاستثمار والتمويل والطاقة والاتصالات وتقنية المعلومات والنووي السلمي والفضاء، مع الدعوة إلى رفع مساهمة القطاع الخاص، وتوسيع التجارة غير النفطية، وذُكر أن حجم التبادل في 2016 بلغ نحو 2.757 مليار ريال. والأهم في هذا السياق أن البيان نفسه أشار إلى ترحيب السعودية بمشاركة الشركات الروسية المتخصصة في تجارة الحبوب في مناقصات توريد القمح والشعير، بما يربط التجارة بالأمن الغذائي لا بالاستهلاك التجاري فقط.

وتُظهر بيانات التجارة الدولية (بمنهجية مستندة إلى قواعد الأمم المتحدة كما تعرضها منصات بيانات اقتصادية) ميلًا واضحًا لاختلال الميزان التجاري لصالح الصادرات الروسية إلى السعودية. ففي 2024 قُدِّرت واردات السعودية من روسيا بنحو 3.41 مليار دولار، مع بنود بارزة تشمل الوقود والزيوت المعدنية، والحبوب، واللحوم، إضافة إلى معادن ومنتجات كيميائية ومعدات. وفي المقابل، قُدِّرت صادرات السعودية إلى روسيا في 2024 بنحو 40.36 مليون دولار، وهي سلة أصغر تتضمن منتجات بلاستيكية ومطاطية وبعض المعدات ومنتجات غذائية وبحرية. هذا الفارق لا يعني ضعف القيمة الإستراتيجية للتجارة، لكنه يكشف أن العلاقة تحتاج إلى إعادة تصميم نحو سلاسل قيمة مشتركة تعالج التوازن القطاعي، وتخلق صادرات متبادلة أعلى قيمة مضافة.

المؤسسية هنا ليست تفصيلًا إداريًّا؛ بل شرطًا ضروريًّا لتحويل التفاهمات إلى مشروعات. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025 عُقدت الدورة التاسعة للجنة الحكومية المشتركة السعودية- الروسية للتعاون في مجالات التجارة والاقتصاد والعلوم والتقنية، وتم تأكيد توسيع التعاون من خلال قطاعات تشمل الطاقة والاستثمار والفضاء والصناعة والمعادن والسياحة والنقل والزراعة وغيرها، مع الإشارة إلى تزامن ذلك مع منتدى أعمال ومجلس أعمال ثنائيين. وعلى المستوى المجتمعي- الاقتصادي، وقَّع الطرفان في اليوم نفسه اتفاقًا على نظام إعفاء متبادل من التأشيرات لغايات السياحة والأعمال بمدة إقامة تصل إلى 90 يومًا، مع توقعات بإجراءات استكمال تجعل النفاذ العملي أقرب في 2026. هذا النوع من سياسات التيسير يُعد عادةً محفزًا مباشرًا للتجارة والخدمات والاستثمار؛ لأنه يقلل كلفة الاحتكاك، ويزيد قابلية بناء شبكات أعمال مستمرة.

رؤية السعودية 2030 بوصفها إطارًا للتكامل.. مشروعات مشتركة قابلة للتنفيذ

تقوم رؤية 2030 وفق تعريفها الرسمي على تنويع الاقتصاد، وتمكين القطاع الخاص، وتحويل السعودية إلى بيئة جاذبة للأعمال والاستثمار، مع برامج قطاعية تُعلي من الصناعة، واللوجستيات، وسلاسل الإمداد، وتضع أهدافًا واضحة في الطاقة المتجددة والتحول الاقتصادي. وتذهب وثائق الرؤية وبرامجها إلى أن الصناعة والخدمات اللوجستية والتوطين التقني وتطوير سلاسل الإمداد هي محركات مركزية للمرحلة المقبلة، وأن الطاقة المتجددة بمختلف سلاسلها جزء من إستراتيجية التحول.

ضمن هذا الإطار، يظهر مجال التكامل الممكن مع روسيا في ثلاثة مسارات عملية قابلة للتنفيذ إذا صُممت بعقلية شراكة صناعية لا بعقلية صفقات متفرقة:

أولًا- من النفط إلى كيميائيات الطاقة والتصنيع المتقدم: يمكن بناء منصة مشتركة في البتروكيماويات والبوليمرات والمواد المتقدمة تستهدف توطين أجزاء من سلسلة القيمة داخل السعودية (تصنيع وسيط ونهائي)، مع ربط مباشر ببرامج المحتوى المحلي وسلاسل الإمداد. وتزداد قابلية هذا المسار إذا طُوّر على أساس مناطق صناعية خاصة، أو مشروعات ربط مع برامج التصنيع واللوجستيات كمركز إقليمي، بحيث تصبح السعودية بوابة تصدير إلى أسواق ثالثة، لا مجرد سوق استهلاكي.

ثانيًا- الأمن الغذائي والزراعة وسلاسل الحبوب: بما أن الحبوب واللحوم تظهر بوصفها أحد مكونات الواردات السعودية من روسيا في بيانات التجارة الحديثة، وبما أن الخطاب المؤسسي السعودي منذ 2017 تحدث عن مشاركة الشركات الروسية في مناقصات القمح والشعير، فإن المشروع المشترك الأكثر واقعية هو الانتقال من توريد سلعي إلى سلسلة إمداد تشمل التخزين والمناولة والمواصفات والجودة والتمويل التجاري، وربما الاستثمار في الخدمات اللوجستية الزراعية. ويمكن كذلك إدخال عنصر التقنيات الزراعية عن طريق شراكات بحثية وتطبيقات كفاءة المياه، ما ينسجم مع الاتجاهات المعلنة في الرؤية نحو تحديث القطاعات، ورفع الإنتاجية.

ثالثًا- النووي السلمي والتحلية والمفاعلات الصغيرة بوصفه مشروعًا ذا أثر تراكمي: تدريب، وتنظيم، وسلاسل توريد، وبنية تحتية: إذا كان الإطار القانوني للتعاون النووي قائمًا منذ 2015، وتوسع في 2017، فإن التنفيذ يحتاج إلى مقاربة مرحلية تبدأ بتوطين التدريب، وبناء القدرات التنظيمية، وسلامة المنشآت، ثم الانتقال إلى نماذج مفاعلات صغيرة/ متوسطة مرتبطة بالتحلية، أو بالاستخدامات الصناعية في المناطق الاقتصادية. هذا المسار لا يُقاس بسرعة الإنجاز؛ بل بعمق نقل المعرفة، وإدارة المخاطر، والامتثال لمتطلبات السلامة الدولية.

الدوافع المشتركة: اقتصاد سياسي للطاقة، وتوازن قوى، ودبلوماسية إقليمية

تتغذى العلاقة على دوافع اقتصادية واضحة: الحاجة إلى استقرار سوق الطاقة، وموازنة أثر المنافسين (وخاصة توسع إنتاج النفط الصخري الأمريكي تاريخيًّا)، وإدارة دورة الأسعار بما يتسق مع الأهداف المالية والتنموية للطرفين. وتؤكد قراءات بحثية أن تقاطع المصالح النفطية شكّل حجر الزاوية في تأسيس “أوبك+”، وأن العلاقة تتقدم عندما يصبح إدارة السعر أولوية تتفوق على اعتبارات الخلافات الإقليمية.

لكن الدافع لا يقتصر على الاقتصاد؛ فهناك بُعد جيوسياسي يتصل بفكرة تعددية الأقطاب وإدارة نفوذ القوى الكبرى. من جانب روسي، يبرز السعي إلى تثبيت شراكات خارج الدائرة الغربية وتوسيع قابلية الوصول إلى أسواق واستثمارات وقنوات دبلوماسية إقليمية. ومن جانب سعودي، يظهر منطق تنويع الشركاء والتحرك كقوة إقليمية قادرة على نسج علاقات متوازنة مع أطراف متعددة، دون تحويل ذلك إلى قطيعة مع أي طرف بعينه. وتُقرأ بعض التحركات، مثل استضافة السعودية ملفات تفاوض دولية كبرى في السنوات الأخيرة، بوصفها امتدادًا لهذا الدور المتنامي.

سيناريوهات مستقبلية: قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد

المدى القصير حتى 2027 يُرجِّح سيناريو توسيع الشراكة العملية من خلال مؤسسات التعاون، مدفوعًا بزخم عام المئوية، وبإشارات رسمية روسية إلى الثقة واعتبار السعودية شريكًا إستراتيجيًّا في المنطقة، وبحزمة تيسير الحركة التي تقلل كلف التواصل الاقتصادي. الفرصة هنا تكمن في تحويل منتدى سانت بطرسبورغ (2026) إلى منصة لإطلاق محافظ مشروعات ذات جداول زمنية واضحة. أما الأخطار فتتمثل في تقلبات أسعار النفط، وتوترات الإقليم التي قد ترفع كلفة الاستثمار، وتؤجل قرارات القطاع الخاص.

المدى المتوسط حتى 2032 (أفق مفصلي لأنه يلامس ذروة تنفيذ رؤية 2030) يفتح سيناريو التكامل في سلاسل القيمة إذا تم التركيز على الصناعة، واللوجستيات، والطاقة المتجددة، والابتكار. هنا تصبح الشراكة أكثر استدامة عندما تُقاس بعدد المصانع المشتركة، وحجم التوطين التقني، وحجم التبادل غير النفطي، لا بعدد اللقاءات السياسية. الأخطار في هذا المسار مرتبطة بتعقيدات التمويل والحوكمة، وتباين الأنظمة التنظيمية، إضافةً إلى أثر العقوبات والقيود المصرفية المحتملة على تحويلات الاستثمار والتأمين والشحن، وهي عوامل قد لا تظهر في الخطاب السياسي، لكنها تؤثر في قابلية التنفيذ.

المدى الطويل بعد 2032 يمكن تلخيصه في سيناريوهين متناقضين: إما إستراتيجية مشتركة تعيد تعريف العلاقة بوصفها شراكة تنمية وأمن اقتصادي (طاقة وغذاء وتقنية وبنى تحتية)، وإما عودة إلى البراغماتية الضيقة إذا تعمقت تحولات الطاقة عالميًّا وتراجعت مركزية النفط دون أن تُبنى بدائل مشتركة. في السيناريو الإيجابي، يصبح الملف النووي السلمي، والتحلية، والطاقة النظيفة، ومراكز البيانات والتقنيات الصناعية مجالات رافعة. وفي السيناريو السلبي، تعود العلاقة إلى التماسك فقط عندما تفرض الأسعار ذلك، وتفقد قدرتها على إنتاج مشروعات عابرة للدورات.

الاستنتاجات

إن العلاقات الروسية- السعودية وصلت إلى نقطة مفصلية: إما أن تتحول إلى شراكة متعددة المسارات قوامها الصناعة والتقنية والأمن الغذائي إلى جانب الطاقة، وإما أن تبقى رهينة منطق التنسيق النفطي الذي ينجح حينًا ويتعثر حين تتغير شروط السوق أو ترتفع الأخطار. عام 2026، بما يحمله من رمزية المئوية، ومن منصة منتدى سانت بطرسبورغ، يتيح فرصة لإعادة صياغة العلاقة على أساس إستراتيجية مشتركة معلنة، أو شبه معلنة، تتضمن مشروعات محددة ومعايير قياس.

لتحويل الفرصة إلى مسار عملي، تُقترح خطوات سياسية- اقتصادية محددة:

 1- اعتماد محفظة مشروعات ثنائية تُصنف إلى مشروعات سريعة الأثر (تسهيل تجارة، وخدمات، ولوجستيات)، ومشروعات متوسطة الأجل (تصنيع، وبتروكيماويات، وتقنية)، ومشروعات طويلة الأجل (نووي سلمي، وتحلية، وسلاسل قيمة متقدمة).

2- إنشاء آلية متابعة تنفيذية مرتبطة باللجنة الحكومية المشتركة، تُعلن مؤشرات ربع سنوية أو نصف سنوية للتقدم (لا الاكتفاء بالمذكرات).

3- توسيع دور القطاع الخاص من خلال أدوات ضمان ائتماني، وتأمين مخاطر، وتسهيلات تمويل تجاري؛ لأن اختلال الميزان التجاري الحالي لا يُعالج بالخطاب السياسي؛ بل بتوسيع قاعدة الإنتاج المشترك.

4- ربط المشروعات بأولويات رؤية 2030 وبرامج الصناعة واللوجستيات وسلاسل الإمداد، بحيث تُقاس الشراكة بمخرجات داخل الاقتصاد السعودي، وبقدرتها على جذب شركاء وأسواق ثالثة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع