مقالات المركز

بين الكلفة والعائد.. هل تنجح مصر والسعودية في إعادة ضبط النفوذ التركي؟


  • 14 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: turkpress

جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ومصر في الثالث والرابع من فبراير (شباط) الجاري في سياق إقليمي متشابك يتسم بتقلب التحالفات، وتنامي حدة المنافسة في شرق المتوسط وشمال إفريقيا والبحر الأحمر،  لتعكس هذه الجولة إدراكًا تركيًا متزايدًا بحاجة أنقرة إلى إعادة ضبط علاقاتها مع القوى الإقليمية المحورية، في وقت تسعى فيه مصر والسعودية إلى ترسيخ مواقفهما بوصفهما لاعبين قادرين على إدارة النفوذ الإقليمي، حيث تحمل تلك الزيارة دلالات مزدوجة ترتبط برغبة إقليمية مشتركة في تحجيم مصادر التوتر المحتملة، وفي الوقت نفسه اختبار قدرة تركيا على الانخراط في شبكة مصالح متعددة الأطراف دون المساس باستقلالية القرار الوطني لمصر والسعودية، ما يجعلها حدثًا مفصليًّا لفهم التحولات الإستراتيجية المقبلة في المنطقة. وفي ضوء هذا تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية تتمثل في: إلى أي مدى يمكن لتلك الجولة أن تُترجم إلى مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية ملموسة لمصر والسعودية؟ وما نطاق الأخطار المحتملة لا سيما فيما يتعلق بإدارة النفوذ التركي وتأثير ذلك في توازنات القوى بشرق المتوسط والبحر الأحمر؟ وكيف يمكن للقاهرة والرياض توظيف الأدوات التركية لتعزيز موقعهما الإقليمي أمام القوى الكبرى دون الدخول في سلسلة صدامات جديدة؟

الاعتبارات الإقليمية والدولية للجولة التركية

ترسل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ومصر رسالة مباشرة إلى واشنطن وبروكسل بأن تركيا لا تزال قادرة على إدارة علاقاتها الإقليمية ببراغماتية، وأن مصر والسعودية قادرتان على الاحتواء وإعادة التوازن، مما يقلل أي فجوة استراتيجية يمكن أن تستغلها قوى خارجية، ومؤشرًا على إعادة ضبط التحالفات الإقليمية، مع تأكيد قدرة اللاعبين الرئيسين على إدارة النفوذ التركي دون السماح له بتجاوز مصالحهم الوطنية، وفي هذا السياق، تشير الزيارة إلى مرحلة جديدة من السياسات المتعددة الأبعاد والتوازنات المعقدة، حيث يصبح اللاعب الإقليمي المهيمن ليس بالضرورة الأقوى عسكريًّا أو اقتصاديًّا فقط؛ بل الأكثر قدرة على إدارة شبكة مصالح متداخلة بين القوى الإقليمية والدولية، فكون تركيا قوة إقليمية متوسطة، قادرة على التفاوض ضمن شبكة توازنات إقليمية معقدة بدون تصعيد مباشر،  يثبت للغرب أنها فاعل يمكن إدماجه ضمن مشروعات استقرار إقليمي محددة، خاصةً  في شرق المتوسط وممرات الطاقة العابرة، في حين تُقرأ الزيارة  في موسكو وبكين على أنها إشارة إلى إعادة توزيع الأدوار الإقليمية، حيث تتقارب تركيا مع الخصوم السابقين على نحو براغماتي، ما قد يحد قدرتها على الانخراط في أدوار تصادمية ضد المصالح الروسية أو الصينية في الشرق الأوسط أو إفريقيا، كذلك تعكس الدبلوماسية السعودية المصرية المنضبطة قدرتهما على تأطير النفوذ التركي ضمن مصالح مشتركة، دون الاعتماد على تحالفات خارجية، ما يقلل من احتمالات التوترات العابرة للحدود التي قد تؤثر في مصالح موسكو وبكين بالشرق الأوسط.

فيما تُظهر زيارة أردوغان لإيران أن هناك منافسة إقليمية جديدة تتسم بالبراغماتية، تركيا لم تعد تعتمد على أدوات الصدام المباشر، والسعودية ومصر تديران العلاقة بحذر، ما قد يقلل قدرة طهران على استغلال الخلافات التركية السعودية أو التركية المصرية لتوسيع نفوذها في الخليج أو شرق المتوسط. فضلًا عن هذا، ترسل الزيارة إشارة إلى إسرائيل والإمارات بأن الديناميات التقليدية للخصومة قد تتغير، فالتحرك التركي تجاه السعودية ومصر يحتم على أبو ظبي وتل أبيب إعادة تقييم أدوات نفوذهما في المنطقة.

ومن منظور إستراتيجي، تؤسس زيارة أردوغان منعطفًا جديدًا، حيث تعيد شبكات الربط واللوجستيات العابرة للحدود صياغة نفوذ القوى التقليدية، إذ تطمح تركيا إلى  إدماج نفسها في هذه الشبكات، في حين تتحكم مصر والسعودية في المسارات الحاسمة  من خلال قناة السويس والمواني السعودية. هذه الديناميكية تؤكد أن التوازن الإقليمي لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية أو النفوذ السياسي؛ بل على القدرة على إدارة خرائط العبور التجاري والطاقة على نحو مشترك، مع الحد من أي محاولة لتجاوز العقد الإستراتيجية، حيث تكشف الترتيبات الأخيرة أن السعودية ومصر تستطيعان دمج تركيا ضمن ترتيبات أمنية محدودة في البحر الأحمر وممرات الشحن الحيوية، ما يقلل احتمالات أي تصعيد أو منافسة محتدمة، ويجعل تركيا شريكًا وظيفيًّا في الملفات الأمنية الحساسة.

بالإضافة إلى هذا، تعكس الجولة التركية طورًا جديدًا من التعددية الإستراتيجية، فالقوى الكبرى لم تعد وحدها من تحدد قواعد اللعبة؛ وإنما اللاعبون الإقليميون متوسطو القوى، مثل تركيا، يمكن إدماجهم ضمن أطر توازن دقيقة، وتنسيق إقليمي من مصر والسعودية لإدارة ديناميات هذا التفاعل في شرق المتوسط وشمال إفريقيا والخليج، بما يعكس نضجًا إستراتيجيًّا متناميًا، ويخلق استقرارًا جزئيًّا قائمًا على المصالح المشتركة، ما يحد من الأدوار الاستفزازية أو التدخلات الخارجية الاندفاعية في المنطقة.

المكاسب المصرية من الزيارة التركية

  • تعزيز الموقع المصري كعقدة مركزية في خرائط الربط الإقليمي: تمثل الزيارة التركية اعترافًا ضمنيًّا بالدور المصري بوصفه عقدة لا غنى عنها في خرائط العبور والربط الجديدة في شرق المتوسط والبحر الأحمر، فالقاهرة، بما تمتلكه من شبكة تجارة  وطاقة دولية عبر قناة السويس وبنية موانٍ متطورة، وموقع جغرافي يربط آسيا بإفريقيا وأوروبا، تفرض نفسها كشريك لا يمكن تجاوزه في أي مشروع لوجستي أو تجاري إقليمي واسع، ومن هذا المنطلق، فإن انفتاح أنقرة يعزز المكانة التفاوضية المصرية في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالممرات التجارية والطاقة، ويحد من محاولات التطويق الجغرافي التي سعت بعض القوى إلى ترسيخها خلال السنوات الماضية.
  • ترسيخ القدرات الدفاعية المصرية المتطورة: يتيح التعاون العسكري والأمني المتزايد مع تركيا لمصر جملة من المكاسب الإستراتيجية والعملية التي تعزز قدرتها على إدارة الأمن القومي من خلال توطين التكنولوجيا الدفاعية نتيجة المشاركة المكثفة للشركات التركية في معرض “EDEX 2025”، ما يتيح للقاهرة الوصول إلى أحدث الأنظمة العسكرية وتطوير الصناعات المحلية، بما يدعم الاكتفاء الذاتي في بعض المجالات الدفاعية، كما يمثل افتتاح المكتب التمثيلي لشركة “أسيلسان” في مصر فرصة لتعزيز التعاون المباشر في أنظمة الاتصالات والتحكم والتجهيزات العسكرية، ما يرفع مستوى القدرات التقنية للقوات المسلحة، كما تمنح الاتفاقية العسكرية الإطارية الموقعة خلال زيارة الرئيس التركي لمصر إطارًا مؤسسيًّا للاستفادة من التنسيق الإستراتيجي الطويل الأمد، سواء على صعيد التخطيط المشترك، أو تبادل المعلومات والخبرات. بالإضافة إلى هذا، توفر صفقات التسلح وحزمة التعاون الدفاعي الأخيرة بقيمة 350 مليون دولار، التي تشمل تصدير نظام الدفاع الجوي “TOLGA”، وإنشاء مصانع لإنتاج الذخيرة داخل مصر، تعزيزًا ملموسًا للقدرات التشغيلية والإستراتيجية للقوات المصرية، مع خلق فرص لنقل التكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية محلية تدعم موقع مصر بوصفها قوة إقليمية مؤثرة في الصناعات الدفاعية.
  • تحويل التنافس الجغرافي إلى تكامل وظيفي: لطالما اتسمت العلاقة المصرية التركية في المجال اللوجستي والبحري بطابع تنافسي غير معلن، خاصة فيما يتعلق بالمواني وخطوط التجارة؛ لذا تفتح الزيارة فرصة لتحويل هذا التنافس إلى تكامل وظيفي مدروس، يسمح لمصر بتعظيم الاستفادة من موقعها دون الدخول في سباقات استنزافية، فالتكامل بين المواني المصرية والتركية -في حال إدارته بذكاء- قد يعزز كفاءة سلاسل الإمداد، ويزيد جاذبية مصر بوصفها مركز إعادة تصدير وخدمات لوجستية، دون المساس بدورها السيادي، أو استقلال قرارها الاقتصادي.
  • إعادة ضبط ميزان القوى في شرق المتوسط لصالح القاهرة: من المكاسب الإستراتيجية المهمة لمصر أن التقارب مع تركيا يمنحها قدرة أكبر على إدارة توازنات شرق المتوسط من موقع الفاعل المنظم لا الطرف المتلقي، فبدلًا من أن تكون تركيا عنصر اضطراب خارج المنظومة، يتيح الانفتاح المصري المدروس إدخال أنقرة -جزئيًّا- ضمن إطار قواعد أكثر انضباطًا؛ ما يقلل احتمالات التصعيد الإقليمي، ويمنح القاهرة هامش مناورة أوسع في ملفات ترسيم الحدود والطاقة والأمن البحري؛ وبذلك تتحول مصر من دولة تواجه تحديات معقدة إلى دولة قادرة على إعادة هندسة بيئة التفاعلات في المنطقة.
  • دعم القدرة المصرية على إدارة ملف الأمن الإقليمي: توفر الزيارة فرصة لمصر لتعزيز دورها بوصفها مرجعية أمنية إقليمية، خاصة في الملفات المتداخلة، مثل ليبيا، وأمن البحر الأحمر، واستقرار شرق المتوسط والقرن الإفريقي، حيث يقلل التواصل المؤسسي مع أنقرة احتمالات الصدام غير المحسوب، ويفتح المجال أمام تنسيق أمني محدود، أو على الأقل تفاهمات ضمنية بشأن خطوط حمراء متبادلة. وهذا المسار لا يعني شراكة أمنية شاملة، بقدر ما يعني تحييد مصادر التوتر التي كانت تستنزف الموارد والجهد السياسي المصري.
  • توطيد الدبلوماسية المصرية: تمنح الزيارة القاهرة مرونة دبلوماسية إضافية في التعامل مع القوى الدولية والإقليمية، فإدارة علاقة متوازنة مع أنقرة، دون الانخراط في تحالفات ملزمة، تعزز صورة مصر بوصفها دولة قادرة على استيعاب التناقضات الإقليمية وإدارتها، وهذا الاتزان الإستراتيجي يرفع قيمة مصر التفاوضية، ويعزز قدرتها على أداء أدوار وساطة، أو تنظيم توازنات في ملفات إقليمية محورية للأمن القومي المصري
  • مكاسب اقتصادية عبر إعادة تشكيل بيئة الاستثمار: مع أن الزيارة لا تُختزل في بعدها الاقتصادي، فإن أحد مكاسبها المباشرة يتمثل في تحسين البيئة الاستثمارية المصرية، فخفض حدة التوترات الإقليمية، وإرسال إشارات استقرار سياسي، يعززان ثقة المستثمرين، خاصة في قطاعات اللوجستيات، والطاقة، والصناعة المرتبطة بالتجارة العابرة. كما أن انفتاح تركيا، بوصفها قوة صناعية كبرى، قد يفتح المجال أمام شراكات انتقائية تخدم أولويات التصنيع المحلي، ونقل الخبرات، دون الإخلال بالاعتبارات السيادية.
  • إدارة الانفتاح مع تركيا دون كلفة سياسية: هذا الانفتاح يتم من موقع القوة دون تقديم تنازلات سياسية أو أيديولوجية، فالقاهرة لم تغير ثوابتها، ولم تُعد صياغة خطابها، بل استقبلت التحرك التركي ضمن إطار متزن يختبر النيات عبر الأفعال، وهذا النهج يسمح لمصر بجني فوائد التقارب دون تحمل كلفة داخلية أو إقليمية، ويعزز مصداقيتها بوصفها دولة مؤسسات لا تتأثر بتقلبات البيئة الإقليمية والدولية.

المكاسب السعودية من الزيارة التركية

  • تعزيز موقع السعودية بوصفها مرجعًا إقليميًّا متوازنًا: تتيح الزيارة للسعودية فرصة لترسيخ الرياض بوصفها محورًا دبلوماسيًّا وإستراتيجيًّا متوازنًا قادرًا على إدارة العلاقات مع القوى الإقليمية الصاعدة والمتوسطة، فالتقارب مع تركيا، بعد سنوات من التوتر والتنافس، يمنح الرياض القدرة على إظهار سياسات الانفتاح المنضبط، والتفاوض المتعدد الأبعاد، وهو ما يعزز مركزها أمام شركاء إقليميين ودوليين على حد سواء، ويزيد مصداقيتها في قيادة مشروعات استقرار إقليمي في إفريقيا والشرق الأوسط.
  • تحويل الخصوم السابقين إلى شركاء وظيفيين: تمثل الزيارة فرصة للسعودية لإعادة تعريف علاقتها مع تركيا من خصم محتمل إلى شريك وظيفي في ملفات محددة، مثل أمن الملاحة في البحر الأحمر، والطموح التركي في الصومال والسودان، واستقرار منطقة الخليج، فضلًا عن تنسيق جهود مكافحة الإرهاب العابرة للحدود. وهذا التحول يسمح للرياض بالاستفادة من قدرات تركيا الإقليمية دون المساس بالمصالح السيادية للسعودية، ويحول خصمًا قديمًا إلى عنصر تعزيز إستراتيجي؛ ما يقلل احتمالات الصدام ويزيد قدرة السعودية على إدارة بيئة إقليمية متقلبة.
  • الفرص الاقتصادية والتجارية: تتيح الزيارة للسعودية توسيع آفاق التعاون التجاري والاستثماري مع تركيا، لا سيما في قطاعات البنية التحتية، والنقل واللوجستيات، والطاقة والصناعة التحويلية، حيث يسمح الانفتاح التركي على الرياض ببناء شراكات وظيفية مربحة، دون أن يلتزم أي طرف بتقديم تنازلات إستراتيجية كبيرة، ويعزز قدرة السعودية على تنويع خياراتها الاقتصادية، وتوسيع شبكات الربط التجارية العابرة للحدود مع الدول الأوروبية.
  • دعم القدرات الدفاعية السعودية: تشهد مقاربة الرياض تحولًا نوعيًّا لشراكاتها الدفاعية، فقد تجاوزت العلاقات الثنائية إطار صفقات التسليح التقليدية نحو نمط أكثر تركيبًا يقوم على الاستثمار المشترك، ونقل التكنولوجيا، والانخراط في مشروعات صناعات دفاعية متقدمة، وفي مقدمتها التعاون في مجال الطائرات المسيرة والمقاتلات من الجيل الخامس KAAN، ويخدم هذا التوجه أهداف السعودية الإستراتيجية المرتبطة برؤية 2030، ولا سيما توطين ما لا يقل عن 50% من الإنفاق العسكري، وبناء قاعدة صناعية دفاعية محلية تقلل الاعتماد الخارجي، وتعزز الاستقلالية الإستراتيجية. كما يتيح التقارب مع أنقرة تنويع مصادر التسليح، وتوسيع هامش المناورة الإستراتيجية للرياض في بيئة إقليمية متغيرة، بما يعزز قدرتها على إدارة توازنات الردع والأمن في محيطها الجيوسياسي.
  • تعزيز الأمن البحري واللوجستي: تمثل تركيا شريكًا محوريًّا على صعيد الأمن البحري واللوجستي، خاصة في البحر الأحمر وممراته الحيوية؛ لذا تتيح الزيارة للرياض فرصة إدماج أنقرة ضمن الترتيبات الأمنية غير الرسمية، بما يحد أي تهديدات محتملة لمسارات الشحن والطاقة، ويتيح تنسيقًا عمليًّا في مجالات تأمين خطوط الملاحة، ومكافحة القرصنة والتهريب، وتنظيم حركة التجارة العابرة للمواني الإستراتيجية؛ ما يرفع مستوى الأمن البحري السعودي ويعزز دوره بوصفه حارسًا لمصالح حيوية في المنطقة.
  • دعم الثقة الإقليمية والدولية بالسعودية: تكشف زيارة أردوغان أن السعودية قادرة على قيادة ديناميكية إقليمية متوازنة، تجمع بين القوة الاقتصادية والسياسية والقدرة على الحوار مع القوى الإقليمية الصاعدة؛ ما يعزز مكانة الرياض في المفاوضات الدولية، ويمكّنها من تقديم نفسها بوصفها لاعبًا مركزيًّا لا يتقيد بتوجه أيديولوجي محدد، بل بالبراغماتية الواقعية؛ ما يزيد قدرتها على صياغة التحالفات المتعددة الأقطاب.
  • توسيع هامش المناورة أمام التحديات الإقليمية: تمنح الزيارة السعودية مساحة أكبر لإدارة ملفات حساسة متعددة في الوقت نفسه على غرار التوترات الخليجية الداخلية والديناميات في اليمن وليبيا، ومستقبل القضية الفلسطينية، ومسار التطبيع مع إسرائيل، حيث يمكن للرياض استخدام العلاقة مع أنقرة كأداة تحييد أو تهدئة محتملة للصراعات، وإدارة التوازنات على نحو أكثر مرونة، مما يحافظ على قدرتها على المبادرة الإستراتيجية دون التعرض لضغوط مباشرة على قرارها السيادي.

المقاربة المصرية لإدارة أخطار الانفتاح على تركيا

لعل أحد أبرز المحاذير التي ينبغي لمصر أخذها في الحسبان من جراء تقاربها مع تركيا يتمثل في الفجوة بين الخطاب التركي والسياسة الخارجية؛ فخلال العقد الماضي تبنت أنقرة خطابًا تصالحيًّا براغماتيًّا في مراحل معينة، دون أن يواكبه بالضرورة تغيير جوهري في السياسات على الأرض؛ ومن ثم فإن الزيارة الأخيرة -رغم دلالتها السياسية- لا تمثل في ذاتها ضمانة لتحول إستراتيجي مستدام؛ ما يفرض على القاهرة اعتماد مقاربة اختبار النيات من خلال الملفات العملية، لا الاكتفاء بالتصريحات أو الرمزية الدبلوماسية.

وفي هذا الصدد، يمثل التقارب خطرًا محتملًا يتمثل في إعادة تموضع النفوذ التركي في الإقليم بأساليب أقل حدة؛ فبدلًا من التدخل المباشر، أو الخطاب التصادمي، قد تسعى أنقرة إلى استخدام أدوات اقتصادية أو لوجستية أو أمنية غير مباشرة لتعزيز حضورها في مناطق تمس المصالح المصرية، خاصة في شرق إفريقيا؛ ما يستدعي حذرًا مصريًا مضاعفًا؛ لأن النفوذ الناعم قد يكون أقل وضوحًا وأكثر صعوبة في الاحتواء مقارنة بالتحركات الصلبة.

ويظل الملف الليبي أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية التركية، وأحد أبرز مصادر القلق الإستراتيجي؛ فرغم مؤشرات التهدئة، لا تزال الرؤى المصرية والتركية متباينة بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في ليبيا، فالزيارة قد تفتح مسار حوار، لكنها لا تلغي احتمال عودة التباين إذا ما تعارضت المصالح؛ ومن ثم فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب من القاهرة الحفاظ على خطوطها الحمراء بوضوح، وعدم ربط التقدم في العلاقات الثنائية بتنازلات في ساحات تمس الأمن القومي المصري.

ومع أن التقارب قد يسهم في خفض التوتر الإقليمي، فإنه قد يفرض على مصر تعقيدات إضافية في إدارة شبكة علاقاتها، فالقاهرة ترتبط بتفاهمات وتحالفات قائمة مع أطراف إقليمية ودولية أخرى، وأي انفتاح غير محسوب على أنقرة قد يُقرأ -ولو جزئيًّا- بوصفه إعادة تموضع؛ ما قد يؤثر في هذه الترتيبات؛ ومن ثم فإن التحدي يكمن في تحقيق انفتاح انتقائي لا يُخل بالتوازنات القائمة، ولا يثير حفيظة الشركاء التقليديين.

وبالإضافة إلى هذا، يشكل البعد الاقتصادي أحد مسارات التقارب، لكنه في الوقت نفسه يمثل مصدر حذر؛ فالتاريخ التركي يشير إلى أن أنقرة قد تلجأ في لحظات التوتر إلى تسيس التعاون الاقتصادي، أو استخدامه كورقة ضغط. أما فيما يتعلق بمصر، فإن أي اندماج غير مدروس في مشروعات لوجستية أو صناعية مشتركة قد يخلق نقاط اعتماد متبادل غير متكافئة؛ ما يتطلب تصميم شراكات تحافظ على الاستقلالية المصرية، وتمنع تحول المصالح الاقتصادية إلى أدوات تأثير سياسي.

ومن منظور الجغرافيا السياسية، يحمل التقارب خطرًا يتمثل في اختزال الدور المصري في مجرد عقدة عبور ضمن شبكات لوجستية أوسع تقودها قوى أخرى؛ فمصر تسعى إلى أن تكون مركز قيمة مضافة لا مجرد ممر؛ لذا  فأي شراكة مع تركيا في هذا المجال ينبغي أن تضمن نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وتعزيز القدرات المحلية، لا الاكتفاء بدور تسهيلي قد يقيد خيارات القاهرة المستقبلية.

الخيارات السعودية في التقارب مع تركيا

تتخوف السعودية من إمكانية ربط المصالح الاقتصادية أو اللوجستية بمصالح تركية غير مستقرة؛ فتركيا، رغم التحولات الإيجابية الرمزية، قد تتأثر بضغوط داخلية، أو تقلبات اقتصادية تؤثر في التزاماتها؛ ومن ثم فإن أي تقارب متسرع أو غير محسوب قد يقلص هامش المناورة الإستراتيجية للرياض إذا ما اعتُمد على تركيا في ملفات حساسة أو مشروعات محورية قبل اختبار الالتزامات العملية، لا سيما في ظل امتلاك تركيا أدوات نفوذ متزايدة في مجالات البنية التحتية، والنقل البحري واللوجستي، والتعاون الصناعي والاقتصادي، وقد يُستغل هذا النفوذ لاحقًا كوسيلة ضغط أو تسعير سياسي في ملفات إقليمية، مثل القرن الإفريقي، أو شرق المتوسط، أو حركة الشحن في البحر الأحمر؛ لذا يتعين على السعودية وضع آليات ضمان ومراقبة دقيقة قبل الدخول في شراكات إستراتيجية قد تصبح لاحقًا نقاط ضعف محتملة.

ورغم مؤشرات التهدئة، تحمل زيارة أردوغان خطر إحياء الخلافات السابقة، سواء على الصعيد الإعلامي، أو دعم فواعل إقليمية، أو سياسات متقاربة مع أطراف ثالثة، فإعادة إدماج تركيا في شبكة العلاقات السعودية قد تؤدي إلى تكرار تصادم مصالح جزئي، أو خلق صراعات غير مباشرة؛ ما يستدعي وضع خطوط حمراء واضحة، وإطار تنسيق محدد، خاصة أن أي تحرك سعودي تركي -ولو كان براغماتيًّا- قد يُفسر داخليًّا أو إقليميًّا على أنه تنازل عن موقف مبدئي، أو ضعف في مواجهة النفوذ التركي السابق، وهذا الانطباع قد تستغله إعلاميًّا القوى المنافسة للسعودية للتأثير في الرأي العام الداخلي.

ويضيف الانفتاح مع تركيا بعدًا جديدًا في إدارة التحالفات الإقليمية، خاصةً مع إيران ومصر والإمارات وإسرائيل، وكلها قوى مرتبطة بتوازنات دقيقة في شرق المتوسط والخليج؛ لذا فإن أي خطأ في إدارة العلاقة مع أنقرة قد يؤدي إلى إرباك السياسة السعودية، أو فرض اختيارات صعبة في ملفات إقليمية متشابكة، ومثل أي تحرك دبلوماسي، يمكن أن يؤدي الانفتاح مع تركيا إلى رفع سقف التوقعات الداخلية والخارجية بشأن سرعة نتائج التقارب أو عمق التعاون، وهذا قد يخلق لاحقًا إحباطًا إذا لم تُترجم الزيارة إلى إنجازات ملموسة، لا سيما مع احتمالية دخول العلاقات العسكرية التركية السعودية مرحلة شراكة إستراتيجية في حال موافقة تركيا على تدشين حلف دفاعي مع السعودية وباكستان.

وختامًا، تمثل زيارة الرئيس التركي إلى السعودية ومصر في فبراير (شباط) 2026 تحركًا إستراتيجيًّا متعدد الأبعاد، يعكس تغير ديناميات القوة الإقليمية، حيث تشكل مؤشرًا على التعددية الإستراتيجية المتنامية في الشرق الأوسط، مع اختبار مدى استعداد أنقرة للانخراط في علاقات براغماتية محددة ضمن إطار مصالح مشترك، وهذه الديناميكية تكشف دور  اللاعبين الإقليميين في رسم معالم مرحلة جديدة تتميز باستثمار المتغيرات الراهنة لتعظيم المكاسب الوطنية، مع الحفاظ على استقلالية القرار، واستقرار البيئة الإقليمية؛ لذلك تفرض المقاربة المثلى لمصر والسعودية تجاه تركيا -على المدى المنظور- إدارة الانفتاح بهدوء وبوتيرة محسوبة، وإدراك إستراتيجي لتعقيد السلوك التركي، وتعدد أدواته، وضبط هذا المسار بميزان دقيق يوازن بين الاستفادة من الفرص وتحييد الأخطار وربط أي تعاون بنتائج ملموسة تخدم المصالح المصرية والسعودية الطويلة الأمد.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع