
جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ومصر في الثالث والرابع من فبراير (شباط) الجاري في سياق إقليمي متشابك يتسم بتقلب التحالفات، وتنامي حدة المنافسة في شرق المتوسط وشمال إفريقيا والبحر الأحمر، لتعكس هذه الجولة إدراكًا تركيًا متزايدًا بحاجة أنقرة إلى إعادة ضبط علاقاتها مع القوى الإقليمية المحورية، في وقت تسعى فيه مصر والسعودية إلى ترسيخ مواقفهما بوصفهما لاعبين قادرين على إدارة النفوذ الإقليمي، حيث تحمل تلك الزيارة دلالات مزدوجة ترتبط برغبة إقليمية مشتركة في تحجيم مصادر التوتر المحتملة، وفي الوقت نفسه اختبار قدرة تركيا على الانخراط في شبكة مصالح متعددة الأطراف دون المساس باستقلالية القرار الوطني لمصر والسعودية، ما يجعلها حدثًا مفصليًّا لفهم التحولات الإستراتيجية المقبلة في المنطقة. وفي ضوء هذا تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية تتمثل في: إلى أي مدى يمكن لتلك الجولة أن تُترجم إلى مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية ملموسة لمصر والسعودية؟ وما نطاق الأخطار المحتملة لا سيما فيما يتعلق بإدارة النفوذ التركي وتأثير ذلك في توازنات القوى بشرق المتوسط والبحر الأحمر؟ وكيف يمكن للقاهرة والرياض توظيف الأدوات التركية لتعزيز موقعهما الإقليمي أمام القوى الكبرى دون الدخول في سلسلة صدامات جديدة؟
ترسل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ومصر رسالة مباشرة إلى واشنطن وبروكسل بأن تركيا لا تزال قادرة على إدارة علاقاتها الإقليمية ببراغماتية، وأن مصر والسعودية قادرتان على الاحتواء وإعادة التوازن، مما يقلل أي فجوة استراتيجية يمكن أن تستغلها قوى خارجية، ومؤشرًا على إعادة ضبط التحالفات الإقليمية، مع تأكيد قدرة اللاعبين الرئيسين على إدارة النفوذ التركي دون السماح له بتجاوز مصالحهم الوطنية، وفي هذا السياق، تشير الزيارة إلى مرحلة جديدة من السياسات المتعددة الأبعاد والتوازنات المعقدة، حيث يصبح اللاعب الإقليمي المهيمن ليس بالضرورة الأقوى عسكريًّا أو اقتصاديًّا فقط؛ بل الأكثر قدرة على إدارة شبكة مصالح متداخلة بين القوى الإقليمية والدولية، فكون تركيا قوة إقليمية متوسطة، قادرة على التفاوض ضمن شبكة توازنات إقليمية معقدة بدون تصعيد مباشر، يثبت للغرب أنها فاعل يمكن إدماجه ضمن مشروعات استقرار إقليمي محددة، خاصةً في شرق المتوسط وممرات الطاقة العابرة، في حين تُقرأ الزيارة في موسكو وبكين على أنها إشارة إلى إعادة توزيع الأدوار الإقليمية، حيث تتقارب تركيا مع الخصوم السابقين على نحو براغماتي، ما قد يحد قدرتها على الانخراط في أدوار تصادمية ضد المصالح الروسية أو الصينية في الشرق الأوسط أو إفريقيا، كذلك تعكس الدبلوماسية السعودية المصرية المنضبطة قدرتهما على تأطير النفوذ التركي ضمن مصالح مشتركة، دون الاعتماد على تحالفات خارجية، ما يقلل من احتمالات التوترات العابرة للحدود التي قد تؤثر في مصالح موسكو وبكين بالشرق الأوسط.
فيما تُظهر زيارة أردوغان لإيران أن هناك منافسة إقليمية جديدة تتسم بالبراغماتية، تركيا لم تعد تعتمد على أدوات الصدام المباشر، والسعودية ومصر تديران العلاقة بحذر، ما قد يقلل قدرة طهران على استغلال الخلافات التركية السعودية أو التركية المصرية لتوسيع نفوذها في الخليج أو شرق المتوسط. فضلًا عن هذا، ترسل الزيارة إشارة إلى إسرائيل والإمارات بأن الديناميات التقليدية للخصومة قد تتغير، فالتحرك التركي تجاه السعودية ومصر يحتم على أبو ظبي وتل أبيب إعادة تقييم أدوات نفوذهما في المنطقة.
ومن منظور إستراتيجي، تؤسس زيارة أردوغان منعطفًا جديدًا، حيث تعيد شبكات الربط واللوجستيات العابرة للحدود صياغة نفوذ القوى التقليدية، إذ تطمح تركيا إلى إدماج نفسها في هذه الشبكات، في حين تتحكم مصر والسعودية في المسارات الحاسمة من خلال قناة السويس والمواني السعودية. هذه الديناميكية تؤكد أن التوازن الإقليمي لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية أو النفوذ السياسي؛ بل على القدرة على إدارة خرائط العبور التجاري والطاقة على نحو مشترك، مع الحد من أي محاولة لتجاوز العقد الإستراتيجية، حيث تكشف الترتيبات الأخيرة أن السعودية ومصر تستطيعان دمج تركيا ضمن ترتيبات أمنية محدودة في البحر الأحمر وممرات الشحن الحيوية، ما يقلل احتمالات أي تصعيد أو منافسة محتدمة، ويجعل تركيا شريكًا وظيفيًّا في الملفات الأمنية الحساسة.
بالإضافة إلى هذا، تعكس الجولة التركية طورًا جديدًا من التعددية الإستراتيجية، فالقوى الكبرى لم تعد وحدها من تحدد قواعد اللعبة؛ وإنما اللاعبون الإقليميون متوسطو القوى، مثل تركيا، يمكن إدماجهم ضمن أطر توازن دقيقة، وتنسيق إقليمي من مصر والسعودية لإدارة ديناميات هذا التفاعل في شرق المتوسط وشمال إفريقيا والخليج، بما يعكس نضجًا إستراتيجيًّا متناميًا، ويخلق استقرارًا جزئيًّا قائمًا على المصالح المشتركة، ما يحد من الأدوار الاستفزازية أو التدخلات الخارجية الاندفاعية في المنطقة.
لعل أحد أبرز المحاذير التي ينبغي لمصر أخذها في الحسبان من جراء تقاربها مع تركيا يتمثل في الفجوة بين الخطاب التركي والسياسة الخارجية؛ فخلال العقد الماضي تبنت أنقرة خطابًا تصالحيًّا براغماتيًّا في مراحل معينة، دون أن يواكبه بالضرورة تغيير جوهري في السياسات على الأرض؛ ومن ثم فإن الزيارة الأخيرة -رغم دلالتها السياسية- لا تمثل في ذاتها ضمانة لتحول إستراتيجي مستدام؛ ما يفرض على القاهرة اعتماد مقاربة اختبار النيات من خلال الملفات العملية، لا الاكتفاء بالتصريحات أو الرمزية الدبلوماسية.
وفي هذا الصدد، يمثل التقارب خطرًا محتملًا يتمثل في إعادة تموضع النفوذ التركي في الإقليم بأساليب أقل حدة؛ فبدلًا من التدخل المباشر، أو الخطاب التصادمي، قد تسعى أنقرة إلى استخدام أدوات اقتصادية أو لوجستية أو أمنية غير مباشرة لتعزيز حضورها في مناطق تمس المصالح المصرية، خاصة في شرق إفريقيا؛ ما يستدعي حذرًا مصريًا مضاعفًا؛ لأن النفوذ الناعم قد يكون أقل وضوحًا وأكثر صعوبة في الاحتواء مقارنة بالتحركات الصلبة.
ويظل الملف الليبي أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية التركية، وأحد أبرز مصادر القلق الإستراتيجي؛ فرغم مؤشرات التهدئة، لا تزال الرؤى المصرية والتركية متباينة بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في ليبيا، فالزيارة قد تفتح مسار حوار، لكنها لا تلغي احتمال عودة التباين إذا ما تعارضت المصالح؛ ومن ثم فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب من القاهرة الحفاظ على خطوطها الحمراء بوضوح، وعدم ربط التقدم في العلاقات الثنائية بتنازلات في ساحات تمس الأمن القومي المصري.
ومع أن التقارب قد يسهم في خفض التوتر الإقليمي، فإنه قد يفرض على مصر تعقيدات إضافية في إدارة شبكة علاقاتها، فالقاهرة ترتبط بتفاهمات وتحالفات قائمة مع أطراف إقليمية ودولية أخرى، وأي انفتاح غير محسوب على أنقرة قد يُقرأ -ولو جزئيًّا- بوصفه إعادة تموضع؛ ما قد يؤثر في هذه الترتيبات؛ ومن ثم فإن التحدي يكمن في تحقيق انفتاح انتقائي لا يُخل بالتوازنات القائمة، ولا يثير حفيظة الشركاء التقليديين.
وبالإضافة إلى هذا، يشكل البعد الاقتصادي أحد مسارات التقارب، لكنه في الوقت نفسه يمثل مصدر حذر؛ فالتاريخ التركي يشير إلى أن أنقرة قد تلجأ في لحظات التوتر إلى تسيس التعاون الاقتصادي، أو استخدامه كورقة ضغط. أما فيما يتعلق بمصر، فإن أي اندماج غير مدروس في مشروعات لوجستية أو صناعية مشتركة قد يخلق نقاط اعتماد متبادل غير متكافئة؛ ما يتطلب تصميم شراكات تحافظ على الاستقلالية المصرية، وتمنع تحول المصالح الاقتصادية إلى أدوات تأثير سياسي.
ومن منظور الجغرافيا السياسية، يحمل التقارب خطرًا يتمثل في اختزال الدور المصري في مجرد عقدة عبور ضمن شبكات لوجستية أوسع تقودها قوى أخرى؛ فمصر تسعى إلى أن تكون مركز قيمة مضافة لا مجرد ممر؛ لذا فأي شراكة مع تركيا في هذا المجال ينبغي أن تضمن نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وتعزيز القدرات المحلية، لا الاكتفاء بدور تسهيلي قد يقيد خيارات القاهرة المستقبلية.
تتخوف السعودية من إمكانية ربط المصالح الاقتصادية أو اللوجستية بمصالح تركية غير مستقرة؛ فتركيا، رغم التحولات الإيجابية الرمزية، قد تتأثر بضغوط داخلية، أو تقلبات اقتصادية تؤثر في التزاماتها؛ ومن ثم فإن أي تقارب متسرع أو غير محسوب قد يقلص هامش المناورة الإستراتيجية للرياض إذا ما اعتُمد على تركيا في ملفات حساسة أو مشروعات محورية قبل اختبار الالتزامات العملية، لا سيما في ظل امتلاك تركيا أدوات نفوذ متزايدة في مجالات البنية التحتية، والنقل البحري واللوجستي، والتعاون الصناعي والاقتصادي، وقد يُستغل هذا النفوذ لاحقًا كوسيلة ضغط أو تسعير سياسي في ملفات إقليمية، مثل القرن الإفريقي، أو شرق المتوسط، أو حركة الشحن في البحر الأحمر؛ لذا يتعين على السعودية وضع آليات ضمان ومراقبة دقيقة قبل الدخول في شراكات إستراتيجية قد تصبح لاحقًا نقاط ضعف محتملة.
ورغم مؤشرات التهدئة، تحمل زيارة أردوغان خطر إحياء الخلافات السابقة، سواء على الصعيد الإعلامي، أو دعم فواعل إقليمية، أو سياسات متقاربة مع أطراف ثالثة، فإعادة إدماج تركيا في شبكة العلاقات السعودية قد تؤدي إلى تكرار تصادم مصالح جزئي، أو خلق صراعات غير مباشرة؛ ما يستدعي وضع خطوط حمراء واضحة، وإطار تنسيق محدد، خاصة أن أي تحرك سعودي تركي -ولو كان براغماتيًّا- قد يُفسر داخليًّا أو إقليميًّا على أنه تنازل عن موقف مبدئي، أو ضعف في مواجهة النفوذ التركي السابق، وهذا الانطباع قد تستغله إعلاميًّا القوى المنافسة للسعودية للتأثير في الرأي العام الداخلي.
ويضيف الانفتاح مع تركيا بعدًا جديدًا في إدارة التحالفات الإقليمية، خاصةً مع إيران ومصر والإمارات وإسرائيل، وكلها قوى مرتبطة بتوازنات دقيقة في شرق المتوسط والخليج؛ لذا فإن أي خطأ في إدارة العلاقة مع أنقرة قد يؤدي إلى إرباك السياسة السعودية، أو فرض اختيارات صعبة في ملفات إقليمية متشابكة، ومثل أي تحرك دبلوماسي، يمكن أن يؤدي الانفتاح مع تركيا إلى رفع سقف التوقعات الداخلية والخارجية بشأن سرعة نتائج التقارب أو عمق التعاون، وهذا قد يخلق لاحقًا إحباطًا إذا لم تُترجم الزيارة إلى إنجازات ملموسة، لا سيما مع احتمالية دخول العلاقات العسكرية التركية السعودية مرحلة شراكة إستراتيجية في حال موافقة تركيا على تدشين حلف دفاعي مع السعودية وباكستان.
وختامًا، تمثل زيارة الرئيس التركي إلى السعودية ومصر في فبراير (شباط) 2026 تحركًا إستراتيجيًّا متعدد الأبعاد، يعكس تغير ديناميات القوة الإقليمية، حيث تشكل مؤشرًا على التعددية الإستراتيجية المتنامية في الشرق الأوسط، مع اختبار مدى استعداد أنقرة للانخراط في علاقات براغماتية محددة ضمن إطار مصالح مشترك، وهذه الديناميكية تكشف دور اللاعبين الإقليميين في رسم معالم مرحلة جديدة تتميز باستثمار المتغيرات الراهنة لتعظيم المكاسب الوطنية، مع الحفاظ على استقلالية القرار، واستقرار البيئة الإقليمية؛ لذلك تفرض المقاربة المثلى لمصر والسعودية تجاه تركيا -على المدى المنظور- إدارة الانفتاح بهدوء وبوتيرة محسوبة، وإدراك إستراتيجي لتعقيد السلوك التركي، وتعدد أدواته، وضبط هذا المسار بميزان دقيق يوازن بين الاستفادة من الفرص وتحييد الأخطار وربط أي تعاون بنتائج ملموسة تخدم المصالح المصرية والسعودية الطويلة الأمد.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير