القضايا الاقتصاديةمقالات المركز

بنجلاديش والتداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران


  • 10 مارس 2026

شارك الموضوع

يعتمد اقتصاد بنجلاديش بشكل أساسي على الصناعات التصديرية والزراعة، ويُعد عرضة للتقلبات في أسواق الطاقة العالمية بسبب نقص موارد الطاقة. في عام 2025، بلغت واردات الطاقة حوالي (10%) من إجمالي الإنفاقات الخارجية، مع استيراد (95%) من الوقود السائل و(35-40%) من الطاقة الأولية بشكل عام. ويمثل الشرق الأوسط، خاصة قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، مصدراً رئيسياً لهذه الواردات؛ حيث يأتي (74.9%) من الغاز الطبيعي المسال من قطر، ومعظم الزيت الخام من السعودية والإمارات. وفي ظل حرب أمريكية-إسرائيلية على إيران، سيؤدي إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل هذه الإمدادات، ما يجعل الاقتصاد البنجلاديشي عرضة لصدمات قد تتسبب في انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى (1-2%) لكل ارتفاع بنسبة (10%) في أسعار الطاقة.

تأتي هذه الصدمة الاقتصادية في مرحلة شهدت فيها بنجلاديش تحولاً سياسياً كبيراً، بدءاً من الانتفاضة الشعبية في يوليو (تموز) 2024 التي أدت إلى إسقاط حكومة شيخ حسينة، زعيمة حزب الرابطة “عوامي”، الذي حكم البلاد لمدة 15 عاماً. عقب ذلك، تشكلت حكومة انتقالية بقيادة محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل، في أغسطس (آب) 2024 لإدارة الفترة الانتقالية والإعداد للانتخابات. وانتهت مهمة هذه الحكومة في 16 فبراير (شباط) 2026، بعد إجراء انتخابات برلمانية عامة في 12 فبراير (شباط) 2026، مصحوبة باستفتاء دستوري على “ميثاق يوليو”، الذي يهدف إلى إدخال إصلاحات دستورية وقانونية لتعزيز الديمقراطية والمساءلة. وكانت هذه الانتخابات الأولى منذ الانتفاضة، وأسفرت عن فوز ساحق للحزب الوطني البنجلاديشي بقيادة طارق رحمن، الذي عاد من المنفى بعد 17 عاماً ليصبح رئيس الوزراء الجديد.

ورثت الحكومة الجديدة بلداً يضم أكثر من 170 مليون نسمة، ويواجه تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة ومعقدة، مثل ارتفاع معدلات الفقر إلى (22.9%) في عام 2025، وفقاً لتقارير البنك الدولي، مع زيادة متوقعة في الفقر المدقع إلى (9.3%). وهو ما يجعل الصدمة في أسعار الطاقة عاملاً يفاقم هذه التحديات، خاصة مع اعتماد البلاد على التحويلات المالية من العمال في الشرق الأوسط، الذين يشكلون مصدراً رئيسياً للموازنة. لذلك سيكون الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، سواء نتيجة مخاطر التأمين أو الضربات العسكرية، ضربة اقتصادية قاسية لبنجلاديش.

ستشهد بنجلاديش، مع ارتفاع أسعار النفط إلى ما بين (80-200) دولار للبرميل في حال استمرار التعطيل لأكثر من شهر، نقصاً في الإمدادات، وسيؤدي ذلك إلى تقنين الوقود كما حدث في أزمات سابقة. وبالفعل أدت التوترات الحالية إلى تعليق شحنات من قطر، مما رفع أسعار الغاز الطبيعي المسال إلى أكثر من (20) دولاراً لكل مليون وحدة حرارية. ويؤثر هذا الارتفاع مباشرة على توليد الكهرباء، حيث تعتمد (40%) من الطاقة على الغاز المستورد، مما يؤدي إلى انقطاعات في الكهرباء وإغلاق مصانع الأسمدة.

ومن المتوقع أن يمتد تأثير الحرب إلى القطاعات الرئيسية في اقتصاد بنجلاديش، بدءاً من صناعة الملابس الجاهزة التي يعمل بها نحو 4 ملايين شخص، معظمهم من النساء. وتشكل هذه الصناعة (30%) من الناتج المحلي الإجمالي، وتعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة لتشغيل الآلات وعمليات النقل، وقد تشهد ارتفاعاً في التكاليف بنسبة (10-15%)، مما يقلل القدرة التنافسية مقابل منافسين مثل فيتنام. وقد يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى إغلاق بعض المصانع، مما يزيد البطالة بنسبة (5-7%)، كما حدث في أزمة الطاقة عام 2022.

وفي القطاع الزراعي، الذي يعتمد على الأسمدة والري، سيؤدي نقص الغاز إلى انخفاض الإنتاج بنسبة (5-7%). أما قطاع الخدمات، بما في ذلك النقل والسياحة، فسيتعرض لضغوط نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود الجوي والبري، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة رسوم الشحن وانخفاض النشاط السياحي. كما ستكون التجارة الخارجية لبنجلاديش عرضة لاضطرابات حادة في حال إغلاق مضيق هرمز. وستؤدي زيادة تكاليف الشحن والتأمين إلى تأخير الصادرات، ما يحمل الموازنة عبئاً إضافياً قد يصل إلى (5-10%)، خاصة في التجارة المتجهة إلى الأسواق الأوروبية.

كما سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى صدمة تضخمية تتآكل معها القدرة الشرائية للأسر، حيث من المتوقع أن يرتفع التضخم بنسبة (2-3%)، وأن ينخفض الاستهلاك الغذائي لدى الأسر الفقيرة بنسبة (10-15%). ويعيش حوالي 36 مليون شخص تحت خط الفقر في بنجلاديش، أي ما يعادل (21.2%) من السكان وفقاً لتقديرات عام 2025، وستزيد هذه الصدمة من عدد الفقراء المدقعين بنحو (3) ملايين شخص، كما حدث في أزمات سابقة مثل الحرب الروسية-الأوكرانية التي رفعت أسعار السلع الأساسية عالمياً.

أما فقراء الريف، الذين يشكلون غالبية السكان، فسيتأثرون بشكل أكبر بسبب ارتفاع تكاليف الأسمدة والري، وهو ما سيترافق مع انخفاض الإنتاج الزراعي وزيادة أسعار الغذاء. وفي الوقت نفسه، قد يواجه العمال البنجلاديشيون في الشرق الأوسط، الذين يبلغ عددهم نحو (12) مليوناً ويساهمون بنحو (32.8) مليار دولار سنوياً في التحويلات المالية، مخاطر مباشرة. فالحرب، إن طالت، قد تنعكس اقتصادياً على دول المنطقة، ما يعني فقدان الوظائف أو انخفاض الرواتب، مع تقارير عن وفيات وإصابات بين البنجلاديشيين في دول الخليج جراء الضربات الإيرانية.

في ضوء هذه التطورات، سيزيد إغلاق مضيق هرمز من الغضب الشعبي، لاسيما إذا أدى إلى انقطاع واسع في الكهرباء، وهو ما قد يؤثر على نحو (80%) من السكان وقد يمتد تأثيره إلى القطاعين الصحي والتعليمي. وبالفعل بدأت إجراءات تتعلق بتعليق الدراسة وتقليل ساعات عمل مؤسسات الدولة بهدف تقنين استخدام الطاقة. كما أن إغلاق المجال الجوي وترقب الأسواق في الخليج سيعقدان الموقف الداخلي في بنجلاديش، حيث يعتمد نحو (30%) من الشباب المتعلمين على فرص العمل في الخارج، مما قد يؤدي إلى زيادة الهجرة غير الشرعية أو انتشار الجريمة المنظمة. كذلك ستعاني النساء، اللواتي يشكلن نسبة كبيرة من العمال في القطاعات المتضررة مثل صناعة الملابس، من تفاقم التمييز الاقتصادي والاجتماعي، مع انخفاض الدخل الأسري وزيادة حالات العنف المنزلي.

في ظل هذا الظرف الاقتصادي المعقد، قد تواجه الحكومة الجديدة خيارات صعبة: هل تقدم زيادة في دعم الوقود، مما يزيد من العجز المالي الذي بلغ (5%) من الناتج المحلي في عام 2025، أم ترفع الأسعار لتواكب صدمة السوق العالمية، وهو ما قد يؤدي إلى تجدد الاحتجاجات الشعبية، خاصة مع ارتفاع التضخم إلى أكثر من (9%). وفي الوقت نفسه، ستزيد فاتورة الاستيراد بنسبة (20%) بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، مما يوسع العجز التجاري الذي بلغ (20) مليار دولار في عام 2025. وسيضغط ذلك على الاحتياطيات الأجنبية التي انخفضت إلى نحو (30) مليار دولار، مما قد يؤدي إلى أزمة في العملة الأجنبية وانخفاض قيمة العملة بنسبة (10-15%). بالإضافة إلى ذلك، قد تنخفض التحويلات المالية من العمال في الشرق الأوسط بنسبة (10%)، مما يعمق الضغوط على ميزان المدفوعات. وكل هذه التأثيرات قد تجعل بنجلاديش من أكثر دول العالم عرضة لتداعيات الركود العالمي، مع انخفاض متوقع في النمو الاقتصادي بنسبة (1-2%) إذا استمرت الحرب لأكثر من شهر.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع