تاريخ

بطرس الأكبر في ذكراه الثلاثمائة والخمسين.. الرجل الذي حول مملكة إلى إمبراطورية


  • 29 يونيو 2026

شارك الموضوع

لم يكن بطرس الأكبر مجرد حاكم في تاريخ روسيا، بل مثل نقطة تحول كبرى نقلت الدولة الروسية من منطق المملكة التقليدية المغلقة إلى منطق الإمبراطورية الحديثة الباحثة عن القوة والبحر والعلم والمكانة الدولية.

وفي الذكرى الثلاثمائة والخمسين لميلاده، لا تبدو شخصيته مجرد محطة في كتب التاريخ، بل تظل مرتبطة بأسئلة كبرى لم يتوقف الروس عن طرحها على أنفسهم حتى اليوم: كيف تُبنى الدولة القوية؟ وكيف يتحقق التحديث؟ وهل يمكن إصلاح المجتمع من أعلى عبر سلطة الدولة، دون أن يدفع الناس ثمنا باهظا؟ تقف شخصية بطرس الأكبر في قلب هذه الأسئلة، لتجعل ذكراه أكثر من مناسبة احتفائية؛ إنها لحظة للتأمل في معنى روسيا نفسها.

من القيصر إلى الإمبراطور.. صعود صانع الدولة

ولد بطرس الأول عام 1672 في موسكو، في كنف أسرة رومانوف، وسط دولة تقف على مفترق طرق حضاري عسير. واعتلى العرش رسميا عام 1682 بوصفه آخر قيصر لعموم روسيا، قبل أن يعلن قيام الإمبراطورية الروسية ويتخذ لقب أول إمبراطور لها عام 1721، عقب انتصاره التاريخي في الحرب الشمالية العظمى على السويد، التي امتدت قرابة عقدين.

وجاء صعوده إلى الحكم مصحوبا بصراعات داخلية عنيفة، بدءا من تمرد قوات الستريلتسي، مرورا بالتوترات العميقة مع الكنيسة الأرثوذكسية والأرستقراطية التقليدية التي رأت في إصلاحاته تهديدا لعالمها. لكنه، ما إن استقر على العرش، حتى شرع في تحويل روسيا تحولا جذريا، لا مجرد إصلاحات تجميلية.

وأدرك بطرس أن روسيا، بموقعها الجغرافي الشاسع المحاصر بالسهول الداخلية والشتاء الطويل، لن تستطيع أن تحتل مكانتها بين القوى الكبرى بالفتوحات البرية وحدها، بل تحتاج إلى البحار، والأساطيل، والإدارة الحديثة، والاستفادة من التقدم العلمي الأوروبي.

المشروع الإصلاحي.. إعادة هندسة الدولة

حين يتحدث المؤرخون عن إصلاحات بطرس الأكبر، يقع بعضهم في اختزالها في مظاهر شكلية، مثل حلق اللحى وتغيير الأزياء وتقليد الغرب. غير أن ما قام به كان أعمق من ذلك بكثير؛ إذ أعاد هندسة الدولة الروسية من الداخل.

فقد حدّث الجيش وفق النماذج الأوروبية، واستعان بضباط وخبراء هولنديين وبريطانيين لبناء أول أسطول بحري روسي حديث، أولا في بحر آزوف، ثم في بحر البلطيق. كما أوفد البعثات العلمية إلى هولندا وإنجلترا لدراسة الملاحة والهندسة والصناعة وبناء السفن.

وأعاد تنظيم الإدارة العامة على أساس الكفاءة والخدمة للدولة، بدلا من الولاء الأسري وامتيازات النسب. كما أسس الأكاديميات والمدارس والمطابع، وفرض على النبلاء الخدمة في مؤسسات الدولة شرطا للاحتفاظ بامتيازاتهم الاجتماعية.

ولم تكن هذه الإصلاحات مجرد تغييرات إدارية، بل مثلت إعادة تعريف لوظيفة الدولة وعلاقتها بالمجتمع. فقد أدرك بطرس أن القوة في العصر الحديث لا تُبنى بالشجاعة وحدها، وإنما بالعلم، والاقتصاد، والبحر، والإدارة الكفؤة، والجيش المنضبط، وظل يعمل لتحقيق هذه الرؤية طوال عقود.

سانت بطرسبورغ.. بيان من الحجر والماء

في عام 1703، وفي خضم الحرب الشمالية العظمى، أصدر بطرس الأكبر أمرا بتأسيس مدينة جديدة على ضفاف نهر نيفا، وسط مستنقعات شمال غربي روسيا.

وبدا القرار، ظاهريا، ذا طبيعة عسكرية واستراتيجية، لكنه كان، في جوهره، بيانا حضاريا وسياسيا من الحجر والماء. فلم تكن سانت بطرسبورغ مجرد مدينة، بل جسرا بين الطموح الإمبراطوري والحداثة الأوروبية، ونافذة أطلّت منها روسيا على العالم.

ولذلك، لم يختر بطرس أن تبقى العاصمة في موسكو، المنغلقة على تقاليدها وذاكرتها التاريخية، بل نقلها إلى ساحل بحر البلطيق، في رسالة واضحة مفادها أن روسيا لم تعد مملكة منغلقة داخل سهولها، وإنما إمبراطورية تتطلع إلى قلب أوروبا وإلى المسرح الدولي.

لكن هذا المشروع الحضاري قام أيضا على كلفة إنسانية باهظة؛ إذ جُند عشرات الآلاف من العمال قسرا، ولقي كثير منهم حتفهم في المستنقعات والبرد القارس، وهو ما يجعل مشروع بطرس يجسد، في الوقت نفسه، عظمة الإنجاز وقسوة التنفيذ.

ثمن التحديث.. السلطة في مواجهة المجتمع

لا يمكن قراءة تجربة بطرس الأكبر بمنظور أحادي. فقد كانت إصلاحاته عظيمة في آثارها على مسار الدولة الروسية، لكنها كانت قاسية على قطاعات واسعة من المجتمع.

فقد ارتفعت الضرائب لتمويل الحروب والمشروعات الكبرى، واتسع نظام القنانة بدلا من الحد منه، كما توسعت الخدمة العسكرية الإلزامية. وقُمعت الانتفاضات الشعبية بعنف، ولم يتردد القيصر في مواجهة معارضيه، حتى عندما كان بينهم ابنه أليكسي، الذي انتهى به المطاف ميتا في الأسر في ظروف ما زالت محل جدل تاريخي.

ومن هنا يظل السؤال قائما: هل يمكن بناء دولة حديثة من دون كلفة اجتماعية مرتفعة؟ وهل ينجح التحديث حين يُفرض بالقوة، أم أن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى قبول المجتمع ومشاركته؟

الإرث في الوعي الروسي.. شخصية لا تغيب

ظل بطرس الأكبر شخصية محورية في الوعي الروسي طوال ثلاثة قرون ونصف، لأسباب تتجاوز إنجازاته العسكرية والعمرانية.

فهو يجسد، في الذاكرة الروسية، فكرة الدولة القوية التي ترفض العزلة، وتسعى إلى مكانة راسخة بين القوى الكبرى، وترى في الدولة الأداة الرئيسة لصناعة التاريخ وتوجيه مصائر الشعوب.

ولهذا حمل كثير من الحكام الروس، من كاترين الثانية إلى الزعماء السوفييت، وصولا إلى القيادة الروسية المعاصرة، شيئا من إرثه، وواجهوا السؤال ذاته: كيف يمكن إدارة العلاقة مع الغرب، مع الحفاظ على استقلال القرار الروسي وهويته الحضارية؟

لقد نقل بطرس روسيا من حدود المملكة إلى أفق الإمبراطورية، ومنذ ذلك الحين لم يغادر هذا الأفق الخيال الاستراتيجي الروسي.

الاستنتاجات

لا تمثل الذكرى الثلاثمائة والخمسون لميلاد بطرس الأكبر مناسبة تاريخية للاحتفاء الرسمي أو استعادة صفحات الماضي فحسب، بل تشكل فرصة للتأمل في طبيعة الدولة الروسية ذاتها؛ دولة تشكلت بفعل الجغرافيا الصعبة، وتوسعت عبر القوة والحرب والبناء، وسعت إلى التحديث من خلال سلطة مركزية صارمة، وبحثت باستمرار عن مكانها في المعادلة الدولية بين الشرق والغرب.

لقد ترك بطرس الأكبر لروسيا أكثر من مدينة شامخة على ضفاف بحر البلطيق، وأكثر من إمبراطورية امتدت عبر فضاءات أوراسيا؛ إذ ترك لها سؤالا لا يزال حيا حتى اليوم: كيف يمكن لروسيا أن تكون قوية، وحديثة، ومستقلة، وحاضرة في قلب التاريخ العالمي؟

لقد كان مشروعه الإصلاحي صادما وعميقا وقاسيا في آن واحد، لكنه فتح أمام روسيا أبواب العصر الحديث. وبعد ثلاثة قرون ونصف، لا تزال روسيا تواجه الأسئلة نفسها التي طرحها بطرس الأكبر، وهو ما يجعل إرثه السياسي والحضاري حاضرا بقوة في فهم تاريخها ومستقبلها.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع