بريكس بلس

بريكس بين موسكو وأبوظبي.. إعادة توزيع النفوذ لا القطيعة مع الغرب


  • 13 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

عندما التأم قادة إحدى عشرة دولة في نيودلهي هذا الأسبوع لعقد القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس، لم تكن المفارقة في حجم المجموعة، بل في المسافة بين هذا الحجم وأثره الفعلي. فبريكس اليوم تضم نحو نصف سكان الكرة الأرضية، أي ما يقارب 3.9 مليار نسمة، وتنتج ما يقارب 41 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2026، متجاوزة مجموعة السبع التي لا تتخطى حصتها 28 في المئة. ومع ذلك، ما زال كثيرون يصفونها بأنها تجمع اقتصادي صاعد أكثر من كونها قوة قادرة على صياغة قواعد النظام الدولي. فهل انتقلت بريكس فعلا من التشاور السياسي إلى بناء المؤسسات، أم أنها ما زالت أسيرة خطاب يسبق أدواته بأشواط؟ الإجابة تبدأ من موسكو، لكنها لا تكتمل من دون أبوظبي.

عالم مضطرب يبحث عن توازن جديد؟

تنعقد القمة في سياق دولي مشحون بالتحولات السياسية والاقتصادية. فالاقتصاد العالمي يتباطأ منذ سنوات تحت وطأة التضخم وارتفاع كلفة الدين العام، بينما تتعدد جبهات النزاع من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وتتوسع دائرة العقوبات الأحادية لتشمل قطاعات المال والطاقة والتكنولوجيا. وقد كشفت اضطرابات سلاسل الإمداد المتكررة منذ جائحة كورونا هشاشة الاعتماد المفرط على مسارات تجارية ومالية محدودة العدد، بينما تتزايد الشكوك حيال قدرة المؤسسات المالية التقليدية، من صندوق النقد الدولي إلى البنك الدولي، على تمثيل توازنات اقتصادية جديدة، بعدما ظلت حصص التصويت فيها تعكس خريطة قوى تشكلت قبل عقود. في هذا المناخ، وجدت بريكس، التي احتفلت هذا العام بمرور عشرين عاما على تأسيسها، مساحة أوسع لتقديم نفسها كمنصة بديلة، لا لإلغاء النظام القائم، بل لإعادة التفاوض على شروط المشاركة فيه. فالمجموعة التي ضمت خمس دول فقط في قمتها الأولى في يكاترينبورغ عام 2009 باتت اليوم تضم إحدى عشرة دولة كاملة العضوية، تحيط بها عشر دول أخرى انضمت إليها بصفة شريك مطلع 2025، من بيلاروس إلى فيتنام، وهو اتساع يعكس جاذبية تتجاوز حسابات القوى الكبرى وحدها. وقد عقدت الهند، خلال رئاستها الحالية التي بدأت في يناير (كانون الثاني) 2026، أكثر من 350 اجتماعا ولقاء رفيع المستوى في 25 مدينة، سعيا إلى ترجمة شعار رئاستها، “البناء من أجل المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة”، إلى نتائج تتجاوز البيان الختامي المعتاد.

روسيا: من الحرص على السيادة إلى هندسة نظام بديل للغرب؟

روسيا عضو مؤسس في بريكس، وهي الطرف الذي راكم أقوى حافز لإعادة تشكيل الهياكل المالية الدولية. فمنذ الحزمة الأولى من العقوبات الغربية عام 2022، تنتهج موسكو استراتيجية تقوم على تنويع أدوات الدفع وبناء بنية مالية أقل ارتباطا بالمؤسسات الغربية. ووضع الرئيس فلاديمير بوتين هذا التوجه في إطار فكري يتجاوز الأزمة الأوكرانية؛ ففي كلمته أمام منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي في يونيو (حزيران) 2026، تحدث عما سماه “سباق السيادة”، مؤكدا انتقال مراكز القوة الاقتصادية تدريجيا خارج الإطار الغربي، وأن الدول التي تفتقر إلى بنيتها التكنولوجية الخاصة تخاطر بأن تتحول إلى هامش رقمي تابع لمنظومات لا تسيطر عليها. وفي الشهر السابق، وقع مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين إعلانا مشتركا حول بناء عالم متعدد الأقطاب، يقوم على احترام سيادة الدول وتنوعها الحضاري، ما يشير إلى أن الرؤية الروسية تتجاوز الملف الأوكراني إلى تصور شامل لإعادة صياغة قواعد الحوكمة العالمية.

لكن هذا الخطاب لا يعني، بحسب ما يوضحه المسؤولون الروس أنفسهم، دعوة إلى إلغاء الدولار بشكل كامل. فعشية قمة نيودلهي، نفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف سعي موسكو إلى “دولرة معاكسة” رسمية، موضحا أن نحو 90 في المئة من التبادل التجاري بين روسيا ودول بريكس بات يتم بالعملات الوطنية، وأن موسكو منفتحة على أي وسيلة دفع مقبولة. والفارق هنا جوهري؛ فتنويع أدوات التسوية يندرج ضمن حماية السيادة الاقتصادية واستمرار التجارة تحت العقوبات، لا ضمن مشروع لإسقاط الدولار عالميا. وقد عبر بوتين عن هذا الطابع العملي حين أوضح في قمة كازان عام 2024 أن بلاده لا تسعى حاليا إلى إنشاء نظام منفصل، وأن الأدوات القائمة كافية في مجملها. وفي قمة ريو دي جانيرو في يوليو (تموز) 2025، اقترح نظام تسوية وإيداع مستقلا داخل بريكس لتسريع المعاملات، من دون طرح عملة موحدة كبديل فوري. وإنشاء عملة كهذه لمجموعة تستأثر فيها الصين وحدها بنحو 48 في المئة من الناتج الإجمالي، مقابل 8 في المئة لروسيا، يصطدم بتفاوت السياسات النقدية وأنظمة الصرف، وبغياب سلطة مركزية توازي ما يملكه الاتحاد الأوروبي. لذلك تفضل موسكو عمليا مسار تعدد العملات على مسار العملة الواحدة، الذي يظل أقرب إلى فرضية نظرية منه إلى مشروع قابل للتنفيذ في المدى المنظور.

الإمارات: ثقل اقتصادي خلف العضوية الجديدة في بريكس

إذا كانت روسيا تمنح بريكس زخمها السياسي، فالإمارات من أكثر أعضائها الجدد قدرة على تحويل هذا الزخم إلى قيمة اقتصادية ملموسة. فمنذ انضمامها الرسمي في يناير (كانون الثاني) 2024، بعد عضويتها في بنك التنمية الجديد منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2021، لم تعد أبوظبي طرفا هامشيا، بل باتت من أنشط الأعضاء حضورا في الاجتماعات التحضيرية. ففي قمة نيودلهي، ترأس الوفد الإماراتي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نيابة عن الرئيس الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بعد مشاركة وفد من وزارة المالية في اجتماع وزراء مالية بريكس ومحافظي بنوكها المركزية، والاجتماع الخاص لمجلس محافظي بنك التنمية الجديد، المنعقدين في مومباي قبيل القمة. وشاركت الإمارات أيضا في فرقة عمل بريكس المعنية بالنمو والتنمية، التي تركز على التحول الرقمي والابتكار وتنقل العمالة وتطوير المهارات المستقبلية، في مؤشر على أن حضورها يترجم إلى مساهمة فنية لا بروتوكولية فحسب.

وتستمد الإمارات وزنها من مكانتها مركزا عالميا للتجارة واللوجستيات والطيران والتمويل. فموانئ دبي العالمية وحدها تدير شبكة من 280 مكتبا لوجستيا في أكثر من 80 دولة، بطاقة استيعابية تجاوزت 109 ملايين حاوية قياسية في 2025، فيما بلغت تجارة الدولة غير النفطية نحو 527 مليار دولار في النصف الأول من 2026 وحده. وتضيف موانئ جبل علي وخليفة والفجيرة، إلى جانب شبكة اتحاد القطارات، طبقات من الربط البري والبحري والجوي تجعل الإمارات معبرا طبيعيا بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. ويضاف إلى ذلك أن صناديقها السيادية، وأبرزها جهاز أبوظبي للاستثمار ومبادلة، تدير أصولا تتجاوز مجتمعة 1.7 تريليون دولار، ما يمنح أبوظبي قدرة تمويلية تتيح مشاركة فعلية في مشروعات بنك التنمية الجديد، لا حضورا رمزيا فحسب. وفي الطاقة، تجمع الإمارات بين موقعها مصدرا تقليديا للنفط والغاز واستثمارات متقدمة في الطاقة المتجددة والنووية السلمية، ما يمنحها موقعا وسيطا بين أعضاء بريكس المنتجين للطاقة والمستهلكين لها.

موسكو وأبوظبي: نموذج عملي وجسر بين المعسكرات

لا تعني عضوية الإمارات في بريكس انتقالها من محور دولي إلى آخر، بل تعكس سياسة خارجية قائمة على تنويع الشراكات واستقلالية القرار. فأبوظبي التزمت في مايو (أيار) 2025 بإطار استثماري عشري في الولايات المتحدة بقيمة 1.4 تريليون دولار، شمل اتفاقيات في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة. وفي الوقت نفسه، وسعت علاقاتها مع روسيا إلى مستوى غير مسبوق؛ إذ بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 14 مليار دولار في 2025، بحسب نائب رئيس الوزراء الروسي دينيس مانتوروف، بزيادة تقارب مرة ونصف عن العام السابق، فيما تجاوزت الاستثمارات الروسية في الإمارات 30 مليار دولار، مقابل نحو 16.8 مليار دولار إماراتية في روسيا، من ضمنها حصة في بورصة موسكو اقتناها صندوق سيادي إماراتي أواخر 2024. ووقع الجانبان في أغسطس (آب) 2025 اتفاقية للتجارة في الخدمات والاستثمار، إلى جانب اتفاقية شراكة اقتصادية بين الإمارات والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، صادق عليها بوتين بقانون في مايو (أيار) 2026. وفي ديسمبر (كانون الأول) المقبل، يحتفل البلدان بمرور 55 عاما على تأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، في مناسبة تعكس عمق شراكة صمدت أمام اختبار العقوبات الغربية. وتصلح هذه المؤشرات نموذجا عمليا لما يمكن أن تحققه بريكس حين تتحول الشعارات إلى اتفاقيات قابلة للقياس، في الطاقة والأمن الغذائي والنقل والخدمات المالية والسياحة، مع إمكانات لمشروعات مشتركة تربط روسيا بالخليج ومنه إلى آسيا وأفريقيا.

وتتيح هذه الازدواجية للإمارات دورا تقريبيا داخل بريكس نفسها، بين القوى الكبرى كالصين والهند والأعضاء المتوسطين، وبين الدول المنتجة للطاقة والمستهلكة لها، وبين الأعضاء الأكثر مواجهة للغرب كإيران وأولئك الحريصين على شراكات متوازنة معه، كالهند والإمارات ذاتها. فالإمارات لا تحتاج إلى التخلي عن علاقاتها الغربية لتكون فاعلة داخل بريكس، بل إن هذه العلاقات هي ما يمنحها مصداقية الوسيط القادر على تقريب وجهات نظر متباعدة داخل مجموعة بهذا الاتساع الجغرافي والسياسي، وهي قدرة سبق أن أظهرتها حين استضافت مؤتمر الأطراف للمناخ “كوب 28” عام 2023، وقادت توافقا دوليا نادرا حول التحول بعيدا عن الوقود الأحفوري.

من الخطاب إلى المشروع: حصاد القمة وحدود بريكس

على المستوى العملي، تتركز أولويات قمة نيودلهي على توسيع التجارة بالعملات الوطنية لدول بريكس، ودعم تنافسية المشروعات الصغيرة والمتوسطة تجاريا، وتطوير التجارة الرقمية وسلاسل إمداد أكثر مرونة، وتعزيز بنك التنمية الجديد، الذي اعتمد منذ 2015 مشروعات بقيمة تناهز 39 مليار دولار، ويستهدف تمويل 30 في المئة من عملياته بالعملات المحلية، إلى جانب تطوير آليات الدفع العابرة للحدود، وتمويل البنية التحتية والممرات اللوجستية، والتعاون في الذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي والطاقة النظيفة. وعلى هامش القمة، بحث بوتين مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تعاونا ثنائيا يشمل استكشاف المعادن الأرضية النادرة وصفقة محتملة لبيع مقاتلة سو-57 الروسية، في مؤشر على أن بريكس باتت تحفز أيضا مسارات ثنائية موازية لمسارها الجماعي. غير أن بيان اجتماع وزراء المالية في مومباي جاء أكثر حذرا من تصريحات بعض القادة، فاكتفى بتشجيع البحث عن حلول عملية للمدفوعات العابرة للحدود، في تباين واضح مع دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في منتدى الأعمال إلى توسيع استخدام العملات الوطنية بجرأة أكبر. وهذا التباين يلخص طبيعة بريكس الراهنة: مجموعة تتقدم بسرعات مختلفة بحسب موقع كل عضو من العقوبات الغربية ومصالحه التجارية.

وتبقى التحديات الداخلية حقيقية ولا يمكن تجاوزها بالخطاب وحده. فالمجموعة تجمع أنظمة سياسية شديدة التباين، من الديمقراطيات البرلمانية إلى الجمهوريات الرئاسية والأنظمة الملكية، بمصالح وطنية لا تتطابق بالضرورة. ويجعل الفارق بين حصة الصين، التي تقارب نصف الناتج الإجمالي لبريكس، وحصة أعضاء كجنوب أفريقيا أو إثيوبيا، التوافق على قرارات ملزمة بالغ الصعوبة. ويضع طلب إيران الانضمام إلى بنك التنمية الجديد، وهي دولة خاضعة لعقوبات مشددة، البنك أمام معضلة مباشرة؛ فهو مؤسسة تمول نفسها من الأسواق الدولية، وسبق أن جمد التعامل مع روسيا عام 2022 حرصا على ذلك الوصول، ما يجعل قبول عضو آخر تحت طائلة العقوبات مسألة تتجاوز الرمزية إلى تبعات مالية مباشرة. وفي غياب آليات تنفيذ ملزمة، تظل بريكس أقرب إلى منتدى تنسيقي متعدد السرعات منها إلى تكتل موحد القرار، وستقاس قوتها الفعلية بقدرتها على تحويل بيانات القمم إلى مشروعات وأرقام يمكن التحقق منها بعد عام من انعقادها، لا في اليوم التالي له.

في نهاية المطاف، تمنح روسيا بريكس زخمها السياسي والاستراتيجي، بوصفها القوة التي دفعت المجموعة نحو التفكير الجدي في بدائل مالية وتجارية تقلل الاعتماد الأحادي على الغرب. لكن هذا الزخم وحده لا يكفي لتحويل بريكس إلى فاعل مؤسسي حقيقي، وهنا تبرز قيمة الإمارات، التي تمنح المجموعة قدرة إضافية على التواصل مع الأسواق العالمية وتحويل الطموحات السياسية إلى فرص استثمارية فعلية، عبر شبكتها اللوجستية وصناديقها السيادية وعلاقاتها المتوازنة شرقا وغربا. ومستقبل بريكس لن يتحدد برفع سقف المواجهة مع الغرب، بل بقدرتها على إنتاج بدائل عملية أكثر عدالة ومرونة، تجذب الدول النامية لا لأنها تقف ضد أحد، بل لأنها تقدم خيارات تنموية إضافية في عالم لم يعد يحتمل قطبا واحدا.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع