دخلت الأزمة الأوكرانية منعطفًا جديدًا بعد اجتماع جدة الذي جمع مسؤولين أمريكيين وأوكرانيين، حيث طُرحت فكرة وقف إطلاق النار 30 يومًا كخطوة نحو تهدئة النزاع. هذه المبادرة تعكس تحركات جدية نحو حل النزاع، لكنها تظل مجرد بداية؛ إذ يتطلب السلام الدائم اتخاذ خطوات جذرية وشاملة على عدة مستويات، تشمل الحلول السياسية والعسكرية والاقتصادية لضمان استقرار دائم في المنطقة، فالمعركة لم تعد فقط في ساحات القتال، بل امتدت إلى طاولات الدبلوماسية، والمصالح الاقتصادية.
وقف إطلاق النار ليس مجرد إجراء تكتيكي؛ بل خطوة حاسمة تحتاج إلى التزام صارم من جميع الأطراف، خاصةً في ظل انعدام الثقة المتبادلة، ولضمان نجاحها يجب أن تكون مدعومة بمراقبة دولية صارمة من جهات محايدة، مثل الأمم المتحدة، أو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، إضافة إلى وجود آليات تضمن استمرارها، وعدم تحولها إلى مجرد استراحة مؤقتة للصراع.
التاريخ أثبت أن أي هدنة غير مدعومة بتفاهمات سياسية حقيقية مصيرها الفشل؛ ومن ثم فإن تحقيق السلام لا يقتصر على وقف إطلاق النار فقط، بل يحتاج إلى حلول حقيقية تلبي مصالح جميع الأطراف المعنية. يجب أن يكون هناك التزام دولي بفرض عقوبات على من يخرق وقف إطلاق النار، وأن يكون هناك إطار واضح للمرحلة التالية من المفاوضات، التي قد تشمل اتفاقيات طويلة الأمد بين روسيا وأوكرانيا بضمانات دولية حقيقية.
استئناف القنوات الدبلوماسية يمثل فرصة نادرة لإنهاء الحرب، لكنه يتطلب إعادة بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، وهو أمر صعب في ظل الانقسامات العميقة، والجرائم التي ارتكبت خلال الحرب. نجاح هذه المفاوضات يعتمد على تحديد جدول زمني واضح، وإشراك قوى دولية رئيسة، مثل الصين، والاتحاد الأوروبي، وتركيا؛ لضمان التزام جميع الأطراف بالحلول المطروحة.
لكن أكبر التحديات هنا هو مدى واقعية هذه المحادثات، فروسيا وأوكرانيا لديهما تصورات مختلفة تمامًا عن شروط السلام. أوكرانيا تطالب بانسحاب كامل للقوات الروسية واستعادة أراضيها، في حين ترى موسكو هذه المطالب غير مقبولة. الحل الوحيد يكمن في تقديم تنازلات من الطرفين تحت ضغط دولي حقيقي، وهذا يتطلب إرادة سياسية قوية من جميع الأطراف.
معالجة القضايا الجوهرية للنزاع أمر لا مفر منه. مستقبل المناطق المتنازع عليها، مثل مقاطعة دونباس وشبه جزيرة القرم، يشكل عقبة رئيسة في أي مفاوضات، كما أن الضمانات الأمنية تظل مطلبًا أساسيًّا لكييف لمنع أي اعتداء مستقبلي، في حين تطالب موسكو بتعهدات ضد توسع الناتو.
الملف الاقتصادي أيضًا يؤدي دورًا مهمًّا، إذ تعاني أوكرانيا انهيارًا اقتصاديًّا وأضرارًا جسيمة في البنية التحتية؛ مما يجعل إعادة الإعمار تحديًا حقيقيًّا. في المقابل، تواجه روسيا عزلة اقتصادية غير مسبوقة بسبب العقوبات؛ مما يجعلها تبحث عن طرق للالتفاف عليها، وهذا يعني أن أي حل سياسي يجب أن يتضمن اتفاقيات اقتصادية تعيد التوازن إلى المنطقة.
الفاعلون الدوليون يضطلعون بدور محوري في حل الأزمة؛ إذ تملك الولايات المتحدة القدرة على تقديم الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا، لكنها تواجه ضغوطًا داخلية لتقليل تورطها في الصراع، والاتحاد الأوروبي يسعى إلى الحفاظ على استقرار المنطقة، ومنع تصاعد النزاع، في حين يمكن للصين أن تؤدي دور الوسيط؛ نظرًا إلى علاقاتها القوية مع الطرفين.
السعودية، التي باتت تؤدي دورًا متزايدًا بوصفها وسيطًا في النزاعات الدولية، لديها علاقات متوازنة مع كل من روسيا وأوكرانيا؛ مما يجعلها وسيطًا محتملًا يمكن أن يسهم في تقريب وجهات النظر. يمكن أن تستفيد الرياض من هذا الدور لتعزيز موقعها في السياسة الدولية، وربما فتح قنوات جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي مع القوى الكبرى. في هذا السياق، يمكن لدول الخليج عامةً أن تؤدي دورًا في دعم إعادة الإعمار في أوكرانيا، وتعزيز المبادرات الدبلوماسية.
لكن رغم هذه الجهود، تبقى هناك تحديات كبيرة أمام تحقيق السلام. الأوضاع الميدانية المعقدة، واستمرار العمليات العسكرية، يمكن أن يعوقا تنفيذ أي اتفاقات، كما أن عدم اتفاق النخب السياسية داخل أوكرانيا وروسيا على شروط السلام يشكل عقبة رئيسة. الضغوط الداخلية على القادة السياسيين تجعل تقديم تنازلات أمرًا صعبًا؛ مما يفرض الحاجة إلى إجماع سياسي أوسع.
غياب الثقة بين الأطراف
حتى مع وجود مفاوضات، فإن غياب الثقة المتبادلة يجعل من الصعب التوصل إلى حلول نهائية.
الضغوط السياسية الداخلية
يواجه زيلينسكي انتقادات داخلية، ويتعرض ترمب لضغوط من الكونغرس بشأن سياساته تجاه أوكرانيا؛ مما قد يعرقل التوصل إلى اتفاق سريع.
استمرار المعارك على الأرض
رغم الحديث عن وقف إطلاق النار، لا تزال روسيا وأوكرانيا تستخدمان الطائرات المسيّرة والقصف المدفعي؛ مما قد يعطل أي جهود دبلوماسية.
الدور الروسي في المفاوضات
لا يزال موقف موسكو غير واضح تمامًا، إذ قد يكون لها شروط صعبة لقبول وقف إطلاق النار.
الضمانات الأمنية الدولية
دون وجود ضمانات أمنية طويلة الأمد، قد يكون أي اتفاق هشًا ومعرضًا للانهيار في أي لحظة.
الاقتصاد وإعادة الإعمار ركيزة السلام المستدام
سيكون الاقتصاد عاملًا حاسمًا في استدامة أي اتفاق سلام. لا يمكن لأوكرانيا أن تستمر بدون دعم مالي ضخم من المجتمع الدولي، وهو ما يجعل الدول الغربية أمام اختبار حقيقي لتقديم الدعم اللازم. الولايات المتحدة وأوروبا تعملان على إبرام صفقة لتطوير قطاع المعادن النادرة في أوكرانيا، وهو ما قد يساعد على تعزيز الاستقلالية الاقتصادية لكييف، ويقلل اعتمادها على المساعدات.
لكن الجانب الآخر من المعادلة يتمثل في العقوبات المفروضة على روسيا، التي ستظل نقطة خلاف رئيسة، وأي اتفاق سلام قد يتطلب تخفيفًا تدريجيًّا للعقوبات مقابل التزام موسكو بخطوات ملموسة، وهو ما سيواجه معارضة داخلية في الغرب. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حاجة روسيا إلى تخفيف الضغط الاقتصادي؛ مما قد يدفعها إلى القبول ببعض التنازلات.
اجتماع جدة يمثل نقطة تحول في مسار الأزمة الأوكرانية، لكنه لا يكفي وحده لإنهاء الحرب. الطريق إلى السلام لا يزال طويلًا، ويتطلب إستراتيجيات واضحة، وخطوات مدروسة لضمان تسوية دائمة. هناك حاجة إلى رؤية دولية متكاملة لا تقتصر على وقف الأعمال القتالية؛ بل تمتد لتشمل الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
التساؤل الأهم الآن هو: هل يمكن أن تتطور هذه المحادثات إلى حل شامل ينهي النزاع تمامًا، أم أنها مجرد مرحلة مؤقتة قبل جولة جديدة من المواجهات؟ الأجوبة ستعتمد على مدى التزام الأطراف بالتفاوض، وعلى قدرة المجتمع الدولي على فرض حلول تضمن استدامة السلام، وتحقيق توازن عادل يراعي مصالح جميع الأطراف. الأمل في تحقيق السلام موجود، لكن الطريق محفوف بالتحديات التي تحتاج إلى إرادة دولية صادقة لإنهائها.
في سياق السعي إلى إنهاء الأزمة الأوكرانية، لا يمكن التعامل مع الأمور من منظور أحادي يركّز فقط على الجوانب العسكرية أو السياسية دون النظر إلى الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تزيد المشهد تعقيدًا، فالسلام المستدام يتطلب خطة متكاملة تراعي مختلف جوانب الحياة في أوكرانيا، وتستوعب في الوقت نفسه مصالح روسيا وضماناتها الأمنية. وبينما يشير اجتماع جدة إلى رغبة دولية في إيجاد مسار للتسوية، فإن الواقع على الأرض يحتاج إلى تضافر جهود جبّارة لإرساء تسوية عادلة وشاملة تُوقِف نزيف الدماء، وترفع المعاناة عن المدنيين.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.