أبحاث ودراسات

من النفط الروسي إلى الاتفاقيات الأمريكية والأوروبية والإماراتية

الهند والصراع الجيوسياسي على الطاقة


  • 4 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: ecfr.eu

احتلت الهند المرتبة الثالثة عالميًّا في استيراد النفط لتصبح بذلك محورًا إستراتيجيًّا رئيسًا في خريطة الطاقة العالمية، ومع نمو اقتصادي يتجاوز معدلات معظم الدول الكبرى، تواجه نيودلهي تحديًا مزدوجًا: ضمان أمن الطاقة لدعم التنمية الصناعية والاستهلاك المتزايد، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الدولية الناجمة عن الصراعات والعقوبات. خلال فترة زمنية قصيرة جدًّا امتدت إلى أحد عشر يومًا فقط في يناير (كانون الثاني) 2026، شهدت الهند سلسلة من التطورات المتلاحقة التي غيّرت مسار سياساتها الطاقوية والتجارية جذريًّا. وهذه الأحداث ليست مجرد صفقات تجارية عابرة؛ بل تعكس تنافسًا بين ثلاث قوى رئيسة -الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والإمارات العربية المتحدة- على جذب الهند نحو مدار نفوذها، مع محاولة تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية التي كانت تشكل جزءًا كبيرًا من وارداتها خلال السنوات السابقة.

بدأت هذه السلسلة المتسارعة في التاسع عشر من يناير (كانون الثاني) 2026، عندما وقّعت الإمارات العربية المتحدة اتفاقًا مهمًّا مع الهند لتوريد الغاز الطبيعي المسال بقيمة تصل إلى ثلاثة مليارات دولار أمريكي. وينص الاتفاق على توريد نصف مليون طن متري سنويًّا من الغاز المسال إلى إحدى الشركات الهندية الحكومية الكبرى، لمدة عشر سنوات تبدأ من عام 2028. وهذه الصفقة تأتي في سياق إستراتيجي أوسع يهدف إلى تعزيز الشراكة بين البلدين، ليس فقط في مجال الطاقة، بل أيضًا في مجالات الدفاع والتجارة والاستثمار.

فالإمارات، بوصفها واحدة من أبرز الدول المنتجة للطاقة في الشرق الأوسط، تسعى من خلال هذه الخطوة إلى ترسيخ مكانتها بوصفها موردًا موثوقًا به للطاقة النظيفة نسبيًّا في آسيا، خاصة مع توجه الهند نحو تقليل الاعتماد على الفحم والنفط الخام التقليدي، والتحول تدريجيًّا نحو الغاز كوقود انتقالي يساعد على تحقيق أهدافها البيئية والمناخية. وأكدت زيارة الرئيس الإماراتي إلى نيودلهي في تلك الفترة أن الطاقة أصبحت أداة دبلوماسية فعالة لتعميق الروابط السياسية والأمنية، حيث يرى الطرفان في بعضهما شريكًا إستراتيجيًّا يمكنه مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة.

بعد أيام قليلة فقط، وتحديدًا في السابع والعشرين من يناير (كانون الثاني)، أعلن الاتحاد الأوروبي إنهاء مفاوضات اتفاق تجاري تاريخي مع الهند، يُعد من أكبر الاتفاقيات التجارية الحرة في تاريخ الجانبين. ويغطي هذا الاتفاق إزالة أو تقليل الرسوم الجمركية على نسبة تفوق ستة وتسعين في المئة من حجم التجارة بينهما، مما يفتح أبوابًا واسعة أمام الصادرات الأوروبية في قطاعات مثل السيارات، والآلات، والأدوية، والمنتجات الزراعية، مقابل تسهيلات كبيرة للصادرات الهندية في مجالات المنسوجات، والخدمات، والمنتجات الصناعية.

واستغرقت المفاوضات عقودًا من الزمن، مع توقف طويل ثم إعادة إطلاقها في السنوات الأخيرة، وجاء إنجازها في هذا التوقيت ليعكس استجابة أوروبية للتحديات الجيوسياسية العالمية، في ظل التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، والحاجة إلى تنويع الشراكات الاقتصادية. ويرى الاتحاد الأوروبي في الهند شريكًا ديمقراطيًّا كبيرًا يمكنه تعزيز التوازن في نظام عالمي يتجه نحو التعددية القطبية. بالنسبة للهند، يمثل هذا الاتفاق فرصة لتعزيز اندماجها في سلاسل التوريد العالمية، وزيادة الاستثمارات الأجنبية، وتحسين قدرتها التنافسية في الأسواق الدولية، مع الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة لا تعتمد على قطب واحد.

ثم جاءت الخطوة الأكثر إثارة في الثلاثين من يناير (كانون الثاني)، عندما عرضت الولايات المتحدة على الهند استئناف شراء النفط الخام الفنزويلي كبديل مباشر عن النفط الروسي. بعد فرض عقوبات وتعريفات جمركية سابقة على الدول التي تشتري النفط الفنزويلي، بما في ذلك الهند، غيّرت واشنطن موقفها الآن لتستخدم هذا النفط لتقليص إيرادات روسيا من مبيعات الطاقة التي تسهم في تمويل عملياتها العسكرية. ترى الولايات المتحدة، التي تسيطر فعليًّا على جزء كبير من إدارة صناعة النفط الفنزويلية بعد التطورات السياسية الأخيرة في فنزويلا، في الهند سوقًا مثالية لهذا النفط الثقيل الذي يناسب قدرات المصافي الهندية.

وهذا العرض يأتي في وقت تشهد فيه واردات الهند من النفط الروسي انخفاضًا ملحوظًا، نتيجة للضغوط الأمريكية المتصاعدة، ومنها التعريفات التي بلغت خمسة وعشرين في المئة، وتهديدات برفعها إلى مستويات أعلى. بدأت الهند، التي اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على النفط الروسي المخفض السعر بعد عام 2022، بتنويع مصادرها تدريجيًّا، مع زيادة الواردات من الشرق الأوسط، وإفريقيا، والولايات المتحدة نفسها، مما يجعل العرض الأمريكي جزءًا من إستراتيجية أوسع لإعادة توجيه تدفقات الطاقة العالمية بعيدًا عن روسيا.

هذا التنافس الثلاثي على سوق الطاقة الهندية يكشف عن ديناميكيات جديدة في النظام الدولي؛ فالولايات المتحدة تستخدم مزيجًا من العقوبات والحوافز الطاقوية لتحقيق أهدافها الجيوسياسية، خاصة فيما يتعلق بتقليص الدعم المالي لروسيا. والاتحاد الأوروبي يركز على الاتفاقات التجارية الشاملة التي تربط الاقتصادات الطويل الأمد، مع التركيز على القيم المشتركة، مثل الديمقراطية والتنمية المستدامة. أما الإمارات فتعتمد على الطاقة لتعزيز نفوذها الإقليمي والعالمي، مع تقديم حلول طاقة انتقالية تتناسب مع أولويات الهند البيئية. وكل هذه الكتل تسعى إلى استغلال نمو الطلب الهندي على الطاقة، الذي يتوقع أن يستمر في الارتفاع مع توسع الطبقة الوسطى وزيادة التصنيع، لتعزيز مواقعها في نظام متعدد الأقطاب.

تستفيد الهند -من جانبها- من هذا التنافس لتحقيق أهداف متعددة؛ أولًا: تنويع مصادر الطاقة يقلل الأخطار الجيوسياسية المرتبطة بالاعتماد على مورد واحد، ويحسّن قدرتها على التفاوض للحصول على أسعار أفضل. وثانيًا: الاتفاقات التجارية والطاقوية الجديدة تجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزز قدراتها الصناعية والتكنولوجية. وثالثًا: تسمح هذه الخطوات للهند بالحفاظ على سياسة خارجية متوازنة، حيث تتعاون مع الغرب دون قطع علاقاتها التاريخية مع روسيا أو الصين تمامًا. ومع ذلك، يطرح هذا الوضع تحديات داخلية، مثل الحاجة إلى تعديل المصافي للتعامل مع أنواع مختلفة من الخام، والتوفيق بين الضغوط الدولية والمصالح الاقتصادية الوطنية.

وعلى المستوى العالمي، يمثل هذا “الانعطاف السريع” في أحد عشر يومًا نقطة تحول في إعادة رسم تدفقات الطاقة، لا سيما أن انخفاض الاعتماد على النفط الروسي يضعف الإيرادات التي تدعم الجهود العسكرية الروسية، ويعزز فعالية العقوبات الغربية. وفي الوقت نفسه، يفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ في مناطق مثل أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، حيث تصبح فنزويلا والإمارات لاعبين أكثر أهمية. كما يسرّع التحول نحو مصادر طاقة أكثر تنوعًا واستدامة، مع دور أكبر للغاز الطبيعي المسال في الفترة الانتقالية.

أخيرًا بالنسبة للهند، يوفر التنافس فرصًا كبيرة لتعزيز أمنها الطاقوي ومكانتها الدولية، لكنه يتطلب حذرًا إستراتيجيًّا للحفاظ على استقلاليتها وسط الضغوط المتزايدة. وعلى الصعيد العالمي، فإن هذه التطورات تعجل بتشكل نظام طاقوي جديد، متعدد المصادر واللاعبين، يعكس التحول نحو عالم أكثر تعقيدًا وتنافسية، حيث تتحدد التوازنات ليس فقط بالقوة العسكرية؛ بل أيضًا بقدرة الدول على تأمين احتياجاتها الطاقوية بطرائق مستدامة ومتنوعة. وهذا الانعطاف السريع قد يكون بداية لمرحلة جديدة في السياسة الدولية، حيث تُعاد صياغة التحالفات بناءً على سوق الطاقة.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع