
دفعت التعريفات الأمريكية الباهظة، التي بلغت 50% في أغسطس (آب) 2025، الهند إلى تكثيف جهودها لإبرام اتفاقيات تجارية جديدة، بهدف موازنة الخسائر، وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية. هذه الإستراتيجية الاقتصادية تحمل أبعادًا سياسية، تتعلق بإعادة تشكل موقع الهند في النظام الدولي، وتعزيز دورها بوصفها قوة رائدة في الجنوب العالمي. وفي ظل التحولات الجيوسياسية السريعة التي شهدها العالم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، برزت إستراتيجية “التنويع التجاري” أداةً أساسية للدول الناشئة لتعزيز استقلاليتها الاقتصادية والسياسية. ويأتي هذا التوجه في سياق تصاعد النزاعات التجارية، خاصة تلك الناتجة عن سياسات الحمائية التي اعتمدتها الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب في ولايته الثانية.
تعود جذور التوترات التجارية بين الهند والولايات المتحدة إلى سياسات إدارة ترمب التي ركزت على “أمريكا أولًا”، والتي شملت فرض تعريفات عالية على الدول التي تراها واشنطن تتجاوز في تجارتها. في أغسطس (آب) 2025، أعلن ترمب تعريفات تصل إلى 50% على الواردات الهندية، مبررًا ذلك بشراء الهند النفط الروسي الذي يمول الغزو الروسي لأوكرانيا، بالإضافة إلى حواجز تجارية هندية عالية. هذا الإجراء لم يكن مفاجئًا تمامًا، إذ سبقه تصعيد في النزاعات التجارية منذ 2018، لكنه بلغ ذروته في 2025 مع تراجع واردات الهند من النفط الروسي إلى 1.2 مليون برميل يوميًّا في ديسمبر (كانون الأول)، دون أن يرضي ذلك واشنطن.
سياسيًّا، يعكس هذا التصعيد محاولة أمريكية لفرض إرادتها على الهند، مستغلة اعتماد الأخيرة على السوق الأمريكية التي تمثل نحو 18% من صادراتها الإجمالية. ومع ذلك، أدى ذلك إلى تدهور العلاقات الإستراتيجية التي بنيت على مدى عقود، بما في ذلك اتفاق النووي المدني لعام 2008، حيث أصبحت الهند تشكك في موثوقية الولايات المتحدة بوصفها شريكًا؛ مما دفعها نحو تنويع تحالفاتها. هذه الخلفية تؤكد كيف أن التجارة أصبحت أداة جيوسياسية، حيث يستخدمها القوى الكبرى لفرض أجنداتها الأمنية.
ردت الهند على هذه الضغوط بإستراتيجية مزدوجة تجمع بين الإصلاحات الداخلية والتوسع الخارجي. داخليًّا، أجرت الحكومة إصلاحات اقتصادية لتعزيز القدرة التنافسية، مثل خفض الضرائب على مئات السلع الاستهلاكية في سبتمبر (أيلول) 2025، وتحسين مناخ الأعمال لتقليل تأثير التعريفات على النمو الاقتصادي، الذي قدرته تقارير رسمية بانخفاض بنسبة 0.2-0.3% فقط بدلًا من 0.5% المحتملة. وأكد رئيس الوزراء نارندرا مودي في خطابه يوم الاستقلال أن الأمن الوطني لا يمكن أن يعتمد على الاعتماد الخارجي، مما يعكس تحولًا نحو الاكتفاء الذاتي تحت شعار “صنع في الهند”. وخارجيًّا، ركزت نيودلهي على إبرام اتفاقيات تجارية حرة (FTAs) بوتيرة غير مسبوقة، حيث وقعت أو نفذت أربع اتفاقيات في 2025، منها اتفاقيات مع المملكة المتحدة، التي توفر وصولًا خاليًا من التعريفات لـ99% من الصادرات الهندية. هذه الاتفاقيات الاقتصادية تحمل دلالات سياسية، إذ تعزز نفوذ الهند في أوروبا وآسيا، وتقلل الاعتماد على الولايات المتحدة التي تمثل 2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي الهندي.
من أبرز الاتفاقيات الجديدة، يبرز الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي، الذي يقترب من الإنجاز في أوائل 2026 بعد 14 جولة تفاوضية. هذا الاتفاق، الذي وصفته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأنه “أكبر صفقة تجارية في العالم”، يتوقع أن يولد مكاسب دخل حقيقية تصل إلى 5.16 مليار دولار قصير الأجل، مع زيادة صادرات الخدمات الهندية بنسبة 20%. ويعزز هذا الاتفاق دور الهند بوصفها بديلًا عن الصين في سلاسل التوريد العالمية، خاصة في المعادن النادرة والتكنولوجيا النظيفة، مما يساعد أوروبا على مواجهة تحديات آلية تعديل الحدود الكربونية. كما تعكس زيارة فون دير لاين المرتقبة إلى نيودلهي في يناير (كانون الثاني) 2026، واجتماع المستشار الألماني فريدريش ميرتز مع مودي، عمق الشراكة الإستراتيجية التي تتجاوز التجارة إلى التعاون في الأمن والتكنولوجيا. ويأتي هذا التنويع ردًا على التعريفات الأمريكية، حيث يسعى الهند إلى تعزيز موقعها في النظام المتعدد الأقطاب، مستفيدًا من نموها الاقتصادي السنوي بنسبة (6%).
بالإضافة إلى أوروبا، وسعت الهند اتفاقياتها مع دول أخرى لتعزيز نفوذها الإقليمي. على سبيل المثال، الاتفاق مع عمان في ديسمبر (كانون الأول) 2025 يفتح بوابة نحو الشرق الأوسط وإفريقيا، رغم حجم التجارة البالغ أقل من 11 مليار دولار، ويُعد نموذجًا لإستراتيجية خليجية أوسع، وكذلك الاتفاق مع نيوزيلندا، الذي جذب 20 مليار دولار استثمارات أجنبية، وزاد تسهيل التأشيرات، ويظهر مرونة نيودلهي في التنازلات الزراعية رغم مخاوف المزارعين. تعكس هذه الاتفاقيات نهجًا واقعيًّا يجمع بين التنويع الجغرافي والقطاعي، حيث تركز على الصادرات ذات الكثافة العمالية، مثل الملابس، التي يتوقع مجلس تعزيز صادراتها تضاعف الشحنات إلى بريطانيا خلال ثلاث سنوات. هذه الإستراتيجية مدعومة ببرامج حكومية مثل مهمة تعزيز الصادرات بقيمة 25,060 كرور روبية، وتوسيع الائتمان بدون ضمانات، مما يعزز القدرة على مواجهة الشكوك الجيوسياسية، مثل التوترات في أوكرانيا والشرق الأوسط.
اقتصاديًّا، أظهرت صادرات الهند مرونة ملحوظة رغم التعريفات، حيث ارتفعت بنسبة 19% في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مدعومة بصادرات الإلكترونيات والمنتجات البحرية المعفاة جزئيًّا. وبلغت الصادرات السلعية 407 مليارات دولار من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مع نمو بنسبة 22.61% نحو الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) وحده. هذا الأداء يعزى إلى التنويع الجغرافي، حيث زادت الصادرات إلى إسبانيا بنسبة 150%، وإلى الصين وبنغلاديش على نحو قوي. ومع ذلك، تأثرت قطاعات مثل الهندسة والأدوية والسيارات، مع انخفاض عام بنسبة 28.5% في الصادرات إلى الولايات المتحدة بين مايو (أيار) وأكتوبر (تشرين الأول). ويتوقع اتحاد منظمات التصدير الهندية، نموًّا مستقرًا في 2026 رغم تباطؤ التجارة العالمية إلى 0.5% حسب منظمة التجارة العالمية، مشددين على الحاجة إلى مواجهة التحديات، مثل تقلبات العملة (انخفاض الروبية بنسبة 5%).
تمثل سياسات التنويع الهندية خطرًا على الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، التي قد تفقد نفوذها في جزء مهم من جنوب آسيا إذا استمرت التوترات؛ فالتعريفات قد تفكك عقودًا من التعاون، خاصة مع شكوك الهند في موثوقية واشنطن؛ مما يدفع نيودلهي نحو تعزيز الروابط مع اليابان عبر حوار الأمن الاقتصادي في مجالات الرقائق والطاقة النظيفة. كما يفتح التنويع أبوابًا مع الصين، حيث أعادت الهند النظر في قيود الاستثمار الصيني بعد 2020، ووقعت اتفاق حدود في 2024، مما يعكس توازنًا واقعيًّا لمواجهة الضغوط الأمريكية. هذا النهج يعزز دور الهند بوصفها قائدًا للجنوب العالمي، حيث تقدم نموذجًا تنمويًّا جذابًا لدول آسيا وإفريقيا، مستفيدة من سياسات مثل “العمل الشرقي”، و”الجوار أولًا”. ومع ذلك، يحمل أخطارًا مثل تعزيز نفوذ الصين، التي تستفيد من زيادة وارداتها النفطية الروسية، وفرض قيود تصديرية على الهند.
تواجه إستراتيجية الهند تحديات سياسية متعددة، أبرزها الخلافات في المفاوضات، مثل تلك مع الاتحاد الأوروبي بشأن الصلب والسيارات، مما أدى إلى تفويت موعد نهاية 2025. كما توجد مخاوف داخلية من تأثير الاتفاقيات في المزارعين، كما في حالة نيوزيلندا، حيث تنازلت الهند عن بعض الحمايات الزراعية. جيوسياسيًّا، قد يؤدي التنويع إلى تصعيد التوترات مع واشنطن، خاصة إذا امتدت إلى قيود على الخدمات الهندية، أو عقوبات ثانوية. بالإضافة إلى ذلك، يزيد التقسيم التجاري العالمي، الناتج عن التوترات الجيوسياسية، صعوبة التنبؤ، مع أخطار مثل ارتفاع تكاليف الشحن، وتقلبات العملات. ومع ذلك، يمكن للهند التغلب عليها من خلال تعزيز الإصلاحات الداخلية والبنية التحتية، مثل استثمارات المواني، والممرات اللوجستية، لتحقيق هدف تريليوني دولار في الصادرات بحلول 2030.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير