في عصر يشهد تحولات جذرية في النظام الدولي، تبرز الهند بوصفها قوة صاعدة تثير تساؤلات عن طبيعة دورها المستقبلي كقوة عظمى. مع اقتصاد يتجاوز 4.2 تريليون دولار أمريكي حسب تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2025، وعدد سكان يفوق المليار ونصف المليار، وقدرات عسكرية متزايدة بلغت ميزانيتها 81 مليار دولار، تسعى نيودلهي إلى رسم إستراتيجية كبرى تتناسب مع طموحاتها العالمية. هذه الإستراتيجية، المعروفة بـ”الاستقلالية الإستراتيجية”، تركز على الحفاظ على حرية المناورة في عالم متعدد القطبية، مع التوازن بين التحديات الإقليمية، مثل التوترات مع الصين، والفرص العالمية، مثل الشراكات مع الولايات المتحدة. يهدف هذا المقال إلى تحليل كيفية تشكل الهند قوة عظمى، من خلال استكشاف أبعادها الاقتصادية، والعسكرية، والدبلوماسية، مع النظر في التحديات الناجمة عن المنافسة مع الصين والعلاقات المتقلبة مع الولايات المتحدة تحت إدارة ترمب. وما إذا كانت هذه الإستراتيجية تعكس رؤية واقعية أم أنها تحتاج إلى تعديل لضمان صعود مستدام، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية المتسارعة في 2025.
تعود جذور إستراتيجية الهند الكبرى إلى مرحلة ما بعد الاستعمار، حيث شكلت حركة عدم الانحياز تحت قيادة جواهر لال نهرو أساسًا لسياسة خارجية تركز على الاستقلالية. خلال الحرب الباردة، تجنبت الهند الانخراط في الكتل الشرقية أو الغربية، مفضلة بناء قدرات داخلية، ودعم الدول النامية من خلال مؤتمرات مثل باندونغ عام 1955. مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، شهدت نيودلهي تحولًا اقتصاديًّا عن طريق الإصلاحات الليبرالية بقيادة مانموهان سينغ؛ مما أدى إلى نمو اقتصادي سريع بلغ متوسط 7% سنويًّا في العقود اللاحقة، مع التركيز على التنمية الداخلية كأداة للقوة الخارجية.
في القرن الحادي والعشرين، تطورت الإستراتيجية لتشمل مفهوم “التعددية القطبية”، حيث ترى الهند نفسها جزءًا من نظام دولي متعدد المراكز، لا يسيطر عليه قطب واحد. هذا النهج يعكس تجارب تاريخية مريرة، مثل حرب 1962 مع الصين، التي أبرزت الحاجة إلى توازن قوى إقليمي، وحرب 1971 مع باكستان التي أدت إلى استقلال بنغلاديش، مما عزز من دور الهند بوصفها قوة إقليمية. كما أن التحالفات الإقليمية، مثل مجموعة البريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا) تعزز دور الهند بوصفها صوتًا للجنوب العالمي، حيث أسهمت في إصلاحات مثل إدراج الاتحاد الإفريقي في مجموعة العشرين عام 2023. ومع ذلك، يثير هذا النهج تساؤلات عما إذا كان يعوق الاندماج في تحالفات أكثر صلابة، خاصة في مواجهة التهديدات الأمنية، مثل التوترات الحدودية المستمرة مع الصين.
في السنوات الأخيرة، تحت قيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، أصبحت الإستراتيجية أكثر براغماتية، مع التركيز على “الهند أولًا”، تشمل تعزيز الصناعات الدفاعية، وتنويع الشراكات التجارية. هذا التحول يعكس وعيًّا بتغير النظام الدولي، حيث أصبحت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين محورية؛ مما يضع الهند في موقف حساس يتطلب مرونة إستراتيجية. على سبيل المثال، في عام 2025، شهدت الهند تحسنًا في العلاقات مع الصين بعد لقاءات بين مودي وشي جين بينغ، لكنها حافظت على حذرها تجاه مبادرة الحزام والطريق، مفضلة بدائل مثل ممر الهند- الشرق الأوسط- أوروبا. هذا النهج يجسد “الهدنة الإستراتيجية”، حيث تتجنب الهند الالتزامات الثابتة للحفاظ على خياراتها مفتوحة.
تشكل القاعدة الاقتصادية أساس أي قوة عظمى، وهنا تبرز الهند بوصفها لاعبًا رئيسًا. بحلول عام 2025، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للهند نحو 4.2 تريليون دولار؛ مما يجعلها الاقتصاد الرابع عالميًّا، مع توقعات نمو بنسبة 6.4% حسب صندوق النقد الدولي، مدفوعًا بقطاعات مثل التكنولوجيا والخدمات. هذا النمو مدفوع بمبادرات مثل “ستاك الهند” (India Stack)، الذي يدمج المدفوعات الرقمية والخدمات الحكومية، مما أسهم في نمو الاقتصاد الرقمي إلى تريليون دولار عام 2025. كما أن برنامج “صنع في الهند” (Make in India) جذب استثمارات أجنبية بلغت 100 مليار دولار في 2024- 2025، مع التركيز على الإلكترونيات، والأدوية، والسيارات الكهربائية، حيث أصبحت الهند مصدرًا رئيسًا للأدوية الجنيسة، تغطي 20% من السوق العالمية.
ومع ذلك، تواجه الهند تحديات هيكلية، مثل نصيب الفرد المنخفض (نحو 2900 دولار)، وعدم المساواة الاجتماعية التي تفاقمت بسبب الجائحة، والبنية التحتية غير الكافية في المناطق الريفية. لتحقيق طموح الـ10 تريليونات دولار بحلول 2040، تحتاج نيودلهي إلى إصلاحات في التعليم والصحة، بالإضافة إلى تعزيز الابتكار في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، حيث أطلقت برنامج “الهند AI” لتدريب مليون متخصص عام 2025، والطاقة المتجددة، مع هدف 500 غيغاواط من الطاقة الشمسية بحلول 2030. في هذا السياق، تُعد الهند “قوة مرنة” (nimble power) قادرة على التكيف مع الصدمات العالمية، مثل جائحة كوفيد-19، والحرب في أوكرانيا، من خلال تنويع الإمدادات الغذائية والطاقة، حيث أصبحت مصدرًا رئيسًا للحبوب إلى إفريقيا.
عسكريًّا، تمتلك الهند ثالث أكبر جيش في العالم، مع ميزانية دفاع تصل إلى 81 مليار دولار في 2025- 2026، بزيادة 9.5% عن العام السابق؛ مما يجعلها رابع أكبر ميزانية دفاعية عالميًّا. التركيز على التحديث يشمل شراء أنظمة متقدمة مثل مقاتلات رافال الفرنسية، وغواصات نووية من طراز أريهانت، وصواريخ براهموس المشتركة مع روسيا. بالإضافة إلى ذلك، تطورت الصناعات الدفاعية المحلية، حيث بلغت صادرات الأسلحة 3 مليارات دولار في عام 2025، موجهة إلى دول مثل أرمينيا، والفلبين، وفيتنام، مع تخصيص 75% من الميزانية للشراء المحلي لتعزيز “أتمانيربهار بهارات” (الهند المعتمدة على ذاتها). ومع ذلك، تبقى الهند متعثرة في مواجهة الفجوة التكنولوجية مع الصين، التي تفوقها في الإنفاق العسكري بنسبة 3:1، خاصة في مجالات الطائرات بدون طيار، والحرب الإلكترونية، وهذا يدفع نيودلهي نحو “الرادع الموزع” (distributed deterrence)، عن طريق شراكات، مثل مجموعة كواد (Quad) مع الولايات المتحدة، وأستراليا، واليابان، التي ركزت في عام 2025 على تمارين بحرية مشتركة في المحيط الهندي دون التزامات عسكرية رسمية.
تتميز دبلوماسية الهند بـ”الاستقلالية الإستراتيجية”، التي تسمح لها بالحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، كما يظهر في تجنبها الانحياز الكامل إلى الغرب رغم التوترات مع الصين. في مواجهة الصين، تتبع نيودلهي سياسة “الدبلوماسية والرادع”، كما في الاشتباكات الحدودية عام 2020 في غالوان، حيث عززت الوجود العسكري، مع الحفاظ على حوار اقتصادي، مما أدى إلى تحسن تدريجي عام 2025 بعد زيارة وزير الخارجية الهندي إلى بكين. علاقاتها مع روسيا تبقى قوية، خاصة في مجال الطاقة والدفاع، رغم الضغوط الغربية بسبب الحرب في أوكرانيا، حيث اشترت الهند نفطًا روسيًّا مخفضًا بلغ 40% من وارداتها في عام 2025.
مع الولايات المتحدة، شهدت العلاقات تطورًا ملحوظًا، من خلال اتفاقيات مثل اتفاقية النووي المدني عام 2008، وشراكات في التكنولوجيا مثل مبادرة (iCET) (الابتكار السريع والناشئ)، التي أدت إلى تعاون في الفضاء مع ناسا عام 2025. ومع ذلك، ترفض الهند الالتزام بتحالفات تشبه الناتو، مفضلة “المنتديات الصغيرة” (minilaterals) مثل كواد، التي تركز على الأمن البحري، والتكنولوجيا، والتغير المناخي. هذا النهج يعكس “القوة الليمينالية” (liminal power)، حيث تقف الهند بين العوالم: ليست قوة مهيمنة بعد، لكنها ليست تابعة أيضًا، كما يظهر في خلافاتها التجارية مع إدارة ترمب بشأن الرسوم الجمركية عام 2025، مما أدى إلى دعوات إلى إعادة ضبط العلاقات.
على المستوى العالمي، تبرز الهند قائدًا للجنوب العالمي، من خلال مبادرات مثل التحالف الدولي للطاقة الشمسية، ودورها في إدراج الاتحاد الإفريقي في مجموعة العشرين، وهذا يعزز نفوذها في قضايا مثل تغير المناخ، حيث تطالب بمسؤولية تاريخية للدول المتقدمة، والتمويل الدولي، مع تخصيص 100 مليار دولار للدول النامية في مؤتمر COP30. ومع ذلك، ينتقد البعض هذا النهج لأنه يعوق الاندماج في النظام الليبرالي الغربي، خاصة في مواجهة محاولات الصين لإعادة تشكيل النظام الدولي عن طريق مبادرة الحزام والطريق، التي رفضت الهند الانضمام إليها لأسباب أمنية.
أبرز التحديات هو المنافسة مع الصين، التي تفوق الهند اقتصاديًّا (17% من الاقتصاد العالمي مقابل 4%) وعسكريًّا، مع نزاعات حدودية في لاداخ مستمرة رغم التحسن في عام 2025. الشراكة بين الصين وباكستان تضع الهند في موقف دفاعي، مما يتطلب تعزيز القدرات البحرية في المحيط الهندي، حيث أجرت تمارين مشتركة مع كواد لمواجهة الغواصات الصينية. كما أن التبعية الاقتصادية على الصين، مع واردات تفوق 100 مليار دولار سنويًّا، تعقد الإستراتيجية؛ مما يدفع إلى تنويع السلاسل التوريدية من خلال اتفاقيات مع فيتنام وتايوان.
عالميًّا، يؤثر مبدأ “أمريكا أولًا” تحت إدارة ترمب على ثقة الهند بواشنطن، خاصة مع الخلافات بشأن النفط الروسي والرسوم الجمركية، مما قد يؤدي إلى أزمة في العلاقات كما حذر خبراء في عام 2025؛ وهو ما يدفع نيودلهي نحو تنويع الشراكات، مثل التعاون مع أوروبا في مجال الطاقة الخضراء من خلال اتفاقية الهند-الاتحاد الأوروبي، أو مع الشرق الأوسط من خلال ممر IMEEC الذي يربط الهند بإسرائيل والإمارات. ومع ذلك، قد يؤدي هذا التنويع إلى تشتت الجهود، مما يعوق بناء قوة مترابطة، خاصة في مواجهة أزمات مثل الصراع الافتراضي بين الهند وباكستان في مايو (أيار) 2025، الذي أبرز دور الصين بوصفها وسيطًا محتملًا.
داخليًّا، تواجه الهند تحديات اجتماعية، مثل البطالة بين الشباب (نحو 20%)، والتوترات الطائفية التي تفاقمت في انتخابات 2024، مما قد يعوق التماسك الوطني اللازم للصعود. كما أن تغير المناخ يهدد الزراعة والأمن الغذائي، مع فيضانات متكررة في بنغالور ومومباي، مما يتطلب إستراتيجية مستدامة تشمل استثمارات في الزراعة الذكية.
في الختام، ستكون الهند قوة عظمى مرنة وليمينالية، قادرة على التنقل في نظام دولي معقد دون الالتزام بقطب واحد، كما يظهر في إستراتيجيتها الهجينة بين الغرب والشرق. إستراتيجيتها الكبرى، المبنية على الاستقلالية والتعددية، تعكس وعيًا بقيودها الجيوسياسية، لكنها تحتاج إلى تعزيز الشراكات الإستراتيجية، خاصة مع كواد، لمواجهة الصين. لتحقيق ذلك، يُوصى بـ: أولًا: زيادة الإنفاق على البحث والتطوير إلى 2% من الناتج المحلي لسد الفجوة التكنولوجية؛ ثانيًا: تعميق الإصلاحات الاقتصادية لتحقيق نمو شامل يشمل الريف؛ ثالثًا: بناء تحالفات مرنة دون فقدان الاستقلالية، مثل توسيع (IMEEC)؛ رابعًا: تعزيز دورها في الجنوب العالمي لتعزيز النفوذ الدبلوماسي عن طريق “البريكس بلس”؛ خامسًا: التركيز على الدبلوماسية الرقمية لمواجهة التهديدات السيبرانية. إذا نجحت الهند في هذا التوازن، فستكون قوة عظمى تُعيد تشكيل النظام الدولي نحو تعددية حقيقية، لا هيمنة قطبية. هذا الصعود ليس محتومًا؛ بل يعتمد على القدرة على التكيف مع التحديات المتغيرة، مثل التوترات الجيوسياسية في جنوب آسيا، والتغيرات المناخية العالمية.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.