
تُمثّل الهجمات الاخيرة على إيران في المرحلة الراهنة لحظةً بالغة الحساسية على الصعيدين الإقليمي والدولي، تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية، وتتصاعد معها لغة الردع والرد المضاد. وهي أحداث لا يمكن استيعابها من زاوية التوازنات الأمنية وحدها، أو حصرها في إطار الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط، بقدر ما ينبغي قراءتها ضمن السياق الأوسع للتحالفات الدولية، وفي مقدمتها العلاقة الخاصة التي تجمع بين الولايات المتحدة وما يُسمى “إسرائيل”. ففي كل جولة تصعيد، يطفو على السطح السؤال نفسه عن طبيعة هذا التحالف: هل هو تحالف إستراتيجي بامتياز، أم أن له أبعادًا أيديولوجية ودينية تُلقي بظلالها على المناخ السياسي الذي تُتخذ فيه القرارات؟
داخل الولايات المتحدة، يُشكّل التيار الإنجيلي المحافظ قوةً اجتماعية وسياسية ذات ثقل متزايد، لا سيما منذ صعود ما بات يُعرف بـ”اليمين الديني” في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته. وقد ارتبط هذا الصعود بشخصيات محورية، في مقدمتها Jerry Falwell، مؤسس منظمة Moral Majority عام 1979، التي استهدفت تعبئة الناخبين المحافظين وتوجيه أصواتهم سياسيًّا. وقد تزامن هذا الحراك مع التحالف المتنامي بين الإنجيليين والحزب الجمهوري في عهد Ronald Reagan، حتى غدا الصوت الإنجيلي عاملًا انتخابيًّا فاعلًا، خاصةً في ملفات القيم الاجتماعية، ودعم إسرائيل. وتكشف دراسات علم الاجتماع السياسي الأمريكي أن تأثير هذا التيار لم يقف عند حدود الشأن الداخلي، بل تخطّاه إلى توجيه مواقف السياسة الخارجية، وبدرجة أولى فيما يتعلق بالشرق الأوسط.
وجزء وازن من هذا التيار يستقي مرجعيته من المدرسة اللاهوتية المعروفة بـ”التدبيرية” (Dispensationalism)، التي نشأت في القرن التاسع عشر على يد اللاهوتي البريطاني John Nelson Darby، ثم شقّت طريقها إلى الولايات المتحدة عبر Scofield Reference Bible، التي أعدّها Cyrus I. Scofield عام 1909 وغدت مرجعًا راسخًا في الأوساط الإنجيلية. تقوم هذه المدرسة على تقسيم التاريخ إلى مراحل إلهية متعاقبة، وتتبنى قراءةً حرفية لنبوءات العهد القديم، إذ ترى في قيام دولة إسرائيل وعودة اليهود إلى فلسطين تحقيقاً لخطة إلهية تُمهّد لأحداث “نهاية الأزمنة”، وهي عقيدة رسّخت حضورها في قطاعات عريضة من البروتستانتية الإنجيلية الأمريكية طوال القرن العشرين.
في هذا السياق، يُستدعى أحيانًا ما ورد في سفر حزقيال (في الإصحاحين 38 و39) من إشارات إلى تحالفات تضم “فارس”، فضلًا عما تضمّنه سفر دانيال من إشارات إلى قوى إقليمية كبرى ذات بأس شديد: “فَارِسُ وَكُوشُ وَفُوطُ مَعَهُمْ، كُلُّهُمْ بِمِجَنٍّ وَخُوذَةٍ” (سفر حزقيال 38). وبحسب التفسير التدبيري تُفهم “كوش“ على أنها منطقة اثيوبيا القديمة ومنطقة النوبة، و“فوط“ تُربط عادة بمناطق في شمال إفريقيا (غالبًا ليبيا) أما “فارس“ فتشير إلى الإمبراطورية الفارسية التي قامت في القرن السادس قبل الميلاد تقريبًا، في أراضي إيران الحالية، بمعنى مباشر يوحي اغن هذه الشعوب ستكون جزءًا من تحالف عسكري كبير يهاجم “أرض إسرائيل”.
وتاريخيًّا، كُتبت هذه النصوص في سياق القرن السادس قبل الميلاد، في خضم صعود الإمبراطوريات البابلية والفارسية وانهيارها، وكانت “فارس” تعني الإمبراطورية الأخمينية التي أسّسها قورش الكبير، لا دولةً قومية بالمعنى الحديث. غير أن فريقًا من الوعاظ والكتّاب الإنجيليين المعاصرين يُعيدون تأويل هذه النصوص بوصفها نبوءات مستقبلية لم تتحقق بعد، رابطين اسم “فارس” مباشرةً بإيران المعاصرة، مستندين إلى أنها لم تتخلَّ رسميًّا عن هذه التسمية إلا عام 1935.
وقد برز هذا النمط التفسيري بصورة لافتة في الأدبيات الشعبية الإنجيلية أواخر القرن العشرين، ولعل أبرز تجلياته كتاب The Late Great Planet Earth لـHal Lindsey، الذي مزج بين أحداث الحرب الباردة ونبوءات نهاية الأزمنة، وحقق انتشارًا واسعًا في سبعينيات القرن الماضي، ثم جاءت سلسلة Left Behind التي شارك في تأليفها Tim LaHaye لتُرسّخ هذا التصور، إذ بيعت منها ملايين النسخ، ورسّخت في الوعي الشعبي صورةً ترى في صراعات الشرق الأوسط فصلًا من فصول مخطط إلهي كوني. وبعد قيام إسرائيل عام 1948، ثم اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تعمّق هذا الربط في خطاب بعض الدوائر الإنجيلية، خاصةً مع تصاعد النفوذ الإيراني الإقليمي، واشتداد الجدل بشأن برنامجها النووي، حيث رأى فيها بعضهم عناصر تنتظم ضمن مشهد نبوي أشمل.
شهدت السنوات الأخيرة تصلّبًا متزايدًا في المواقف الأمريكية تجاه إيران، تزامن مع خطوات داعمة لإسرائيل، كان أبرزها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 2018 في عهد إدارة دونالد ترمب الأولى. وقد استند هذا القرار إلى تشريع أقرّه الكونغرس عام 1995، غير أنه ظلّ حبيس التعليق أكثر من عقدين قبل أن يُنفَّذ، مُثيرًا موجة واسعة من ردود الفعل الدولية، فيما لقي في المقابل ترحيبًا حارًّا داخل أوساط القاعدة الإنجيلية المحافظة التي تربط دعم إسرائيل باعتبارات دينية ولاهوتية راسخة.
وفي العام نفسه، أعلنت واشنطن انسحابها من الاتفاق النووي المعروف رسميًّا بـJoint Comprehensive Plan of Action، الذي أُبرم عام 2015 بين إيران ومجموعة (5+1) بهدف تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات، لتُعيد فرض عقوبات اقتصادية مشددة في إطار ما عُرف بسياسة “الضغط الأقصى”، مستندةً في تبرير ذلك إلى مخاوف تتصل ببرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وتمدد نفوذ طهران الإقليمي. ومع عودة ترمب الثانية إلى السلطة، اتخذت السياسة الخارجية الأمريكية منحىً أشد تصعيدًا، بلغ ذروته في عملية عسكرية مشتركة أمريكية إسرائيلية واسعة النطاق، شُنّت في الثامن والعشرين من فبراير (شباط) 2026 ، مبررًا أن هدفها الرئيس هو الدفاع عن الشعب الأمريكي بالقضاء على ما وصفه بالتهديدات الإيرانية الوشيكة، وفي مقدمتها البرنامج النووي.
يتحرك الجدل بشأن إيران وإسرائيل في مساحة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع الرموز العقدية؛ فهو من جهة يعكس صراع نفوذ إقليمي حاد تحكمه موازين القوة والمصلحة، ومن جهة أخرى يُقرأ في بعض الأوساط الدينية الأمريكية ضمن سردية لاهوتية أشمل، تتصل بمستقبل إسرائيل ودورها في التاريخ الديني. وهذا التداخل هو ما يفسّر عدم انفصال بعض مواقف الرأي العام عن البنى الراسخة في الفكر الديني والهوية الأيديولوجية، لا سيما داخل التيارات المتشرّبة بالمدرسة التدبيرية.
غير أن هذا الربط يظل -من الناحية الأكاديمية- موضع جدل واسع؛ فغالبية دارسي الكتاب المقدس في الجامعات والمعاهد اللاهوتية يرون أن نصوص سفر حزقيال (الإصحاحان 38 و39)، وسفر دانيال، إنما كُتبت في سياقات تاريخية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، حين اشتدّ الصراع مع الإمبراطوريتين البابلية والفارسية، وأنها توظّف لغةً رمزية وأدبية مألوفة في أدب النبوة القديم. والإشارات إلى “فارس” في هذه النصوص كانت تعني كيانًا إمبراطوريًّا تاريخيًّا بعينه، لا دولةً قومية حديثة بحدودها وهويتها المعاصرة. بيد أن وجود قاعدة شعبية تتبنى هذا التأويل يُسهم في تشكيل المزاج العام، ويمنح بعض السياسات تجاه إيران غطاءً ثقافيًّا ودينيًّا، وإن ظلّ صنع القرار الرسمي في واشنطن قائمًا في جوهره على اعتبارات القوة والمصلحة الإستراتيجية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير