مختارات أوراسية

النظام الدولي بين الأزمة والثورة


  • 27 ديسمبر 2023

شارك الموضوع

في دفاتره الخاصة التي دونها داخل السجن، كتب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي: “تتجلى الأزمة تحديدًا في أن القديم آيل إلى الزوال، في حين لا يستطيع الجديد أن يولد، وفي فترة التريث هذه، يبرز عدد كبير من الأعراض المرضية”. يعود تاريخ هذا الاقتباس إلى الفترة المضطربة بين الحربين العالميتين، وهو مناسب أيضًا لوصف حالة النظام الدولي على مدى العقود القليلة الماضية.

لقد أصبح من الشائع اليوم القول إن العالم قد دخل فترة من التحول الثوري، لكن الثورة القادمة في السياسة العالمية تُنبِّئَ بها أكثر من مرة في الماضي، بدءًا من انهيار الاتحاد السوفيتي. لقد تُنبِّئَ بهذه الثورة بعد الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وخلال الأزمة المالية العالمية في الفترة من   2007 إلى 2008، وعلى خلفية الأحداث الدرامية للربيع العربي، وفي ذروة تفشي وباء كوفيد- 19. واعتبر البعض أن نقطة الانطلاق للعصر الجديد هي فوز دونالد ترمب في الانتخابات الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، فيما اعتبرها البعض الآخر التصويت الذي جرى في المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن الثورة التي طال انتظارها، والتي يبدو أنها مبرمجة من خلال مسار التاريخ بكامله، أُجِّلَت باستمرار، وأظهر النظام القديم العالمي- مرة تلو الأخرى- قدرته الاستثنائية على مقاومة التغيير، والتكيف مع الظروف الجديدة.

شيخوخة النظام القديم

مع أن حالة الأزمة تسبق دائمًا أي ثورة- بطريقة أو بأخرى- فإنه ليس كل أزمة تنتهي بالضرورة بانهيار ثوري جذري للنظام القديم. وقد تكون النتيجة المباشرة للأزمة تنفيذ الإصلاحات الضرورية التي تخفف التوتر داخل النظام، أو استعادة الوضع الذي كان قائمًا قبل الأزمة، أو حتى التحرك إلى الوراء نحو الإصلاح، من خلال العودة إلى الممارسات التقليدية أو القديمة.

اليوم، كما كان من قبل، هناك مجموعة كاملة من المسارات لمزيد من تطوير النظام الدولي، ومن بينها لا يبدو أن خيار انهياره الثوري هو الخيار الأكثر تفضيلًا. ترتبط الثورة بزيادة المخاطر والتكاليف المرتبطة بها، وغالبًا ما تؤدي إلى نتائج غير متوقعة. إن كثيرًا من الدول والمجتمعات التي لديها أسباب وجيهة لعدم الرضا عن الوضع الحالي في العالم تفضل التحول التطوري، وليس الثوري للنظام، ولكن هل من المقبول أن نفترض أن النظام الذي صمد أمام اختبارات القوة المختلفة ثلاثين عامًا، ورفض إجراء أي تغيير، يمكن أن يصمد، ولو من خلال إجراء بعض الإصلاحات؟ في نهاية المطاف، يختلف الوضع الحالي- كثيرًا- عن أي أزمة أخرى مرت بها البشرية منذ الحرب الباردة، وهو ما يستدعي ذكر القائمة الأكثر وضوحًا لهذه الاختلافات.

بادئ ذي بدء، تكشفت الأزمات السابقة في المقام الأول في جزء واحد، وإن كان بالغ الأهمية، من العالم بأسره، أو في بُعد واحد من العلاقات الدولية. لقد مر العالم بأزمات حادة تتعلق بالدولة في بعض مناطقه، ومنها انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وما يسمى “الربيع العربي” بعد عشرين عامًا. كانت للأزمة الأمنية التي تجلت في شكل هجمات إرهابية في نيويورك وواشنطن في بداية القرن طبيعة محددة جدًّا. وبوسعنا أن نقول الشيء نفسه عن الاضطرابات اللاحقة في النظام المالي الدولي في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وفي الصحة العالمية في مطلع العقدين الثاني والثالث.

تتميز المشكلات العالمية الحالية بتعقيد غير مسبوق، حيث تتجلى ظواهر الأزمات في وقت واحد في مجموعة متنوعة من المناطق، وفي أبعاد مختلفة من السياسة والاقتصاد العالميين. بالتوازي تقريبًا، هناك تراجع في كثير من أهم مجالات التجارة والاستثمار العالميين، وتتزايد تقلبات الأسواق المالية، وأسواق السلع الأساسية، ويتزايد عدد الصراعات الدولية والحروب الأهلية وحجمها، وتتفاقم مشكلات المناخ ونقص الموارد. ويتفاقم الوضع سوءًا، وهناك انخفاض في فاعلية تطبيق كثير من قواعد القانون الدولي. وبعبارة أخرى، فإن البنية الصدئة للنظام العالمي القديم بدأت تظهر عليها تصدعات ليس في مكان واحد فقط، بل في مجموعة متنوعة من الأماكن.

بالإضافة إلى ذلك، وكما تبين، فإن ظواهر الأزمة الأخيرة ذات طبيعة طويلة الأمد أو حتى مزمنة. الأزمة المالية في بداية القرن، والربيع العربي، ووباء فيروس كورونا؛ استغرقت المرحلة الحادة لكل من هذه الكوارث ما متوسطه سنة ونصف السنة إلى سنتين. يقترب العالم اليوم من ذكرى مرور عامين على انتقال الصراع بين روسيا والغرب إلى مرحلة حادة، ولا يوجد ضوء في نهاية النفق بعد. بالإضافة إلى ذلك، هناك كثير من الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن مزيدًا من التصعيد ينتظرنا. تنشأ الاستنتاجات المخيبة للآمال نفسها فيما يتعلق بكثير من الصراعات النظامية الأخرى في اللحظة التاريخية التي نعيشها.

تتميز الاضطرابات التي تحدث اليوم أيضًا بخصوصية أنها، لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، لم تكن مبنية على بعض التحديات والتهديدات المشتركة للاعبين الدوليين الرئيسين (الإرهاب، والأوبئة، وتغير المناخ، وما إلى ذلك)، ولكن- بشكل مباشر- على التناقضات بين هؤلاء اللاعبين أنفسهم؛ لذلك، إذا كانت هناك على الأقل إمكانية نظرية في وقت سابق، عندما كانت التحديات خارجية، لتوحيد القوى العظمى لمواجهة هذه التحديات بشكل مشترك، فقد استُبعِدَ الآن هذا الاحتمال في الواقع، حيث تتخذ السياسة العالمية هذا الشكل من “لعبة محصلتها صفر”.

شلل النظام من الأعلى والأسفل

مما لا شك فيه أن كل الأزمات السابقة وإخفاقات النظام أسهمت في نضوج الوضع الثوري الحالي. وبما أن اللاعبين الرئيسين- كقاعدة عامة- سلكوا طريق استعادة الوضع الراهن بدلًا من إجراء اجراء الإصلاحات لكثير من المشكلات التي نشأت ولم تُحَل، بل وُضِعَت على الرف سنة بعد سنة، فإن التأثير السلبي التراكمي الشامل للمشكلات المؤجلة خلق تراكمًا حتميَّا، وانخفاضًا تدريجيًّا في استقرار النظام. بالمعنى المجازي، سنة بعد سنة، استخدمت البشرية، التي تعاني كثيرًا من الفيروسات الخطيرة، الأسبرين المعتاد للعلاج بدلًا من المضادات الحيوية القوية اللازمة، وتمت السيطرة على درجة الحرارة المرتفعة، لكن التعافي النهائي لم يحدث قط. ومع كل انتكاسة جديدة لعدم الاستقرار الدولي، كان نطاق الفرص المتاحة لضمان التحول المنظم والتدريجي للنظام، أي إعادة بنائه باستخدام آليات الإصلاح التي اتفق عليها اللاعبون الرئيسون، يتضاءل.

وكلما تضاءلت الفرص المتاحة للإصلاحات المنسقة “من الأعلى”، تعاظمت احتمالات الانهيار العفوي والعنيف للنظام القديم “من الأسفل”، وهو ما يحدث دائمًا في أثناء الثورة. ينشأ هذا الوضع، المعروف جيدًا من كتب التاريخ المدرسية القديمة، عندما لا تعود “القمة” (النخب العالمية والسياسية والاقتصادية) قادرة على الحكم كما كانت من قبل، ولا يرغب من هم في “القاع” (المجتمعات الوطنية) في العيش وفقًا للنظام القديم، وقواعده التي كانت مفروضة عليهم ذات يوم. ويبدو أن هذا هو الفارق الرئيس بين الوضع الحالي وجميع الأزمات التي شهدتها العقود الماضية، وهو ما يجعل الانهيار الثوري للنظام القديم أكثر احتمالًا مما كان عليه قبل بضع سنوات فقط.

يعرف التاريخ كثيرًا من الأمثلة على التحولات الثورية في الأنظمة الإقليمية، وحتى العالمية، للعلاقات الدولية. ومع ذلك، فإن الوضع الحالي ليس له سابقة تاريخية في كثير من النواحي. في السابق، كانت الخوارزمية الطبيعية لحل الأزمات النظامية عبارة عن حرب كبرى، وقد أدى هذا الصدام العسكري إلى تثبيت توازن جديد للقوى، وسمح للاعبين الرئيسين، الذين أكدوا مكانتهم خلال الحرب، بتحديد قواعد جديدة للعبة في الشؤون الدولية. وكانت هذه هي الحال مع إنشاء نظام وستفاليا (1648)، ونظام فيينا للوفاق الأوروبي (1815)، ونظام فرساي (1919)، ونظام يالطا- بوتسدام (1945).

اليوم، تبدو مهمة استعادة حالة توازن النظام بسرعة نسبية غير قابلة للحل تقريبًا: “لم يعد اللاعبون الرئيسون قادرين على تحمل ترف الصدام العسكري المباشر بعضهم مع بعض، والاشتباكات غير المباشرة (الناتو- روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية- الصين، الغرب الجماعي- الجنوب العالمي). يمكن أن تستمر مدة طويلة جدًّا، دون تحديد الفائز النهائي”. إن المخاطر للطرفين في هذه المواجهات كبيرة جدًّا، وخيارات التصعيد دون عقاب كثيرة. ومن الصعب أيضًا إصلاح قواعد اللعبة المحدثة؛ لأن العالم اليوم يعاني إجهادًا مؤسسيًّا واسع النطاق، مع الافتقار إلى الرغبة في استثمار قدر كبير من الموارد ورأس المال السياسي في إنشاء مؤسسات جديدة للحكم العالمي أو الإقليمي.

مواصفات الثورة الدائمة

كل هذا يعني أن النظام الدولي يدخل حقبة طويلة من الثورة المستمرة. لن ينشأ نظام عالمي جديد مستقر في عام 2024، ولا في السنوات القليلة المقبلة، وسوف يستمر تحديد محتوى العمليات الدولية- إلى حد كبير- من خلال الانهيار المستمر للنظام القديم، وليس من خلال إنشاء نظام جديد، وسوف تتميز الاتجاهات العالمية في هذه الظروف بعدم الاستقرار، والتقلب، وتعدد الاتجاهات.

ومن بين أمور أخرى، سوف تتجلى الثورة الدائمة للنظام الدولي في إضفاء الطابع الإقليمي، أو حتى “التفتيت”، على الهياكل الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، وإضفاء الطابع الأمني ​​التدريجي على السياسة الخارجية، والأولويات الوطنية للاعبين الرئيسين، واستمرار تراجع الآليات المتعددة الأطراف على المستوى العالمي والإقليمي، في ظل الدور المتزايد للقوى المتوسطة والإقليمية، وهو ما يحول دون تشكيل نظام ثنائي القطب من جديد.

قال الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس: “إن الوعي الثوري يعبر عن نفسه في الاقتناع بأن البداية الجديدة ممكنة”، لكن هذا الاعتقاد ليس دائمًا، ولا يتحول- على الفور- إلى فكرة واضحة ومفصلة عما يجب أن يصبح عليه الواقع الجديد بالضبط. بطبيعة الحال، سوف يتسارع التشكيل التدريجي للنظام العالمي الجديد بمرور الوقت، ولكنه- على الأرجح- لن ينطلق من الأعلى إلى الأسفل، بل من الأسفل إلى الأعلى؛ من خلال إنشاء تحالفات ظرفية تكتيكية لحل المشكلات الفردية الملحة ذات الأهمية العالمية، أو الإقليمية. فضلًا عن ذلك، فإن هذه التحالفات لن تضم الدول فحسب، بل أيضًا الجهات الفاعلة غير التابعة لدول بعينها في العلاقات الدولية. سوف تتشكل التحالفات في ظروف التعددية الواضحة والمتنامية باستمرار لقيم التنمية الاجتماعية والاقتصادية الوطنية ونماذجها.

ومن المرجح أن يكون موضوع التنظيم في البداية ذا أبعاد تقنية وغير سامة سياسيًّا للعلاقات الدولية، مع احتمال الدخول تدريجيًّا في أبعاد أكثر تعقيدًا وحساسية للسياسة العالمية. لإعادة صياغة غرامشي المذكورة أعلاه، دعونا نستنتج أن الممارسات التنظيمية الجديدة المتعددة الأطراف ستصبح اللبنة الأساسية الأولى للعالم الجديد، مع أنها لا تزال خشنة وفظة، ولكنها تظل أكثر جمالًا من أطلال النظام الدولي القديم والمهيب، لكنه فاقد للفاعلية.

المصدر: صحيفة نيزافيسيمايا غازيتا اليومية

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع