
في سياق إقليمي ودولي يتسم بتسارع التحولات الإستراتيجية، وتراجع أنماط التحالفات الصلبة التقليدية لصالح صيغ أكثر مرونة وانتقائية، أعلن وزير الإنتاج الحربي الباكستاني رضا حيات هيراج، في الخامس عشر من يناير (كانون الثاني) الجاري، قرب إعلان تحالف دفاعي ثلاثي يضم باكستان والسعودية وتركيا، بعد نحو عام من المفاوضات بين الدول الثلاث؛ في محاولة لربط فضاءات جيوسياسية متعددة -الخليج العربي والشرق الأوسط وجنوب آسيا- ضمن معادلة تعاون تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية، ليثير هذا التحالف المحتمل جملة من التساؤلات الجدلية عن طبيعته وملامحه المستقبلية، وهل يمثل نواة لتحالف مؤسسي قادر على إعادة تشكيل بعض توازنات القوى الإقليمية، أم أنه سيظل إطارًا تنسيقيًّا محدودًا تحكمه الضرورات الظرفية؟ وإلى أي مدى تستطيع الدول الثلاث تجاوز تباين أولوياتها الإستراتيجية وشبكة علاقاتها المتشابكة مع قوى إقليمية ودولية أخرى؟ كما يطرح الحلف المنتظر تساؤلات أعمق عن انعكاساته على الأمن الإقليمي، وعلى منظومة التحالفات القائمة، فضلًا عن مآلاته في ظل نظام دولي يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة. هذه الأسئلة تشكل المدخل التحليلي لفهم فرص التحالف وحدوده، واحتمالات تطوره أو تعثره على المديين المتوسط والبعيد.
تُعد العلاقات التركية الباكستانية من أكثر العلاقات استقرارًا في العالم الإسلامي، حيث تستند إلى أسس تاريخية وأيديولوجية وعسكرية وثيقة، تعود جذورها إلى دعم مسلمي شبه القارة الهندية للدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وهو ما أسس لرصيد رمزي إيجابي استمر بعد تأسيس باكستان عام 1947. وخلال الحرب الباردة انخرط البلدان في أطر أمنية مشتركة، في مقدمتها حلف بغداد؛ ما عزز البعد الإستراتيجي للعلاقة في مواجهة التهديدات السوفيتية والهندية. وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، تطورت العلاقات نحو شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد، مع تركيز واضح على التعاون العسكري والصناعات الدفاعية، وأصبحت تركيا أحد أبرز موردي المعدات العسكرية لباكستان، لا سيما في مجالات الطائرات بدون طيار، والسفن الحربية، والتحديثات التقنية، وفي هذا السياق تنظر أنقرة إلى إسلام آباد بوصفها بوابة نفوذ إلى جنوب آسيا، وقوة عسكرية نووية صديقة، في حين ترى باكستان في تركيا شريكًا موثوقًا به يوازن علاقاته المعقدة مع الولايات المتحدة والصين ودول الخليج، هذا التوافق الاستثنائي يجعل العلاقة التركية الباكستانية الركيزة الأكثر صلابة لأي تصور لتحالف ثلاثي.
اتسمت العلاقات السعودية الباكستانية منذ نشأتها بطابع إستراتيجي براجماتي يقوم على تبادل المصالح الأمنية والاقتصادية، وأدى العامل الديني دورًا مهمًّا في التقارب، لكن العلاقة تجاوزت هذا البعد لتشمل التعاون الدفاعي المباشر، حيث قدمت باكستان دعمًا عسكريًّا وأمنيًّا للمملكة منذ ستينيات القرن الماضي، بما في ذلك التدريب، ونشر قوات استشارية. في المقابل، شكلت السعودية داعمًا اقتصاديًّا رئيسًا لباكستان من خلال المساعدات المالية، وإمدادات الطاقة التفضيلية، وتحويلات العمالة الباكستانية، غير أن هذه العلاقة شهدت توترات نسبية في السنوات الأخيرة، خاصة على خلفية الموقف الباكستاني المتحفظ من الانخراط العسكري في حرب اليمن، وكذلك سعي إسلام آباد إلى موازنة علاقاتها مع إيران، ومع ذلك، حافظت العلاقة على حد أدنى من الاستقرار الإستراتيجي، مدفوعة بإدراك الطرفين أهمية كل منهما في معادلات الأمن الإقليمي، ما يجعلها علاقة قابلة لإعادة التفعيل السريع ضمن أي إطار تحالفي أوسع.
وبالنظر إلى العلاقات التركية السعودية نجدها مرت بتحولات حادة تعكس تغيرات البيئة الإقليمية أكثر مما تعكس خلافات بنيوية دائمة، فخلال العقود السابقة للربيع العربي، اتسمت العلاقة بالتعاون الحذر، لكن تداعيات ما حدث في 2011 أدت إلى تصادم إستراتيجي واضح بسبب اختلاف الرؤى بين البلدين بشأن قضايا الإسلام السياسي، وإدارة الأزمات الإقليمية، ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط، وبلغ التوتر ذروته في أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، قبل أن تدخل العلاقات مرحلة إعادة ضبط إستراتيجية مدفوعة بالمصلحة الوطنية، أبرزها التحولات في السياسة الإقليمية السعودية، والضغوط الاقتصادية على تركيا، وتراجع مساعي الطرفين للصراعات المفتوحة. ومع أن العلاقة بين أنقرة والرياض لا تزال تتسم بالحذر وغياب الثقة الكاملة، فإنها انتقلت من منطق الصراع الصفري إلى منطق إدارة الخلاف والتنسيق الانتقائي، وهو ما يفتح الباب جزئيًّا أمام صيغ تعاون محدودة ضمن أطر أوسع.
تنطلق تركيا في مقاربتها لأي تحالف ثلاثي محتمل من سعيها إلى إعادة تموضع إقليمي ودولي يتجاوز القيود التي فرضتها عليها علاقاتها المتوترة نسبيًّا مع بعض القوى الغربية، حيث يمثل التحالف مع باكستان والسعودية فرصة لتعزيز النفوذ التركي في فضاءين حيويين، هما الخليج العربي وجنوب آسيا، بما يحقق مفهوم العمق الجيوسياسي خارج المجال الأوروبي التقليدي، كما تُعد الصناعات الدفاعية محورًا مركزيًّا في الأهداف التركية، إذ ترمي أنقرة إلى توسيع أسواق صادراتها العسكرية، وتثبيت نفسها موردًا موثوقًا به للسلاح والتكنولوجيا الدفاعية في العالم الإسلامي، كما يوفر التعاون مع باكستان -القوة النووية ذات الخبرة العسكرية- شريكًا إستراتيجيًّا داعمًا لتطوير القدرات القتالية والتكتيكية، في حين تمثل السعودية سوقًا واستثمارًا إستراتيجيًّا يعزز استدامة هذا التوجه؛ ومن ثم ترى تركيا في التحالف المحتمل أداة لتعظيم قوتها الصلبة والناعمة معًا، ضمن إستراتيجية واقعية مرنة للتحالفات.
أما السياسة الخارجية الباكستانية فتحكمها معادلة أمنية معقدة، يأتي في مقدمتها التهديد البنيوي المتواصل من الهند، ومن هذا المنطلق، تنظر إسلام آباد إلى أي تحالف ثلاثي محتمل بوصفه وسيلة لموازنة الضغوط الإقليمية، وتوسيع هامش المناورة الإستراتيجية خارج الاعتماد المفرط على شراكات بعينها، مثل الصين، أو الولايات المتحدة، حيث يمثل التعاون مع تركيا قيمة مضافة لباكستان في مجال التحديث العسكري، ونقل التكنولوجيا الدفاعية، في حين تشكل السعودية عنصرًا حيويًّا في معادلة الدعم الاقتصادي وأمن الطاقة، كما تسعى باكستان -من خلال هذا التحالف- إلى تنويع شركائها الإستراتيجيين بما يقلل من خطر العزلة الدولية، أو الضغوط السياسية المرتبطة بالتحالفات الأحادية. بالإضافة إلى هذا، ترى إسلام آباد في هذا الإطار فرصة لتعزيز مكانتها بوصفها فاعلًا محوريًّا بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا، دون الانخراط في استقطابات حادة قد تُقيد خياراتها المستقبلية.
تندرج دوافع السعودية ضمن سياق إعادة تعريف دورها الإقليمي والدولي في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي، وتراجع الاعتماد المطلق على التحالفات التقليدية، حيث تطمح المملكة إلى تنويع شبكة تحالفاتها لتقليل كلفة الاعتماد على شريك واحد مع الحفاظ على استقلالية قرارها السيادي، كما يشكل الأمن الإقليمي دافعًا مركزيًّا للرياض، لا سيما في ظل التحديات المرتبطة بأمن الخليج والبحر الأحمر، وتوازن القوى مع الفاعلين الإقليميين، ويتيح التعاون مع تركيا وباكستان للمملكة توسيع خياراتها في مجالات الأمن والدفاع، دون الانخراط في التزامات تحالفية صلبة. كما أن إدارة التحولات في النظام الدولي نحو التعددية القطبية تدفع السعودية إلى بناء علاقات مرنة مع قوى متوسطة صاعدة قادرة على توفير دعم سياسي وعسكري واقتصادي متبادل.
يكشف ما سبق أن أهداف الدول الثلاث تتقاطع عند السعي إلى تعظيم الاستقلالية الإستراتيجية في مواجهة نظام دولي متغير، والرغبة في بناء شراكات مرنة غير مُقيدة، كما يجمعها الاهتمام بتعزيز القدرات الدفاعية، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والأمني، دون الارتباط بتحالفات أيديولوجية صارمة. في المقابل، تكمن نقاط الاختلاف في ترتيب الأولويات وحدود الانخراط، فبينما تسعى تركيا إلى توسيع نفوذها الإقليمي بصورة أكثر فاعلية، تتبنى السعودية مقاربة أكثر حذرًا قائمة على إدارة التوازنات، في حين تركز باكستان على اعتبارات الأمن القومي المباشر، ومحاربة الهند. هذه الفجوات لا تُلغي فرص التحالف، لكنها تُرجح أن يكون تحالفًا وظيفيًّا وانتقائيًّا أكثر منه تحالفًا مؤسسيًّا شاملًا.
يمثل التحالف العسكري الثلاثي المحتمل عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل توازن القوى الإقليمي في الشرق الأوسط من خلال إدخال فاعل مركب متعدد الأقاليم يربط بين الخليج والأناضول وجنوب آسيا، وليس من خلال خلق كتلة صدامية مباشرة، حيث يمنح هذا التحالف تركيا عمقًا ماليًّا واقتصاديًّا خليجيًّا، ويمنح السعودية امتدادًا عسكريًّا وتقنيًّا، في حين تضيف باكستان ثقلًا عسكريًّا ونوويًّا غير مباشر إلى المعادلة. هذا التداخل قد يؤدي إلى رفع كلفة التحركات الأحادية لبعض القوى الإقليمية، ويدفع باتجاه توازن أكثر مرونة قائم على الردع غير المباشر بدل المواجهة الصلبة. وعلى مستوى جنوب آسيا، يُحتمل أن يعزز التحالف هامش المناورة الإستراتيجية لباكستان في مواجهة الهند، من خلال دعم سياسي واقتصادي يخفف الضغوط الإقليمية؛ ما قد يدفع نيودلهي إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الخليج وتركيا، وربما تعزيز شراكاتها مع قوى موازنة، مثل الولايات المتحدة، أو إسرائيل.
أما في الخليج، فإن التحالف قد يفتح المجال أمام مقاربات أمنية جديدة تتجاوز الإطار التقليدي للاعتماد الكامل على المظلة الغربية، وقد يؤثر التحالف في أطر التعاون الخليجي من خلال إدخال فاعلين غير خليجيين في بعض الملفات الأمنية والاقتصادية؛ ما يفرض إعادة ضبط داخلية للحفاظ على تماسك هذه الأطر، ما يعني أن التحالف المحتمل لن يكون بديلًا عن التحالفات القائمة؛ وإنما عامل ضغط ناعم لإعادة توازنها، فقد يسهم في تنويع الشراكات الدفاعية والتكنولوجية، دون أن يصل إلى حد تقويض الهياكل الأمنية القائمة؛ ومن ثم يُتوقع أن يكون تأثير التحالف تراكميًّا وبطيئًا، لكنه يحمل دلالات إستراتيجية على المدى المتوسط.
ومن المرجح أن يؤثر التحالف الثلاثي في ديناميات المنظمات والتحالفات الإقليمية والدولية دون أن يحل محلها؛ فعلى مستوى منظمة التعاون الإسلامي، قد يعزز التحالف من التنسيق السياسي والاقتصادي بين بعض أعضائها، لكنه في الوقت نفسه قد يثير مخاوف من تكتلات داخلية تُضعف الطابع التوافقي للمنظمة. أما فيما يتعلق بالتحالفات العسكرية القائمة، مثل علاقات تركيا مع حلف الناتو، فإن التحالف المحتمل سيظل في إطار التكامل غير الرسمي، بما لا يرقى إلى تحدي الالتزامات المؤسسية لأنقرة. وعلى الصعيد الإقليمي، يُتوقع أن تتعامل إيران مع التحالف بحذر إستراتيجي، مع السعي إلى احتوائه دبلوماسيًّا، وتجنب التصعيد المباشر، خاصة في ظل تشابك مصالحها مع تركيا وباكستان، كما يُرجح أن تنظر الهند إلى التحالف بوصفه تطورًا يستحق المراقبة؛ ما قد يدفعها إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في الخليج والشرق الأوسط.
ودوليًّا، ستراقب الولايات المتحدة التحالف من زاوية تأثيره في نفوذها التقليدي في الخليج، مع ميل إلى الاحتواء بدل المواجهة ما دام التحالف مرنًا وغير مؤسسي، أما الصين وروسيا، فمن المرجح أن تنتهجان مقاربة براغماتية ترى في التحالف فرصة لتعميق التعددية القطبية دون الانخراط المباشر فيه؛ ما يعني أن ردود الفعل الدولية ستظل محكومة بمدى تطور التحالف من تنسيق وظيفي إلى إطار مؤسسي أكثر وضوحًا، فلا يُتوقع أن يُحدث التحالف الثلاثي المحتمل انقلابًا جذريًّا في النظام الإقليمي أو الدولي، لكنه قد يشكل عاملًا تراكميًّا مؤثرًا في إعادة توزيع الأدوار، وتعديل حسابات القوى، حيث تكمن أهميته في كونه مؤشرًا على اتجاه أوسع نحو تحالفات مرنة متعددة الأقاليم تعكس طبيعة النظام الدولي الجديد، أكثر مما تعكس رغبة في بناء كتل صدامية تقليدية.
تطرح المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة عددًا من التكهنات أمام مستقبل الحلف الدفاعي المزمع بين تركيا والسعودية وباكستان تتمثل في: سيناريو التنسيق المرن المحدود، ويُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث يظل التعاون في إطار تنسيق وظيفي انتقائي دون الانتقال إلى تحالف مؤسسي شامل، ويقوم هذا النموذج على العمل المشترك في مجالات محددة ذات عائد سريع ومنخفض الكلفة السياسية، مثل الصناعات الدفاعية، وأمن الممرات البحرية، أو الاستثمار الاقتصادي، حيث يوفر هذا السيناريو مرونة عالية للأطراف الثلاثة، إذ يسمح لها بالاستفادة من التعاون دون الاصطدام بالتزامات تحالفية صلبة قد تثير حساسيات إقليمية، أو ضغوطًا دولية، كما يتسق هذا المسار مع طبيعة النظام الدولي المتجه نحو التحالفات المرنة بدلًا من التكتلات الصلبة.
أما السيناريو الثاني فهو سيناريو التعثر وتفكك التحالف، حيث ينطلق هذا السيناريو من فشل مسار التحالف نتيجة تراكم التناقضات البنيوية بين الأطراف الثلاثة، سواء على مستوى الأولويات الإستراتيجية، أو العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، وقد يتجلى ذلك في حال تجدد الخلافات التركية السعودية، أو تعرض باكستان لضغوط خارجية تدفعها إلى إعادة ترتيب تحالفاتها، ولكن لا يعني هذا السيناريو قطيعة شاملة، بل عودة العلاقات إلى مستوياتها الثنائية التقليدية دون إطار ثلاثي فاعل، ويظل هذا السيناريو محتملًا في حالة فشل الأطراف في إدارة الخلافات أو في حال حدوث تغيرات سياسية داخلية تؤدي إلى إعادة تعريف الأولويات الخارجية.
أما السيناريو الثالث فهو سيناريو التحالف المؤسسي الكامل، ويستند إلى انتقال الدول الثلاث من التنسيق المرحلي إلى تحالف مؤسسي واضح المعالم، يقوم على أطر رسمية للتشاور السياسي والتعاون الأمني والاقتصادي، ويتحقق هذا المسار في حالة تبلور إدراك مشترك لدى الأطراف الثلاثة بوجود تهديدات إستراتيجية متزامنة لا يمكن إدارتها على نحو منفرد، على غرار تصاعد عدم الاستقرار الإقليمي، أو تراجع موثوقية المظلات الأمنية التقليدية، ويتطلب هذا السيناريو درجة عالية من تقارب الرؤى السياسية، وتوافقًا بشأن قواعد الاشتباك الإقليمي، إضافة إلى استعداد لتحمل كلفة الالتزامات المتبادلة، من خلال إنشاء آلية تشاور ثلاثية دائمة على مستوى القادة، أو وزراء الدفاع والخارجية، وتوقيع اتفاقيات دفاع مشترك، أو مذكرات تفاهم أمنية ثلاثية ملزمة، فضلًا عن تنفيذ مناورات عسكرية ثلاثية منتظمة ذات طابع عملياتي، وتنسيق سياسي موحد في ملفات إقليمية حساسة، غير أن هذا السيناريو يظل الأقل ترجيحًا؛ نظرًا إلى حساسية التوازنات الإقليمية، والتشابكات الدولية للدول الثلاث.
تشير المعطيات الحالية إلى أن سيناريو التنسيق المرن المحدود هو الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور، في حين يبقى سيناريو التحالف المؤسسي رهين تحولات إقليمية كبرى، في حين يظل سيناريو التعثر قائمًا كاحتمال في بيئة إقليمية شديدة السيولة، حيث تتجلى أهمية التحالف الثلاثي المحتمل بين تركيا وباكستان والسعودية في كونه يضيف متغيرًا أمنيًّا مركبًا إلى ميزان الأمن العالمي، يقوم على دمج قدرات عسكرية نوعية، وخبرات عملياتية متنوعة، ضمن نطاق جغرافي ممتد من شرق المتوسط إلى الخليج وجنوب آسيا؛ فتركيا تمتلك قاعدة صناعات دفاعية متقدمة، وخبرة ميدانية في إدارة الصراعات غير المتماثلة، وباكستان تمثل قوة عسكرية تقليدية ذات بعد نووي، وقدرات ردع راسخة، فيما توفر السعودية عمقًا ماليًّا وإستراتيجيًّا وموقعًا محوريًّا في أمن الطاقة والممرات البحرية. هذا التلاقي لا يعني بالضرورة نشوء محور صدامي جديد، بقدر ما يعكس تحولًا في معادلات الردع المرن، وبناء القدرة على إدارة المخاطر بدلًا من خوض المواجهات المباشرة؛ وعليه فإن جوهر هذا التحالف يكمن في تأثيره التراكمي في حسابات الفاعلين الدوليين، حيث يرفع من كلفة التهديدات الإقليمية، ويعزز تعددية مراكز النفوذ العسكري بما يسهم في إعادة ضبط ميزان الأمن العالمي في سياق يتسم بتآكل الهيمنة الأحادية، وتصاعد أنماط الأمن الشبكي، والتحالفات المرنة.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير