
أعادت ضربات 28 فبراير (شباط) 2026 طرح سؤال جوهري عن طبيعة التوازنات الدولية في الشرق الأوسط، وحدود ما يمكن أن تقدمه القوى الكبرى لحلفائها في لحظات الاختبار الحاسمة. فالضربات الأمريكية الإسرائيلية على الأهداف الإيرانية، وما تبعها من تصعيد سياسي وعسكري، لم تكن مجرد مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، ولكنها تحولت إلى اختبار عملي لمعادلة أوسع تتعلق بمدى استعداد روسيا والصين لترجمة علاقاتهما المتنامية مع إيران إلى التزام أمني فعلي.
منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، تبنت طهران سياسة تقوم على تعميق الشراكات مع موسكو وبكين بوصفهما ركيزتين في مواجهة الضغوط الغربية. وقد عززت هذه السياسة اتفاقات طويلة الأمد، وتعاونًا عسكريًّا وتقنيًّا، ومناورات مشتركة في الخليج. غير أن تقارير وتحليلات غربية صدرت في الأسابيع التي سبقت الضربات أشارت بوضوح إلى أن هذه العلاقات، ورغم تطورها، لا ترقى إلى مستوى تحالف دفاعي ملزم، وأن موسكو وبكين قد تفضلان إدارة الأزمة سياسيًّا بدلًا من الانخراط عسكريًّا.
ويمكننا قراءة الموقفين الروسي والصيني من الحرب على إيران من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: طبيعة الرهان الإيراني على الشرق، الحسابات الإستراتيجية لكل من موسكو وبكين، وأثر هذا التموضع على توازنات الإقليم.
سعت إيران إلى بناء شبكة علاقات إستراتيجية مع روسيا والصين خلال السنوات الماضية، مستندة إلى فرضية أن التحول في بنية النظام الدولي نحو تعددية قطبية سيمنحها هامش المناورة الأوسع في مواجهة الضغوط الأمريكية. وقد تمثلت هذه الشراكات في اتفاقيات تعاون طويلة الأمد، وصفقات عسكرية، وتدريبات بحرية مشتركة، وتعميق التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا.
وفي قراءة لمجموعة من التقارير الغربية الحديثة، اتضح أن مسار العلاقات الإيرانية الروسية الصينية يقوم على تبادل مصالح محدد، وليس على التزام دفاعي شامل، فقد أشارت تحليلات منشورة في صحف أمريكية ومراكز أبحاث دولية إلى أن المناورات البحرية المشتركة في خليج عُمان ومضيق هرمز، رغم رمزيتها السياسية، ظلت محدودة النطاق من حيث الحجم والقدرات، ولا تُقارن بالحشد العسكري الأمريكي في المنطقة.
واتضح أن موسكو وبكين لم تظهرا استعدادًا لتسريع تزويد إيران بأنظمة دفاع جوي متقدمة، أو دعم عسكري نوعي قبيل الضربات المحتملة؛ مما يعكس حرصًا على إبقاء مستوى الانخراط، دون الانزلاق إلى المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة؛ وبذلك يتضح أن التوجه شرقًا منح طهران متنفسًا اقتصاديًّا وتقنيًّا فقط، ولكنه لم يتحول إلى مظلة ردع عسكرية قادرة على موازنة القوة الأمريكية.
وهذا الواقع يوضح الفارق بين الشراكة الإستراتيجية والتحالف الدفاعي. فالشراكة الإستراتيجية تقوم على تقاطع المصالح وتبادل المنافع، في حين يتطلب التحالف الدفاعي التزامًا واضحًا بالدفاع المشترك في حال التعرض لهجوم، وهو ما لم يتجسد في الحالة الإيرانية.
اتسم الموقف الروسي الصيني الصادر عقب الضربات بنبرة سياسية ناقدة، ركزت على رفض تقويض سيادة الدول، والدعوة إلى ضبط النفس، وتجنب التصعيد. ولكن الخطاب السياسي لم يترجم إلى تحرك عسكري مباشر، وهو ما يعكس طبيعة الحسابات الإستراتيجية لكل من الطرفين.
فيما يتعلق بروسيا، فإن أولويتها الإستراتيجية تبقى متمركزة في الساحة الأوكرانية، وفي إدارة المواجهة مع الغرب في محيطها القريب؛ ولذلك فإن الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة في الخليج قد يفتح جبهة إضافية مرتفعة الكلفة، في وقت تحرص فيه موسكو على تركيز مواردها وإدارة صراعها الرئيس بحذر؛ لذلك بدا أن الموقف الروسي يوازن بين إدانة سياسية للضربات وتجنب التصعيد العسكري.
أما الصين، فتبدو حساباتها محكومة بدرجة أكبر باعتبارات الاستقرار الاقتصادي؛ بكين، بوصفها أكبر مستورد للنفط الإيراني، وأحد أكبر الشركاء التجاريين لدول الخليج، تنظر إلى أي تصعيد واسع في المنطقة على أنه تهديد مباشر لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. كما أن الاصطفاف العسكري العلني مع إيران قد يعرض علاقاتها مع الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة لأخطار غير محسوبة.
وبناء على ذلك، نرى أن بكين تفضل أداء دور داعم للاستقرار والدعوة إلى التهدئة، مع الحفاظ على علاقاتها مع طهران، من دون الانخراط في المواجهة المباشرة مع واشنطن. فالصين -ووفق قراءات غربية- معنية ببقاء إيران مستقرة بما يكفل لها استمرار تدفق النفط، ولكنها ليست مستعدة لخوض حرب دفاعًا عن النظام القائم.
ولا ينفصل التموضع الروسي الصيني تجاه الأزمة الإيرانية عن شبكة علاقاتهما الواسعة في الخليج، فقد أقام الطرفان خلال السنوات الماضية علاقات متعددة مع كثير من الدول الخليجية في مجالات الطاقة والاستثمار والتنسيق السياسي، وهو ما يجعل أي انحياز عسكري مباشر لإيران خطوة ذات كلفة إقليمية مرتفعة؛ ولذلك فإن ضبط مستوى الانخراط يعكس إدراكًا لضرورة الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتهما مع مختلف الفاعلين الإقليميين، وعدم حصر التموضع في محور مغلق قد يُعيد تشكيل شبكة علاقاتهما في المنطقة بصورة غير مرغوب فيها.
وإلى جانب الاعتبارات الإقليمية، فإن أي تدخل عسكري مباشر في الدفاع عن إيران كان سيحمل احتمال انتقال الأزمة إلى مستوى احتكاك مباشر مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو تدرك موسكو وبكين كلفته الإستراتيجية العالية؛ لذلك بدا أن خيار ضبط الانخراط والاكتفاء بالموقف السياسي يمثل مقاربة توازن بين الحفاظ على الشراكة مع طهران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة كبرى.
إن محدودية الدعم العسكري الروسي الصيني لإيران تطرح تساؤلات حقيقية عن مستقبل التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط؛ فغياب مظلة ردع دولية مباشرة قد يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل هامش تحرك أوسع، ولكنه لا يعني بالضرورة تثبيت هيمنة مطلقة، أو إعادة تشكيل سريعة للنظام الإقليمي. ويعكس هذا التموضع نمطًا أوسع في السياسة الخارجية لكل من موسكو وبكين، يقوم على تجنب الاصطفاف داخل حدود مغلقة، والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف أطراف المعادلة الإقليمية. فمرونة التموضع تمنحهما قدرة أكبر على التكيف مع سيناريوهات الأزمة، سواء اتجهت نحو التصعيد، أو نحو الاحتواء.
كما أن نجاح أي مشروع لإعادة صياغة ميزان القوى لا يتوقف على التفوق العسكري وحده، ولكن على قدرة الضربات العسكرية على التحول إلى تسوية سياسية مستقرة. فإذا أدت الضغوط إلى فوضى ممتدة، أو اضطراب طويل في مضيق هرمز، فإن ذلك سيهدد مصالح قوى كبرى، وفي مقدمتها الصين، وقد يدفعها إلى إعادة تقييم مستوى انخراطها وحدود تموضعها في الأزمة. أما إذا تمكنت إيران من احتواء الضربة، وإعادة إنتاج توازن داخلي، فمن الممكن أن نشهد معادلة إقليمية جديدة تقوم على ردع متبادل أكثر هشاشة، دون أن يصل الأمر إلى إعادة رسم شاملة للخريطة الإقليمية. وفي جميع الأحوال تبدو موسكو وبكين حريصتين على استدامة هامش حركة يسمح لهما بإعادة التموضع وفق تطورات المشهد، سواء تمثل ذلك في استمرار النظام القائم أو في حالة ترتيبات سياسية مختلفة.
وأخيرًا، تكشف الحرب على إيران بعد 28 فبراير (شباط) 2026 عن حقيقة التوازنات الدولية الراهنة: تتحرك القوى الكبرى وفق حسابات براغماتية دقيقة تحكمها أولوياتها الإستراتيجية المباشرة لا اعتبارات الاصطفاف الأيديولوجي، أو الالتزامات غير المضمونة، فقد أظهرت الأزمة أن الشراكة الروسية الصينية مع طهران -رغم أهميتها السياسية والاقتصادية- لا ترقى إلى مستوى التحالف الدفاعي الملزم، وأن طموحات الدعم تظل محكومة بإيقاع المصالح الوطنية لكل من موسكو وبكين.
كما أن محدودية الانخراط العسكري المباشر لا تعني التخلي عن إيران، بقدر ما تعكس السعي للحفاظ على هامش مناورة يسمح بإعادة التموضع وفق مآلات الصراع؛ ولذلك فإن المشهد الإقليمي يتجه نحو صيغة أكثر تعقيدًا من الردع الهش وإدارة التوازنات، حيث لا حسم نهائيًّا للصراع، ولكن إعادة توزيع للأدوار ضمن نظام دولي تتقدم فيه حسابات المصلحة على منطق التحالفات الصلبة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير