
تقول التسريبات المتقاطعة في القنوات الدبلوماسية والإعلامية إن جولة ثانية من المفاوضات الأميركية الإيرانية قد تُعقد، أو يُفترض أن تُعقد، خلال فترة قريبة، قد تكون غدا الخميس 16 أبريل 2026، رغم استمرار التباين حول توقيتها ومكان عقدها: هل ستكون في باكستان مجددا أم لا.
كما أن التباين في التصريحات الرسمية الإيرانية والأميركية، وخصوصا الترامبية، على أشده، وهو تباين لا يمكن بالطبع فصله عن طبيعة هذا المسار التفاوضي الغريب ذاته. فنحن أمام حالة من الضبابية، وهي ضبابية ليست بسبب خلل إجرائي.
هذه الضبابية هي انعكاس مباشر للواقع السياسي المعقد الذي نتج عن القرارات التي يتخذها الرئيس الأميركي بين عشية وضحاها، فنحن أمام مفاوضات تُدار تحت ضغط النار والتهديد بالحصار، وبالتالي لا يمكن أن نتعامل معها، من منظور العلاقات الدولية الطبيعية، على أنها مفاوضات تُبنى على أرضية تسوية ناضجة من أطرافها.
وبعد هذا التقديم، ومن هذا المنطلق، فلا أرى أن الجولة الثانية من المفاوضات سوف تكون فرصة لحسم القضايا العالقة، وإنما ستكون حلقة في سلسلة أطول من محاولات احتواء التصعيد، هذا إن عُقدت بالفعل، وبالتالي ستؤجل مجددا المواجهة الشاملة التي لا تزال محتملة بقوة.
لذلك، فإن السؤال المنطقي في لحظة كتابة هذه السطور، الأربعاء 15 أبريل 2026 (الساعة 12:29 ظهرا بتوقيت موسكو)، ليس: هل تنجح الجولة الثانية من مسار باكستان أم لا؟ ولكن: إلى أي مدى يمكن لهذه الجولة أن تؤجل الانفجار القادم؟
ففي اعتقادي الراسخ الذي لا يتزعزع، سوف يفعل نتنياهو كل شيء حتى يتم تقويض هذا المسار الوليد. أضف إلى ذلك أن هذا المسار التفاوضي بحد ذاته لا يعكس بأي حال تقاربا حقيقيا بين طهران وواشنطن، بل يشير إلى حالة من التوازن القسري، أو توازن الخوف بين ترامب ومجتبى، الذي أشرت إليه في مقالات سابقة.
فكل طرف من الطرفين عاجز، حسبما يخبرنا الواقع الموضوعي، عن فرض شروطه بالكامل، لكنه في الوقت نفسه غير مستعد للتراجع. وهنا لب المشكلة، وبالتالي فإن هذا النوع من التوازن لا ينتج تسويات مستقرة أبدا، وإنما يحول الصراع إلى أزمة مستمرة تحتاج إلى إدارة تمنع الانزلاق الشامل، فكل منهما لا يزال غير واثق من شكل النتيجة الختامية.
الجولة الأولى، حسبما فهمنا من التصريحات الرسمية للطرفين والتسريبات التي خرجت حولها، كشفت بوضوح أن الخلاف لم يعد فنيا تقنيا حول مسألة نسب التخصيب أو آليات التفتيش، وإنما هو خلاف سياسي يتعلق بتحديد موقع إيران في النظام الإقليمي الجديد.
طهران لم تعد تفاوض على برنامج نووي فقط، بل ومن واقع تصريحات مسؤوليها تتحدث عن شرعية دورها الإقليمي وقدرتها على الردع المستقل. أما واشنطن، المنغمسة في تعقيدات مضيق هرمز، فلا ترى في هذا الطموح الإيراني الجديد سوى تهديد مباشر لتوازنات الخليج، وتسعى إدارة ترمب إلى احتوائه في إطار صيغة يحاول جي دي فانس أن يتفق عليها مع محمد باقر قاليباف، بحيث تُبقي على التفوق الاستراتيجي لواشنطن.
إذن نحن، وبمصطلحات تخصص العلاقات الدولية، أمام تناقض بنيوي في مواقف الطرفين، وهذا التناقض هو الذي يفسر لنا لماذا تبدو المفاوضات وكأنها حلقة مفرغة: كل طرف يدخلها بهدف مختلف، ويخرج منها بنتيجة لا ترضي الطرف الآخر ولا يمكن أن ترضيه.
ومع ذلك، لا يؤدي ذلك إلى انهيار المسار بشكل كامل، وهنا تكمن المفارقة، بمعنى أن المفاوضات مستمرة لأنها فشلت، وليس لأنها نجحت.
ما أقصده أن استمرار المفاوضات يعكس عدم قدرة أي طرف من طرفيها على الانتقال إلى خيار الحسم العسكري، وليس بسبب وجود أرضية حقيقية للتسوية، مجددا: توازن الخوف.
وفي قلب هذا التعقيد، وهذا المشهد الغريب الذي أدخلنا فيه ترامب بسماعه كلام نتنياهو، يظل مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح فهم الأزمة، والعقدة التي لا يمكن حلها ولا يمكن قطعها ولا يمكن فتقها.
الخطاب الدولي يقدم المضيق على أنه قضية تتعلق بحرية الملاحة وأمن الطاقة، لكنه في الحقيقة، إذا أردنا الدقة، تحول إلى أداة لإعادة رسم وتحديد قواعد اللعبة الإقليمية. فطهران، والحق يقال، لم يحدث منها أبدا، حسبما راجعته من معلومات تاريخية، أن أعاقت حركة الملاحة في هذا المضيق أو استخدمت البلطجة فيه قبل أن تتعرض لهذا العدوان الأميركي الإسرائيلي غير المشروع وغير المبرر في لحظة وقوعه.
أما الآن، وبعد أن جرت في النهر مياه، تطرح إيران شروطا ومقاربات جديدة تماما وغير متوقعة سابقا لتنظيم المرور عبر المضيق وفيه، وهي بذلك لا تسعى فقط للضغط على الولايات المتحدة، فهذا تبسيط للأمور، وإنما تحاول فرض معادلة جديدة تقول إن أمن الخليج لا يمكن أن يُدار دون أخذ مصالحها بعين الاعتبار.
هذه المقاربة الإيرانية الجديدة تقابل بإصرار أميركي على ضمان حرية الملاحة دون شروط، وهو انعكاس لدور تقليدي كانت تلعبه واشنطن كضامن أحادي للأمن البحري، لكن ذلك كان في الماضي، قبل أن يُمرغ الحرس الثوري أنفها في وحل المضيق.
وبذلك أصبح هرمز رمزا لتحول ميزان القوى في الإقليم، تحول يتشكل أمام ناظرنا، وإذا تمكنت إيران من فرض شروط، ولو جزئية، على حركة الملاحة عبره، فإن ذلك سيشكل سابقة تضعف الهيمنة الأميركية، المبنية على وهم العظمة، في واحدة من أهم مناطق العالم استراتيجيا، وهذا ما تؤكده هذه الحرب يوما بعد يوم.
إن الصراع حول المضيق لا يمكن اعتباره جزءا من الحرب، ولا خلافا جانبيا بين ترامب ومجتبى، بل هو جوهر الصراع الحالي.
وفي هذا السياق، تلعب الوساطات الدولية دورا مهما في محاولة كبح الانفجار، لا في صناعة السلام، لأن تعقيد المسألة، كما أوضحت، يجعل من الصعب رؤية أي أفق قريب للسلام.
روسيا والصين، إلى جانب أطراف إقليمية مثل باكستان وتركيا ومصر والسعودية، تسعى إلى منع التصعيد حتى لا تتوسع الحرب لتشمل الإقليم كله، لكنها لا تملك حتى الآن الأدوات اللازمة لفرض تسوية شاملة.
وقد التقى وزير الخارجية الروسي صباح اليوم مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، وأثار معه هذا الموضوع كأحد أولويات النقاش. وقد وصل لافروف أمس إلى بكين في زيارة تستمر يومين، وهي زيارة تكتسب أهمية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية.
ما أراه أن هذه الزيارة، ومن واقع تصريحات الوزير الروسي الصادرة من بكين حتى لحظة كتابة هذا الكلام، هي جزء من عملية أوسع لتنسيق المواقف بين موسكو وبكين حول كيفية إدارة هذه الأزمة، سواء فيما يتعلق بمصالحهما في منطقة الخليج، أو في سياق خطتهما المشتركة لإضعاف الخصم المهيمن وتشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب.
وبناء على ما سبق، أعتقد أن ما يلفت الانتباه في هذه الزيارة ليس توقيتها، بل مضمونها الضمني، بمعنى أن موسكو وبكين لا تسعيان إلى تحقيق التهدئة بقدر ما تسعيان إلى منع واشنطن وحرمان ترمب من احتكار إدارة الأزمة.
وهذا المسعى يعكس تحولا تدريجيا نحو ما يمكن وصفه بمأسسة التنسيق الروسي الصيني، بحيث لا يقتصر على البيانات المشتركة، بل يمتد إلى صياغة مقاربات عملية تُصاغ على أعلى المستويات للتعامل مع مثل هذه الأزمات.
فإذا نظرنا من زاوية المصالح، نجد أن شي جين بينغ يدرك أن أي تصعيد كبير في الخليج سيؤثر مباشرة على أمن الطاقة للصين، بينما يرى بوتين في الأزمة فرصة لإبراز محدودية النموذج الأحادي الذي تقوده الولايات المتحدة في إدارة النظام الدولي.
ما أقصده أن المصالح، رغم اختلافها، تتقاطع، وهذا التقاطع ليس ظرفيا، بل يستند إلى أسس استراتيجية مشتركة.
أما عن سؤال: لماذا لم يحسم أحد المعركة؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة؟
فالجواب أن كلا الطرفين فشل في تحويل أدوات القوة إلى نتائج سياسية حاسمة. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، لم تتمكن من فرض شروطها دون حرب واسعة مكلفة وغير مضمونة النتائج.
أما إيران، فقد نجحت في الصمود وإظهار قدرتها على الرد، لكنها لم تصل إلى مرحلة فرض واقع جديد بالكامل. وهذا التوازن يخلق حالة يمكن تسميتها بـ”الردع المتبادل غير المتكافئ”.
وهذه الحالة تُبقي الصراع في حالة سيولة مستمرة، دون أن يتحول إلى حرب شاملة أو سلام مستقر.
وبناء على ذلك، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول: استمرار التهدئة الهشة، بحيث تنجح الجولة الثانية في تحقيق تفاهمات محدودة دون اتفاق شامل.
السيناريو الثاني: استمرار المفاوضات بالتوازي مع بقاء أدوات الضغط، بما يحول الأزمة إلى حالة مزمنة.
السيناريو الثالث: التصعيد المتجدد، في حال فشل المسار التفاوضي أو تدخل عوامل خارجية أو داخلية تدفع نحو المواجهة.
وختاما، فإن مسار باكستان من المستبعد أن يأتي بالسلام المنشود، ومن السذاجة التعويل عليه في صنع هذا السلام.
سنظل، في المدى القريب، أمام حالة من اللاحرب واللاسلم، حيث تستمر الأزمة في ظل مزيج من التفاوض والضغط، إلى أن تسمح تحولات أعمق في ميزان القوى بإعادة صياغة قواعد اللعبة. وحتى يحين ذلك، ستظل كل جولة تفاوضية محاولة لتأجيل المواجهة الشاملة، لا لإنهائها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير