
لأكثر من أربعة عقود، قامت الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط على معادلة بسيطة وواضحة: دول الخليج تبيع النفط للعالم، والولايات المتحدة تضمن أمن المنطقة وتدفق إمدادات الطاقة. وقد ترسخت هذه المعادلة مع مبدأ كارتر وامتداداته في عهد الرئيس رونالد ريغان، إذ اضطلعت الولايات المتحدة بدور الضامن لأمن الخليج، بما في ذلك ضمان التدفق الحر للنفط والغاز. غير أن هذه المعادلة التقليدية تشهد اليوم تحولا جوهريا.
لم يأت التصريح الأكثر دلالة على هذا التحول من مراكز الأبحاث، بل من داخل الإدارة الأمريكية نفسها. ففي منتدى الدوحة الأمني، قال توماس باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي إلى سوريا والعراق: “أمريكا كضامن للعالم، لآخر 80 سنة، لم تعد موجودة”.
لا نشهد انسحابا أمريكيا من الشرق الأوسط، كما يتصور البعض، بل تحولا في طبيعة الوجود الأمريكي نفسه؛ من الضامن الأمني الشامل، الذي يدير التوازنات ويسهم في بناء الدول، إلى الشريك الاستراتيجي المهيمن، الذي يسعى إلى امتلاك مفاتيح الممرات البحرية وسلاسل إمداد الطاقة.
تراجع النموذج القديم بفعل ثلاثة أسباب بنيوية رئيسية:
لا تقوم العقيدة الجديدة، وفق هذا التصور، على السيطرة المباشرة على عواصم الشرق الأوسط، بقدر ما تقوم على التحكم في شرايينه الحيوية. فمن يمتلك القدرة على التأثير في المضائق والممرات الاستراتيجية، يمتلك أدوات مؤثرة في حركة التجارة والطاقة، ومن ثم في موازين القوة والقرار السياسي.
يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميا. ولم يعد الهدف الاستراتيجي مقتصرا على حمايته بالوجود العسكري الدائم، بل امتد إلى تطوير مسارات بديلة لنقل الطاقة، بما يقلص قدرة إيران على توظيف موقعها الجغرافي ورقة ضغط في الأزمات الإقليمية والدولية.
تمثل هذه المنطقة شريانا رئيسيا للتجارة بين آسيا وأوروبا. وفيها يتجه الدور الأمريكي، وفق هذا التصور، من نموذج الحماية البحرية الواسعة إلى نموذج تقاسم أعباء الأمن مع الحلفاء والشركاء، كما ظهر في مبادرات أمن الملاحة، ومنها عملية “حارس الازدهار”.
ويعكس هذا التوجه رغبة واشنطن في تحميل الأطراف المستفيدة من أمن الممرات البحرية نصيبا أكبر من تكاليف الحماية، سواء عبر المساهمات العسكرية أو الترتيبات السياسية والأمنية.
لم يعد شرق المتوسط مجرد ساحة للتنافس العسكري والسياسي، بل أصبح مجالا متزايد الأهمية في حسابات أمن الطاقة الأوروبي. فقد عززت اكتشافات الغاز قبالة سواحل إسرائيل ومصر وقبرص أهميته بوصفه مصدرا محتملا لتنويع إمدادات الطاقة إلى أوروبا.
وفي هذا السياق، تتعاظم أهمية إسرائيل في الترتيبات الإقليمية المرتبطة بالطاقة والأمن البحري، بما يتجاوز دورها التقليدي حليفا أمنيا للولايات المتحدة، ويمنحها موقعا مؤثرا في شبكات الطاقة والاستخبارات البحرية.
أ. الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC):
يمثل هذا المشروع أحد أبرز تجليات التوجه الاستراتيجي الجديد. وفي هذا السياق، ورد على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التصريح التالي: “هجمات إيران الإرهابية على الشحن التجاري في الدول المجاورة أظهرت الحاجة إلى نقل بنية الطاقة في الشرق الأوسط بعيدا عن نقاط التفتيش الإيرانية. لهذا تدعم إدارتي بقوة ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي”.
ولا يقتصر مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا على إنشاء خطوط السكك الحديدية وتطوير الموانئ، بل يحمل أبعادا جيوسياسية أوسع، إذ يمكن النظر إليه بوصفه أحد المشروعات المنافسة لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية.
ويهدف المشروع إلى تعزيز الترابط الاقتصادي واللوجستي بين الهند ودول الخليج وإسرائيل وأوروبا، مع إتاحة فرص لتحويل السعودية والإمارات من دولتين رئيسيتين في تصدير الطاقة إلى مركزين لوجستيين عالميين، يتمتعان بأدوار متقدمة في التجارة والنقل وسلاسل الإمداد.
ب. ممرات الطاقة والذكاء الاصطناعي:
تمتد المنافسة الاستراتيجية إلى مشروعات البنية التحتية العابرة للحدود، بدءا من ممر لوبيتو في إفريقيا، وصولا إلى مشروعات الربط الكهربائي والكابلات البحرية لنقل البيانات.
وتكتسب هذه المشروعات أهمية متزايدة في ظل ارتباط أمن الطاقة بالبنية التحتية الرقمية، وتنامي الطلب على مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يجعل التحكم في شبكات الاتصال والطاقة أحد عناصر النفوذ الجيوسياسي.
بدلا من الاعتماد الحصري على الانتشار العسكري الواسع، تتجه واشنطن إلى توظيف أربع أدوات رئيسية لتعزيز نفوذها الاستراتيجي:
وتعكس هذه المطالب توجها نحو إعادة صياغة الشراكات الأمنية على أساس تقاسم الأعباء وربط الضمانات الدفاعية بمصالح اقتصادية وتكنولوجية أوسع.
لدول الخليج:
تتراجع تدريجيا فاعلية معادلة المقايضة التقليدية بين النفط والأمن، في مقابل تنامي الحاجة إلى تحول دول الخليج من مستهلك للأمن إلى شريك فاعل في إنتاجه.
وفي هذا السياق، تعمل السعودية والإمارات على تطوير قدراتهما الدفاعية والبحرية وتعزيز أدوارهما في أمن الممرات الإقليمية، بما ينسجم مع التوجه الأمريكي الرامي إلى توسيع مساهمة الشركاء في تحمل الأعباء الأمنية.
غير أن هذا التحول يتيح لدول الخليج، في الوقت نفسه، هامشا أوسع للمناورة وتنويع الشراكات، بدلا من الاكتفاء بالاعتماد على الضمانات الأمريكية التقليدية.
للعراق وسوريا ولبنان:
تكتسب هذه الدول أهمية متزايدة في المنافسة على الممرات البرية وشبكات الربط الاقتصادي بين الخليج وشرق المتوسط.
ويبرز هنا سؤال استراتيجي: أي المسارات ستكون أكثر قدرة على تشكيل مستقبل الترابط الإقليمي؟ هل هي الشبكات المرتبطة بإيران عبر العراق وسوريا ولبنان، أم مشروعات الربط المدعومة أمريكيا، التي تسعى إلى وصل الخليج بشرق المتوسط عبر السعودية والأردن وإسرائيل؟
ولا يتعلق الأمر بمجرد اختيار مسار تجاري، بل بمستقبل التوازنات السياسية والاقتصادية والأمنية في هذه الدول، ومدى قدرتها على الاندماج في شبكات النقل والطاقة والاستثمار العابرة للحدود.
لإيران:
تستهدف العقيدة الجديدة، وفق هذا التحليل، إحدى أبرز أدوات النفوذ الجيوسياسي الإيراني، والمتمثلة في القدرة على تهديد حركة الملاحة عبر المضائق والممرات البحرية الحيوية.
وبدلا من الاعتماد على المواجهة العسكرية الشاملة، تسعى واشنطن إلى دعم تطوير مسارات بديلة لنقل الطاقة والتجارة، بما يقلص تدريجيا التأثير الاقتصادي والاستراتيجي المحتمل لأي تهديد إيراني بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه.
للصين:
تحمل هذه التحولات دلالات مباشرة بالنسبة إلى بكين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة المنقولة بحرا من الشرق الأوسط.
فمن منظور المنافسة الأمريكية الصينية، لا تقتصر أهمية المنطقة على إنتاج النفط والغاز، بل تشمل أيضا التحكم في مسارات نقلهما والبنية التحتية المرتبطة بهما.
وبذلك، تسعى واشنطن إلى الاحتفاظ بنفوذ مؤثر في شبكات التجارة والطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني، حتى مع استمرار العلاقات الاقتصادية الواسعة بين بكين ودول الخليج.
يشهد الشرق الأوسط تحولا تدريجيا من نموذج أمني ارتبط بمعادلة “الأمن مقابل النفط” إلى نموذج أكثر تعقيدا، يمكن وصفه بمعادلة “التحكم في البوابة مقابل حصة في سلسلة القيمة”.
فلم تعد الولايات المتحدة تسعى إلى الاكتفاء بدور الضامن الأمني التقليدي، الذي يتدخل لإدارة النزاعات والحفاظ على التوازنات الإقليمية، بل تتجه نحو تعزيز موقعها بوصفها القوة القادرة على التأثير في الممرات البحرية وشبكات الطاقة والبنية التحتية الرقمية وسلاسل الإمداد.
وفي هذا النموذج، لا تقتصر أدوات النفوذ على القواعد العسكرية والأساطيل البحرية، بل تمتد إلى البيانات والتكنولوجيا والاستثمارات والأنظمة المالية واللوجستية، بما يجعل السيطرة على مفاصل الترابط الاقتصادي العالمي جزءا أساسيا من معادلة القوة.
ومن هنا، فإن قدرة دول المنطقة على التكيف مع هذه التحولات لن تتحدد بحجم مواردها الطبيعية وحده، بل بمدى نجاحها في التحول إلى مراكز فاعلة في شبكات التجارة والطاقة والتكنولوجيا، وقدرتها على تنويع شراكاتها الاستراتيجية وتعزيز استقلالية قرارها.
ففي الشرق الأوسط الجديد، قد لا تكون القوة لمن يمتلك أكبر احتياطيات النفط، بل لمن يمتلك القدرة على تحديد المسارات التي يعبر من خلالها النفط والسلع والبيانات إلى العالم.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير