
تدخل العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية مرحلة إعادة تشكل دقيقة، تتجاوز ثنائية “الاتفاق النووي مقابل العقوبات”، فبينما تنتظر إيران ضربة محتملة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بعد أسابيع من حشد القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة، تحاول طهران محاولة أخيرة لإغراء واشنطن من خلال تقديم صفقة اقتصادية تشمل قطاعات إستراتيجية، كالنفط والغاز والمعادن؛ ما يثير تساؤلات جوهرية عن كيفية تأطير مفهوم المقايضة الاقتصادية في سياق العداء التاريخي بين واشنطن وطهران، وهل تمتلك إيران مقومات اقتصادية قابلة للتوظيف كورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة أم أن هشاشة بنيتها التحتية تقلص قدرتها على تقديم عرض اقتصادي مستدام؟ وأخيرًا، هل يمكن للمقايضة الاقتصادية أن تتحول إلى مدخل لإعادة ضبط العلاقة بين الطرفين، أم أنها ستظل أداة تكتيكية ضمن صراع طويل الأمد؟
تُعد المقايضة الاقتصادية أحد أكثر أنماط التفاعل تعقيدًا في العلاقات الدولية المعاصرة، إذ تمثل صيغة وسطية بين منطق الصراع الصفري ومنطق الشراكة الكاملة، فهي لا تقوم على الاعتراف المتبادل، ولا على التطبيع السياسي، وإنما على إعادة ترتيب الحوافز والكُلف بما يسمح بإدارة الخلافات ضمن سقف قابل للضبط، وفي هذا السياق، يبرز الصراع الأمريكي الإيراني نموذجًا محوريًّا لفهم كيفية توظيف الأدوات الاقتصادية في إدارة صراع ممتد ذي أبعاد أيديولوجية وأمنية وجيوسياسية، فبعد انهيار مسار خطة العمل المشترك عقب انسحاب واشنطن في 2018، دخلت العلاقة مرحلة إعادة تعريف للأدوات والرهانات للدولتين، ولم يعد السؤال محصورًا في حدود البرنامج النووي، بل امتد إلى طبيعة المقاربة الاقتصادية ذاتها، وهل تُستخدم العقوبات كأداة ردع قصوى فحسب، أم يمكن تحويلها إلى أداة تفاوضية ضمن منطق المقايضة المشروطة؟
في الحالة الإيرانية، يتضح أن التحول من الضغط الأقصى إلى التخفيف المشروط يعكس انتقالًا من منطق الابتزاز الاقتصادي إلى منطق المقايضة؛ بهدف إعادة هندسة أدوات الصراع، حيث تنطلق المقايضة الاقتصادية من افتراض أساسي في نظرية الردع بأن السلوك الدولي للدول يتأثر بحسابات الكلفة والعائد؛ ومن ثم فإن العقوبات تمثل أداة لرفع كلفة سلوك معين، في حين تمثل الحوافز أداة لزيادة عائد تغييره، وفي هذا السياق شكلت العقوبات الأمريكية شبكة ضغط متعددة المستويات شملت القطاع النفطي، والنظام المصرفي، والتجارة الخارجية، وكذلك الأفراد والمؤسسات، وقد هدفت هذه الشبكة إلى تقليص الموارد المالية المتاحة للجمهورية الإسلامية بما يؤثر في قدرتها على تمويل سياساتها الإقليمية وبرنامجها النووي، غير أن التجربة الإيرانية أثبتت أن الضغط وحده لا يضمن الامتثال الدائم، بل قد يؤدي إلى تعزيز منطق اقتصاد المقاومة، وتكريس المحاور المتوازية.
يكشف هذا أن الأدوات الاقتصادية ليست مجرد وسائل ضغط؛ بل أدوات تفاوض قابلة لإعادة التوظيف، ويأتي في هذا السياق عرض نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية حميد رضا قنبري عن فرص توسيع التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة في قطاعات إستراتيجية مثل النفط والغاز، والاستثمارات في مجال التعدين، فضلًا عن إمكانية شراء طائرات مدنية أمريكية لتجديد الأسطول الجوي الإيراني المتقادم، حيث تُقدم المصلحة الاقتصادية بوصفها جسرًا محتملًا للتقارب حتى مع الخصوم التاريخيين، في تذكير بأن العلاقات الدولية غالبًا ما تُدار بمنطق المكاسب المتبادلة أكثر مما تُحكمها الخطابات السياسية.
عند تحليل المقايضة الاقتصادية المطروحة بين خصمين إستراتيجيين، يتعين تقييم القيمة الفعلية للأوراق الاقتصادية التي يمكن لكل طرف توظيفها تفاوضيًّا، وفي الحالة الإيرانية الأمريكية، يبرز سؤال جوهري، وهو: هل تمتلك إيران بالفعل أصولًا اقتصادية ذات وزن كافٍ لتشكل حافزًا حقيقيًّا لواشنطن في إطار مقايضة مشروطة؟ تتجاوز الإجابة الاعتبارات الخطابية أو الأيديولوجية، وتتطلب تحليلًا بنيويًّا لمرتكزات الاقتصاد الإيراني، ومدى قدرته على تقديم منفعة ملموسة للطرف الأمريكي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وبالنظر إلى الورقة الاقتصادية التقليدية ذات القيمة المتغيرة، يشكل النفط والغاز الركيزة التاريخية للاقتصاد الإيراني، حيث تمتلك طهران واحدًا من أكبر احتياطيات النفط المؤكدة عالميًّا، إلى جانب ثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي، فوفق تقارير الطاقة العالمية، تنتج إيران نحو 2.6 مليون برميل يوميًّا من النفط الخام والمكثفات، وتنتج كذلك نحو 34 مليار قدم مكعبة يوميًّا من الغاز، وهو ما يعادل نحو 7٪ من الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي، وهذه المعطيات تمنحها -نظريًّا- قدرة تفاوضية مهمة، خاصة في سياقات اضطراب سوق الطاقة العالمية.
لكن القيمة التفاوضية لقطاع الطاقة الإيراني لا تُقاس فقط بحجم الاحتياطيات، بل بعوامل أهم ترتبط بالقدرة الإنتاجية الفعلية في ظل العقوبات، ووضع البنية التحتية، فضلًا عن مرونة النظام المصرفي في استقبال العوائد، وفي حال تخفيف العقوبات، تستطيع إيران زيادة صادراتها النفطية زيادة ملحوظة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًّا، والإسهام في استقرار الأسعار العالمية، ما يمثل إحدى نقاط الجذب المحتملة لواشنطن، لا سيما في فترات التضخم أو اضطراب الإمدادات، غير أن هذه الورقة ليست مطلقة؛ فالولايات المتحدة لم تعد تعتمد إستراتيجيًّا على النفط الإيراني كما في سبعينيات القرن الماضي، بل أصبحت لاعبًا رئيسًا في سوق الطاقة العالمي؛ ومن ثم فإن قيمة النفط الإيراني تكمن أكثر في تأثيره في استقرار السوق العالمي من كونه ضرورة مباشرة للاقتصاد الأمريكي.
تتمحور ورقة الجغرافيا الإستراتيجية حول مضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر من خلاله نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، وتتمتع إيران بموقع جغرافي يمنحها قدرة على التأثير في أمن هذا الممر، ولكن توظيف هذا العامل في التفاوض لا يعني بالضرورة التهديد المباشر بإغلاق المضيق، بل يكمن في القدرة على التأثير في معادلة الاستقرار الإقليمي، فكلما ارتفع مستوى التوتر في الخليج، انعكس ذلك على أسعار الطاقة العالمية، وهو ما يشكل عامل ضغط غير مباشر على الاقتصاد الدولي، غير أن استخدام هذه الورقة يظل محفوفًا بالمخاطر؛ إذ إن التصعيد البحري قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية لا تخدم المصالح الإيرانية؛ لذا فإن القيمة التفاوضية لمضيق هرمز تكمن في كونه عامل ردع ضمنيًّا أكثر منه أداة ضغط علنية.
وفيما يرتبط بالفرص الموعودة في قطاع التعدين الإيراني في معادلة التفاوض مع الولايات المتحدة نجد أنه أحد القطاعات الإستراتيجية غير المستثمرة بالكامل؛ لما تختزنه البلاد من احتياطيات كبيرة ومتنوعة من المعادن التقليدية والحرجة، فوفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الإيرانية، تمتلك إيران ما يُقدر بنحو 7% من الاحتياطيات المعدنية العالمية المؤكدة، وتحتل مرتبة متقدمة عالميًّا من حيث تنوع الموارد المعدنية بأكثر من 60 نوعًا من المعادن، وتُقدر احتياطيات إيران بأكثر من 3 مليارات طن من خام النحاس، ما يضعها ضمن أكبر عشر دول من حيث الموارد النحاسية، في حين تمتلك نحو 10% من احتياطي الزنك العالمي، إضافة إلى احتياطيات مهمة من الحديد والكروميت والمنغنيز.
أما فيما يتعلق بالمعادن الحرجة، وهي ذات أهمية متزايدة في سلاسل توريد التكنولوجيا والطاقة النظيفة، فتشير التقديرات الإيرانية إلى وجود احتياطيات واعدة من الليثيوم مثل التي أُعلنت رسميًّا عام 2023 في محافظة همدان، فضلًا عن عناصر أرضية نادرة ومعادن تدخل في صناعات البطاريات وأشباه الموصلات. ومع أن عمليات الاستخراج لا تزال في مراحل أولية، فإن القيمة الجيوسياسية لهذه الموارد تتعاظم في ظل سعي الولايات المتحدة إلى تنويع سلاسل إمدادها بعيدًا عن الهيمنة الصينية على المعادن الحرجة؛ ومن ثم فإن تخفيف العقوبات قد يفتح نافذة محدودة لانخراط شركات أمريكية في مجالات التكنولوجيا التعدينية، والاستكشاف الجيولوجي، وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة بالمعادن الإستراتيجية، خاصة بعد أن أصبحت المعادن الحرجة في عهد ترمب جزءًا من الأمن القومي الأمريكي وسلاسل الإمداد الأساسية.
ومن الناحية النظرية، يمكن لقطاعات مثل الطاقة، والطيران المدني، والتكنولوجيا الصناعية، والبنية التحتية، والتعدين أن تمثل مجالات اهتمام للشركات الأمريكية في حال تخفيف القيود، فالسوق الإيراني كبير نسبيًّا، ويضم قاعدة استهلاكية مهمة، إلى جانب احتياجات ضخمة لإعادة تأهيل البنية التحتية، لكن العوائق العملية التي تحد من عمل الشركات الأمريكية كبيرة، لا سيما المرتبطة بتشريعات العقوبات المعقدة، والبيئة الأمنية المضطربة، فضلًا عن تداخل بعض القطاعات مع مؤسسات خاضعة للعقوبات؛ لذلك فإن جذب الشركات الأمريكية يتطلب بيئة قانونية مستقرة، وضمانات دولية بعدم العودة المفاجئة للعقوبات، وهو ما يظل نقطة ضعف أساسية في أي مقايضة محتملة.
لكن من منظور إستراتيجي أوسع، لا يُقاس القرار بالسماح بانخراط اقتصادي أمريكي محدود مع إيران بالعائد التجاري المباشر فقط؛ بل باعتبارات أوسع، تشمل تقليص خطر الانتشار النووي، وخفض احتمالات التصعيد العسكري، فضلًا عن استقرار سوق الطاقة، والسيطرة على النفوذ الإقليمي لإيران في المنطقة؛ لذا فإن العائد الاقتصادي المباشر للشركات الأمريكية قد يكون محدودًا نسبيًّا مقارنة بأسواق أخرى، لكن العائد الإستراتيجي المرتبط بالاستقرار الإقليمي قد يكون أكبر قيمة.
ففي سياق المقايضة الاقتصادية المحتملة، يجب أن تكون طهران قادرة على تحويل هذه الموارد إلى فوائد ملموسة في إطار نظام تجاري واستثماري منتظم، فالبيانات الحالية تُظهر فرصًا إستراتيجية، لكنها أيضًا تُبين حدود تأثيرها في ظل العقوبات وعدم الاستقرار الاقتصادي الكلي؛ ما يعني أن قدرة إيران على تحويل القوة الإنتاجية إلى نمو اقتصادي مستدام لا تزال محدودة، وهو عامل يجب أخذه في الحسبان عند تقييم القيمة التفاوضية للعروض الاقتصادية الأخيرة التي عرضتها الجمهورية الإسلامية على واشنطن.
تُعد مقاربة الولايات المتحدة نموذجًا كلاسيكيًّا للتناقض بين منطقين متوازيين في السياسة الخارجية الأمريكية؛ المنطق الاقتصادي البراغماتي الساعي إلى توسيع الأسواق وتعظيم مكاسب الشركات، والمنطق الأمني الإستراتيجي القائم على احتواء الخصوم، ومنع تحولهم إلى تهديدات هيكلية للنظام الدولي الذي تقوده واشنطن، وفي الحالة الإيرانية تحديدًا، لم يكن الخلاف بشأن جدوى الانخراط الاقتصادي في ذاته، بل بشأن ما إذا كان هذا الانخراط يُحيد الجمهورية الإسلامية أم يمنح طهران موارد إضافية لتعزيز قدراتها النووية والإقليمية؟
منذ انسحاب إدارة ترمب من خطة العمل المشتركة عام 2018، أعادت واشنطن فرض منظومة عقوبات مالية ونفطية واسعة تحت عنوان الضغط الأقصى، وقد أثّرت هذه العقوبات بوضوح في الاقتصاد الإيراني من حيث تقليص الوصول إلى النظام المالي العالمي، وخفض الاستثمارات الأجنبية، وفرض قيود حادة على صادرات النفط، لكن هذه السياسة لم تُحدث تأثيرًا ملموسًا في الاقتصاد الأمريكي نفسه؛ إذ لا يتجاوز حجم التبادل التجاري المباشر بين البلدين مستويات هامشية منذ عقود؛ ومن ثم فإن كلفة العقوبات على الولايات المتحدة كانت سياسية دبلوماسية أكثر منها اقتصادية مباشرة، غير أن هذه المعادلة تخفي بعدًا أعمق؛ فالعقوبات، وإن لم تضر بالاقتصاد الأمريكي داخليًّا، فإنها حدت من قدرة الشركات الأمريكية على دخول سوق تضم أكثر من 85 مليون نسمة، وتتمتع بموارد طاقة ضخمة، ومن هنا يظهر التباين بين مصلحة الدولة الأمنية ومصلحة بعض الفاعلين الاقتصاديين داخلها.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم حدود المرونة الأمريكية تجاه أي مقايضة اقتصادية مع إيران دون تحليل البنية المؤسسية الداخلية، فالكونغرس الأمريكي يحتفظ بسلطات واسعة في ملف العقوبات؛ ما يجعل أي تخفيف دائم للقيود رهينًا بتوازنات حزبية دقيقة. إضافة إلى ذلك، تمارس جماعات الضغط -وفي مقدمتها اللوبيات الداعمة لإسرائيل، وبعض جماعات الضغط المرتبطة بدول الخليج- تأثيرًا ملحوظًا في تشكيل الخطاب السياسي تجاه إيران، حيث تؤطر الجمهورية الإسلامية بوصفها تهديدًا أمنيًّا بنيويًّا لا مجرد خصم قابل للاحتواء، وهذا الواقع المؤسسي يحد من قدرة السلطة التنفيذية على تقديم تنازلات اقتصادية واسعة حتى في حال رأت في ذلك مكسبًا إستراتيجيًّا؛ لذلك فإن أي مقايضة اقتصادية محتملة تبقى محكومة بحدود سياسية داخلية.
على الرغم من الطابع الأمني الغالب على السياسة الأمريكية، فإن قطاعات اقتصادية رئيسة قد تستفيد من تخفيف القيود، في قطاع الطيران، على سبيل المثال، أبرمت شركة Boeing اتفاقات مبدئية لبيع عشرات الطائرات لإيران بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015، قبل أن تُلغى عقب الانسحاب الأمريكي، وفي قطاع الطاقة، تمتلك شركات مثل ExxonMobil خبرات وتقنيات يمكن أن تجد فرصًا استثمارية في حقول الغاز الإيرانية الضخمة إذا ما رُفعت القيود، أما في قطاع التكنولوجيا، فإن شركات مثل Microsoft وApple قد ترى في السوق الإيرانية قاعدة استهلاكية واعدة على المدى المتوسط، غير أن هذه المصالح -رغم أهميتها النظرية- لم تُترجم إلى ضغط سياسي كافٍ لإحداث تحول جوهري في السياسة الأمريكية، وهو ما يعكس أولوية الاعتبارات الأمنية على الاعتبارات الاقتصادية في هذه الحالة.
من خلال هذه المعطيات، يتضح أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى المقايضة الاقتصادية مع إيران من زاوية الربح التجاري المباشر؛ بل من زاوية أثرها في معادلة الردع والاحتواء، فإذا كان تخفيف العقوبات والانخراط في القطاعات الاقتصادية الإيرانية يؤدي إلى تقييد فعلي للبرنامج النووي، ويعزز آليات الرقابة الدولية، فقد يُنظر إليه بوصفه أداة إدارة أزمة، أما إذا اعتُبر مجرد تمكين اقتصادي لطهران دون ضمانات أمنية صارمة، فإنه يصبح مرفوضًا سياسيًّا، فواشنطن تملك القدرة على الانخراط الاقتصادي المحدود، لكنها تقيده بشروط أمنية دقيقة، وبحسابات داخلية تجعل أي مقايضة شاملة محفوفة بمخاطر سياسية.
يرتبط مستقبل المقايضة الاقتصادية الإيرانية الأمريكية ببنية النظام الدولي، وموقع إيران في سوق الطاقة، والتحولات الداخلية في الولايات المتحدة، ونجاح نظام نتنياهو في الضغط على ترمب؛ ما يرجح أن المرحلة المقبلة من تاريخ الصراع لن تشهد تسوية تاريخية؛ بل ستشهد نموذجًا هجينًا يجمع بين الردع العسكري والانخراط الانتقائي، وإعادة توزيع محسوب للحوافز والضغوط، في إطار توازن هش بين الاحتواء والانفتاح، بهدف هندسة إدارة الصراع بين الطرفين.
وبناءً على هذا، يكشف تقييم العرض الاقتصادي الإيراني امتلاك طهران أوراقًا اقتصادية حقيقية، خاصة في مجال الطاقة والجغرافيا الإستراتيجية، وهذه الأوراق ليست حاسمة بذاتها، لكنها تكتسب قيمة في سياقات دولية محددة، إذ يعد العائد الأمريكي من الانخراط الاقتصادي محدودًا تجاريًّا، لكنه قد يكون مهمًا إستراتيجيًّا؛ ومن ثم فإن العرض الاقتصادي الإيراني ليس كافيًا لإحداث تحول جذري في العلاقة، لكنه يمثل أداة قابلة للتوظيف ضمن مقايضة جزئية أو مرحلية، فلا تتمثل الإشكالية الجوهرية في حدوث مقايضة اقتصادية بين طهران وواشنطن؛ بل إلى أي مدى ستكون هذه المقايضة قادرة على تغيير طبيعة الصراع التاريخي بين الطرفين؟
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير