
هناك عبارة تتكرر كثيرًا في التحليلات الغربية منذ الأيام الأولى للحرب في أوكرانيا، وبرزت بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، بالتوازي مع موجة ضخ إعلامي موجه في الغرب تضخم من حجم وتأثير الضربات الأوكرانية بالمسيرات داخل عمق الأراضي الروسية التاريخية المعترف بها دوليًا، وخصوصًا على المصافي النفطية وشركة التجارة الإلكترونية «وايلدبيريز».
وتقول هذه الفكرة، التي أنوي تفنيدها في هذه السطور، إن داخل النخبة الروسية أصواتًا تطالب بإنهاء الحرب، لكن فلاديمير بوتين لا يستمع إليها.
وقد صاغ هذه الفكرة عدد من الكتاب الروس في الصحف والمراكز الغربية، من أمثال ألكسندر غابوييف، وألكسندرا بروكوبينكو، وتاتيانا ستانوفايا، الذين كانوا من بين أوائل من طرحوها في مجلة فورين أفيرز أو في مؤسسة كارنيغي، بادعائهم أن استمرار الحرب يزيد من معاناة الروس، وأن بعض النخب باتت ترى أن التسوية التفاوضية أصبحت ضرورة، لكن الرئيس الروسي لا يبدو مستعدًا للإصغاء.
وبالطبع، قد يكون في هذا الطرح شيء من الصحة، لكن زاوية ومكان تقديمه يدفعاننا إلى التعامل معه بشيء من الحذر، في ظل الحرب الفكرية والإعلامية التي لا تقل سخونة عن القتال المباشر بين أطراف هذه المواجهة الكبرى، التي تتجاوز بلا شك حدود أوكرانيا، وأقصد بها المواجهة بين روسيا والغرب مجتمعًا.
يعاني هذا الطرح، في رأيي، من مشكلة جوهرية، هي أنه ينظر إلى الحرب من زاوية الاقتصاد والنخبة فقط، ويحاول اختزالها في هذين العاملين، بينما ينظر إليها بوتين، بحسب فهمي لما يدور في رأسه، الذي أبنيه استنتاجًا من مواقفه وتصرفاته وكتاباته وتصريحاته، من زاوية الدولة والتاريخ.
وهنا، بالتحديد، يكمن الفشل الغربي الحقيقي في فهم الكرملين وموسكو. فهو سوء فهم مقصود من جانب البعض الذين يفهمون الوضع جيدًا، وغير مقصود من جانب المنقادين، بعيون مغمضة، وراء الآلة الإعلامية الغربية الجبارة، التي لا تستطيع روسيا مجاراتها أو التصدي لها.
فخلال أيام قليلة، نشرت مجلة الإيكونوميست حوارًا مطولًا مع رجل الأعمال الروسي أندريه ميلنيتشينكو، وهو أحد أبرز رجالات الصناعة في روسيا منذ تفكك الاتحاد السوفيتي ونشأة الدولة الروسية الحديثة.
دعا ميلنيتشينكو، في هذا الحوار، بحسب ما نقلته المجلة، إلى إنهاء الحرب، محذرًا من أن استمرارها يفرض أعباء متزايدة على روسيا والعالم.
وبعدها بعدة أيام، وقف الرئيس الكازاخستاني، قاسم جومارت توكاييف، الذي يوصف بأنه الحليف الأقرب لموسكو في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، إلى جانب الرئيس فلاديمير بوتين، في اجتماع مشترك بمدينة أومسك الروسية، ودعا، في الجزء المعلن من الاجتماع، إلى تجميد الحرب والعودة إلى المسار التفاوضي المعروف باسم “إسطنبول 2.0”.
لكن الرد الروسي جاء سريعًا، بأنه لا تجميد، ولا هدنة، ولا وقف لإطلاق النار قبل تحقيق الأهداف التي أعلنها بوتين منذ البداية.
وعندما ننظر إلى هذه الأحداث، كلٌّ على حدة، قد تبدو متفرقة وغير مترابطة، لكنها تكشف، عند النظر إلى الصورة الكاملة، عن مفارقة سياسية مهمة.
وما أرمي إليه هو أن الجميع، بدءًا من رجال الأعمال وصولًا إلى الحلفاء، يتحدثون عن تكلفة استمرار الحرب، بينما يتحدث بوتين عن التكلفة الباهظة لإنهائها قبل تحقيق أهدافها.
هنا يكمن الفارق الذي ما زالت معظم التحليلات الغربية عاجزة عن فهمه. فمنذ بداية الحرب، يقوم جزء كبير من التفكير الغربي على فرضية واحدة، هي أنه كلما ارتفعت كلفة الحرب على روسيا، وخاصة من الناحية الاقتصادية، انعكس ذلك على الناحية السياسية، بعد أن يؤدي إلى إثارة الوضع الداخلي ضد الكرملين، وبالتالي سيجد بوتين نفسه مضطرًا إلى تقديم التنازلات.
ومن هذا المنطلق تحديدًا، بُنيت منظومة العقوبات الغربية، التي فُرض منها حتى يومنا هذا 21 حزمة، تجاوز عددها ثلاثين ألف عقوبة، وهدفها فرض سياسات العزل الاقتصادي على الدولة، والرهان بالتالي على تململ النخب الروسية والمجتمع المدني، فضلًا عن الاعتقاد السائد لدى واضعي حزم العقوبات بأن استمرار الحرب سيولد ضغوطًا داخلية تدفع موسكو إلى مراجعة حساباتها.
لكن، بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من الحرب، وكل هذه الحزم والعقوبات، لم تتحقق هذه الفرضية بالصورة التي رُسمت لها. وأكرر ما أقوله دائمًا عندما أتناول هذا الملف، إن ذلك لا يعني أن الاقتصاد الروسي لم يتضرر، أو أن العقوبات لم تؤثر، أو أن رجال الأعمال لا يشعرون بالقلق، أو أن بعضهم لا يزال، حتى يومنا هذا، وبتواطؤ مع بعض من يملكون القرار داخل موسكو، يتمكنون من تهريب الأموال، أو لنقل إخراجها من روسيا إلى حساباتهم في الخارج.
نعم، كل ذلك صحيح، وإن بدرجات متفاوتة، لكن الافتراض بأن هذه الضغوط ستتحول تلقائيًا إلى قرار سياسي بإنهاء الحرب أثبت أنه افتراض غير دقيق، لأنه ينطلق من قراءة لروسيا تشبه قراءة الدول الغربية لنفسها، لا قراءة الدولة الروسية كما هي، أو كما يقرأها بوتين، وبالتالي يسير أمورها.
فبوتين لا ينظر إلى الحرب باعتبارها عملية عسكرية محدودة ضد أوكرانيا، بل يعتبرها محطة في صراع أوسع على شكل النظام الأمني الأوروبي، وعلى موقع روسيا في النظام الدولي.
ومن هذا المنطلق، بحسب ما أعتقد أنه يحكم سلوكه، تصبح الكلفة الاقتصادية عاملًا مهمًا، لكنها، مهما بلغت، ليست العامل الحاسم. فالدول، عندما تعتقد أنها تواجه تهديدًا وجوديًا، وهو ما يكرره بوتين دائمًا في تعليقه على ما يحدث، منذ خطاب ميونخ الشهير عام 2007، فإنها لا تقيس قراراتها بمعايير الربح والخسارة التجارية.
ولهذا السبب، يصبح السؤال الذي يشغل مراكز الدراسات الغربية، والذي تطرحه في كتاباتها بشكل مستمر، آملة في الوصول إلى الرد الناجع: متى تصبح الحرب مكلفة إلى درجة تدفع بوتين إلى التراجع؟
هو، من حيث المبدأ، سؤال خاطئ، لأن الرجل لا يقيس الحرب بهذه الطريقة. فالسؤال الذي يحكم قرار الرئيس الروسي مختلف تمامًا. إذ يكرر الفكرة دائمًا في خطاباته، لكن ما من آذان صاغية. فهو يقول، ببساطة: ماذا ستكون تكلفة إنهاء الحرب قبل تحقيق الأهداف التي يعتبرها ضرورية لأمن روسيا، الدولة العظمى، الكبيرة، مترامية الأطراف، والممتلئة بالثروات؟
لذلك، عندما يدعو رجل أعمال روسي بارز إلى إنهاء الحرب، فيطير الغرب بذلك فرحًا، وتتناقل وسائل الإعلام الغربية، وإن بتفسير مضلل، تصريحاته على أنها انقسام نخبوي سيدفع بوتين إلى التوقف، فإن هذا لا يعدو كونه تضليلًا للرأي العام الأوروبي.
فرجل الأعمال الروسي يتحدث بمنطق الاقتصاد والاستثمار والأسواق. وعندما يقترح رئيس كازاخستان تجميد الصراع، إن كان الكلام أصلًا نابعًا من قناعته، وليس رسالة كُلّف بإيصالها، فهو يتحدث بمنطق الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح الاقتصادية لدول آسيا الوسطى.
ولذلك، عندما يرفض بوتين والكرملين هذه الطروحات، فإنه يتحدث بمنطق مختلف تمامًا عن منطق كل هؤلاء. إنه منطق الدولة التي ترى أن أي هدنة لا تغير البيئة الأمنية المحيطة بها لا يمكن أن تكون حلًا، وإنما مجرد تأجيل أو ترحيل زمني مؤقت للأزمة.
قد يختلف كثيرون مع هذا المنطق، لكن التحليل الرصين لا يبدأ بالحكم عليه، وإنما بفهمه. وما أقصده هو أن هذه هي النقطة التي أخفق فيها كثير من الخطاب الغربي خلال سنوات الحرب الماضية، التي لم يتوقع كثيرون في ذلك المعسكر أن تستمر كل هذه السنوات.
لقد تكررت التوقعات بأن العقوبات ستشل الاقتصاد الروسي، وأن النخب ستضغط على بوتين، وأن الشارع سيضيق بالحرب، وأن القيادة الروسية ستجد نفسها مضطرة إلى مراجعة أهدافها، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك، بالتنبؤ بوقوع انقلاب قصر على قيصر روسيا المعاصر.
لكن ما حدث في الواقع كان مختلفًا، حتى الآن على الأقل، وهو ما نقدمه كشهادة متابع من قلب الحدث، ومن على بعد أمتار قليلة من الكرملين، ومن خلال تجوال في أنحاء روسيا الشاسعة. فقد تكيف الاقتصاد، وإن بدرجات متفاوتة، ونجحت الدولة، فعلًا لا قولًا، في إعادة توجيه مواردها. والأهم أن الحرب نفسها تحولت إلى جزء من آلية عمل النظام السياسي وتقويته، بدلًا من أن تتحول إلى عامل يهدده.
وهذا الكلام لا يعني أن روسيا في وضع مريح، أو أن الحرب بلا أثمان، لكنه يعني أن تقدير الكرملين لهذه الأثمان يختلف عن تقدير خصومه.
الخطأ الثاني الذي يقع فيه كثير من المحللين الغربيين هو اختزال القرار الروسي في تأثير النخب الاقتصادية. وهذا الخطأ ناتج عن أن التصورات الغربية لا تزال تنظر إلى روسيا بعيون تسعينيات القرن الماضي، عندما كان رجال الأعمال، أو لأكون أكثر دقة في التعبير، حيتان المال من الأوليغارشيين، هم من يوجهون القرار في الكرملين. لكن هذا ماضٍ انتهى بالفعل. لقد قصقص بوتين أجنحتهم بهدوء.
نعم، صحيح أن بعض رجال الأعمال الروس لا يزالون يمتلكون نفوذًا اقتصاديًا، لكنهم لم يعودوا، بحال من الأحوال، يشكلون مركز القرار، خاصة في القضايا التي يعتبرها الكرملين والمنظومة الأمنية قضايا متعلقة بالأمن القومي.
لقد تغيرت بنية النظام الروسي خلال العقدين الأخيرين بصورة جذرية. وهذه التغيرات جعلت القرار الاستراتيجي متمركزًا في الدائرة السياسية والأمنية الضيقة جدًا، وليس في يد بوتين وحده، على فكرة، لكنها لم تعد، بحال من الأحوال، في يد الدائرة الاقتصادية، على أهميتها.
لذلك، فإن وجود أصوات تدعو إلى التسوية لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة على فرضها. وبوتين يترك البعض يتحدث، طالما ظل الأمر في حدود التعبير عن الرأي، ولم يتحول إلى محاولة لزعزعة الوضع السياسي الداخلي.
كما أن الغرب يخلط، في كثير من الأحيان، بين التعب من الحرب، وهذه حقيقة قائمة وتدل عليها استطلاعات الرأي التي أتابعها بصورة دورية، وبين الرغبة في التراجع.
فليس كل من يريد إنهاء الحرب من الروس مستعدًا لقبول إنهائها بأي ثمن. وهذه قاعدة تنطبق على موسكو كما تنطبق على كييف، بالمناسبة. فاستطلاعات الرأي الأوكرانية تشير إلى أن أكثر من 60% من الأوكرانيين يرفضون التخلي عن الدونباس لروسيا من أجل وقف الحرب. وإذا كان الأوكرانيون، وهم الحلقة الأضعف، والأكثر تعرضًا للضرب والضغط العسكري، والأكثر معاناة من تبعات الحرب، هذا هو موقفهم، فكيف يكون الروس، وهم يمتلكون العقلية نفسها، بالمناسبة، أكثر استعدادًا للتراجع أو التنازل؟ هذا لن يحدث.
والأكثر أهمية، في هذا السياق، في رأيي، أن تصريحات بوتين الأخيرة أظهرت أن سقف التفكير الروسي لم يعد يقتصر على خطوط الجبهة أو ترتيبات وقف إطلاق النار، بل يمتد إلى مستقبل الدولة الأوكرانية نفسها، وإلى شكل النظام الأمني الأوروبي بعد الحرب، وقد شرحت هذه النقطة بالتفصيل في مقالي السابق.
لكن المهم اليوم، سواء اتفقنا مع هذه الرؤية أو رفضناها، أنها تكشف أن الكرملين لا يتعامل مع الصراع بوصفه أزمة مؤقتة، وإنما باعتباره لحظة تأسيسية في إعادة توزيع موازين القوة في القارة الأوروبية، بل، وأقول، في النظام الدولي القائم برمته.
وهذا الموقف، الذي أعلنه بوتين بوضوح في لقائه مع رجال البحرية الروسية، يفسر سبب رفض موسكو المتكرر لتجميد الحرب عند خطوط التماس الحالية، لأن التجميد يحافظ على الأسباب التي أدت إلى الحرب، ولا يعالجها.
أما الغرب، فلا يزال يصر على أن وقف القتال هو المدخل الضروري لأي تسوية لاحقة. إنهما، أي بوتين والغرب، يتحدثان عن السلام، لكنهما يقصدان شيئين مختلفين تمامًا.
لهذا أعتقد أن المشكلة ليست في أن بوتين لا يسمع النصائح، أو أنه لا يستجيب لدعوات التفاوض، بل إن المشكلة الأعمق هي أن معظم من يحاولون تحليل سلوكه يفترضون أنه يتخذ قراراته وفق المنطق نفسه الذي يحكم العواصم الغربية.
وهذا، يا أيها القارئ الكريم، هو لب المشكلة. فالسياسة ليست دراسة لما نتمنى أن يفعله الخصم، وإنما هي فهم لما يعتقد هو أنه يجب أن يفعله.
ولهذا كله أقول إن الغرب لم يخطئ فقط في تقدير قدرات روسيا، بل أخطأ، قبل ذلك، ولا يزال، وعلى الأرجح سيظل، في فهم طبيعة الدولة الروسية، والأهم، في فهم طريقة تفكير قائدها، وحدود تأثير النخب عليه. وسوء الفهم هذا قد يكون أكبر هدية قدمها الغرب لبوتين منذ اندلاع الحرب.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير