
نادرًا ما تحمل صناديق الاقتراع في دولة صغيرة ومحاصرة جغرافيًا، لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة، ثقلًا جيوسياسيًا يتجاوز حجمها الفعلي إلى هذا الحد. فأرمينيا، التي توجه ناخبوها في السابع من يونيو (حزيران) 2026 لانتخاب أعضاء جمعيتها الوطنية، لم تكن تنتخب برلمانًا بالمعنى الإجرائي الضيق فحسب، بل كانت تحدد، عمليًا، اتجاه بوصلتها الاستراتيجية بعد ثلاث سنوات من الهزيمة العسكرية أمام أذربيجان وسقوط ناغورنو كاراباخ، وبعد عقود من الارتهان شبه الكامل للمنظومة الأمنية الروسية.
والمفارقة اللافتة أن هذا الاستحقاق الداخلي تحول، بفعل التشابك الإقليمي والدولي، إلى ساحة تنافس مباشرة بين موسكو والعواصم الغربية، وموضع رصد دقيق من طهران، وأنقرة، وباكو، حيث قرأ كل طرف نتائج الانتخابات من منظور مصالحه الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تطرح نتائج الانتخابات الأرمينية جملة من التساؤلات التي تتجاوز حدود المشهد السياسي الداخلي لتطال موازين القوى في جنوب القوقاز. ولعل أبرزها: هل تمثل هذه النتائج تكريسًا للخيارات الجيوسياسية التي انتهجتها القيادة الأرمينية خلال السنوات الأخيرة، أم أنها تعكس بداية إعادة تموضع استراتيجي في علاقات يريفان الإقليمية والدولية؟ ومن هم الرابحون والخاسرون الحقيقيون من مخرجات العملية الانتخابية؟ وهل تفتح النتائج الباب أمام فرص جديدة للتسوية الإقليمية وتعزيز الاستقرار، أم أنها تنذر بموجة جديدة من التنافس والصراع على النفوذ؟ وأخيرًا، كيف يمكن أن تؤثر هذه التحولات في مستقبل التوازنات الأمنية والجيوسياسية في جنوب القوقاز، وفي حسابات الفاعلين الإقليميين والدوليين خلال المرحلة المقبلة؟
جرت الانتخابات البرلمانية الأرمينية في السابع من يونيو (حزيران) 2026، في ظرف وصفته تحليلات عديدة بأنه الأخطر سياسيًا منذ حرب كاراباخ، كونها أول انتخابات عامة اعتيادية تشهدها البلاد منذ عام 2017، وأول استحقاق تشريعي شامل منذ الهزيمة العسكرية أمام أذربيجان عام 2023، وما أعقبها من نزوح نحو مائة ألف أرميني من الإقليم المتنازع عليه.
كما مثلت الانتخابات اختبارًا لمسار السلام الذي يقوده رئيس الوزراء نيكول باشينيان، وللاتجاه المتزايد نحو الغرب على حساب الحليف التاريخي، الاتحاد الروسي. وقد توجه إلى صناديق الاقتراع أكثر من مليون و476 ألف ناخب، أي ما يعادل نحو 59% من إجمالي الناخبين المسجلين، في انتخابات اعتُبرت مفصلية بالنسبة لمستقبل السياسة الخارجية الأرمينية.
وأظهرت النتائج الرسمية، التي أعلنتها اللجنة المركزية للانتخابات، فوز حزب «العقد المدني» الحاكم، بزعامة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، بنسبة قاربت 49.8% من الأصوات، وهي نسبة منحته الأغلبية البرلمانية، وحق تشكيل الحكومة المقبلة منفردًا.
ووفقًا لنظام توزيع المقاعد، تُرجمت هذه النسبة إلى 61 مقعدًا من أصل 105 مقاعد في الجمعية الوطنية، وهي أغلبية مطلقة تتيح لباشينيان تشكيل حكومة من حزب واحد دون الحاجة إلى ائتلافات.
ومع ذلك، فإن هذه النتيجة تمثل، من زاوية نسبة الأصوات، تراجعًا ملحوظًا مقارنة بانتخابات عام 2021، عندما حصل الحزب على نحو 54% من الأصوات، وهو تراجع يحمل دلالة سياسية مهمة، إذ إن أقل من نصف المشاركين في التصويت منحوا أصواتهم للحزب الحاكم.
وجاء في المرتبة الثانية تكتل «أرمينيا القوية» بقيادة رجل الأعمال الأرميني الروسي سامفيل كارابيتيان، بعد حصوله على نحو 23.3% من الأصوات، تلاه تحالف «أرمينيا» بنسبة قاربت 10%، ثم حزب «أرمينيا المزدهرة» بنحو 4%.
واللافت أن قوى المعارضة مجتمعة حصدت نحو 37% من الأصوات، ونجحت في دخول البرلمان، متجاوزة التوقعات التي رجحت أداءً أضعف لها. كما خاض الرئيس الأسبق روبرت كوتشاريان الانتخابات ببرنامج دعا إلى إعادة بناء القدرات العسكرية وتعزيز الشراكة مع موسكو.
وتزامن هذا المشهد الداخلي مع محاولات للتأثير الخارجي في مسار الانتخابات. فقد طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الأول من أبريل (نيسان) 2026، من رئيس الوزراء نيكول باشينيان السماح للملياردير الأرميني الروسي سامفيل كارابيتيان، الذي كان موقوفًا آنذاك، بالترشح، كما دعاه إلى تنظيم استفتاء بشأن مسار انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي.
وفي المقابل، انخرطت الولايات المتحدة بصورة متزايدة في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، عبر التوصل إلى اتفاق سلام أولي بين يريفان وباكو في إطار ما عُرف باسم «ممر ترامب للسلام والازدهار الدولي» (TRIPP).
ويتمثل المشروع في ممر عبور مقترح بطول 43 كيلومترًا عبر جنوب أرمينيا، يربط أذربيجان مباشرة بجيب ناخيتشيفان، ومنها إلى تركيا، ضمن اتفاق سلام توسطت فيه واشنطن في أغسطس (آب) 2025. ويمنح الاتفاق الولايات المتحدة حقوق تطوير حصرية للممر لمدة 99 عامًا، مع بقائه خاضعًا للسيادة القانونية الأرمينية.
أولًا: إيران
تنظر الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى أرمينيا بوصفها شريكًا استراتيجيًا مهمًا في جنوب القوقاز، ليس فقط بسبب العلاقات الثنائية التقليدية، وإنما أيضًا لأن أرمينيا تمثل المنفذ البري الإيراني الوحيد نحو منطقة القوقاز بعيدًا عن النفوذ التركي والأذربيجاني.
ومن هذا المنطلق، يحمل فوز باشينيان دلالات متباينة بالنسبة لطهران. فمن ناحية، يمنح استمرار حكومته قدرًا من الاستقرار السياسي اللازم للحفاظ على المشروعات الاقتصادية والتجارية المشتركة بين البلدين. كما تدرك إيران أن باشينيان، رغم انفتاحه المتزايد على الغرب، لم يتبنَّ سياسات عدائية تجاهها، بل حرص على إبقاء قنوات التعاون الاقتصادي والأمني مفتوحة.
لكن، من ناحية أخرى، تثير نتائج الانتخابات قلقًا متزايدًا لدى طهران، بسبب تعميق الشراكة الأرمينية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وما قد يترتب على ذلك من تنامي الحضور الغربي في جنوب القوقاز.
وتخشى إيران، على وجه الخصوص، أن يؤدي هذا المسار إلى تقليص هامش نفوذها الإقليمي، أو إلى دعم مشروعات الممرات الاستراتيجية التي قد تمنح أذربيجان وتركيا – وفي مقدمتها مشروع «ممر ترامب» – قدرة أكبر على تجاوز الأراضي الإيرانية في مجالات التجارة والطاقة والنقل.
كما تستشعر طهران أن تراجع الضمانات الأمنية الروسية التقليدية لأرمينيا، وهو ما تعكسه نتائج الانتخابات بصورة غير مباشرة، قد يفتح الباب أمام ضغوط أذربيجانية أو تركية متزايدة، وهو سيناريو لا ترغب في أن تجد نفسها عاجزة عن التأثير فيه أو احتواء تداعياته الأمنية على حدودها الشمالية الغربية.
ثانيًا: أذربيجان
تخرج باكو من هذا الاستحقاق الانتخابي في موقع المستفيد، رغم أنها لم تكن طرفًا مباشرًا في العملية الانتخابية.
فاستمرار باشينيان في السلطة، وتعزيز شرعيته عبر أغلبية برلمانية، يعني استمرار الزخم السياسي لمسار «السلام الدائم» الذي يطرحه بوصفه البديل الوحيد عن العودة إلى الحرب.
ومن منظور أذربيجان، يكرس هذا المسار واقع سيطرتها الكاملة على ناغورنو كاراباخ، ويمهد الطريق لتثبيت اتفاق السلام الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أغسطس (آب) 2025، بما يتضمنه من ترتيبات تتعلق بممر العبور إلى ناخيتشيفان.
والأهم من ذلك أن فوز باشينيان يضعف موقع المعارضة الأرمينية، وعلى رأسها الرئيس الأسبق روبرت كوتشاريان، الذي يدعو إلى إعادة بناء القدرات العسكرية ووقف التنازلات المقدمة لباكو.
ومع ذلك، فإن حصول قوى المعارضة مجتمعة على نحو 37% من الأصوات يعني أن أذربيجان لن تتعامل مع مشهد سياسي أرميني يخلو من القوى الرافضة لمسار التطبيع.
كما أن القضايا الخلافية المرتبطة بالعلاقات المستقبلية مع أذربيجان وتركيا بقيت في صلب الجدل الانتخابي، ولم تُحسم بصورة نهائية، وهو ما يعني أن باكو ستواصل التعامل مع بيئة سياسية أرمينية منقسمة، حتى وإن كانت الكفة تميل لمصلحة الحكومة الحالية.
وفي المقابل، يمثل نجاح أذربيجان وتركيا في الحصول على ممر عبور إلى ناخيتشيفان، تحت إشراف أمريكي طويل الأمد، مكسبًا جيوسياسيًا يتجاوز حدود الانتخابات نفسها، إذ يربط الأراضي الأذربيجانية الرئيسية بجيب ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمينية بضمانة دولية، وهو هدف سعت باكو إلى تحقيقه منذ عقود.
ثالثًا: تركيا
تنظر أنقرة إلى نتائج الانتخابات الأرمينية من زاوية مزدوجة.
فهي، إلى جانب أذربيجان، تمثل جزءًا من البيئة الجيوسياسية الضاغطة على أرمينيا، واستمرار باشينيان في السلطة يعني استمرار قنوات التواصل والتفاوض بين يريفان وأنقرة ضمن مسار التطبيع، الذي انطلق قبل سنوات بالتوازي مع مسار السلام الأرميني الأذربيجاني.
ويخدم هذا المسار الرؤية التركية الهادفة إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والأمني في جنوب القوقاز، ضمن مشروعها الأوسع للعالم التركي الممتد من الأناضول إلى آسيا الوسطى.
كما يشير الامتداد الجغرافي لممر ترامب للسلام والازدهار حتى الحدود التركية إلى أن أنقرة ستكون من أبرز المستفيدين بصورة غير مباشرة من أي ترتيبات نقل وعبور تنشأ عن استقرار هذا الممر، بما يدعم مصالحها في فتح طرق تجارية وطاقوية جديدة نحو آسيا الوسطى وبحر قزوين، بعيدًا عن الأراضي الإيرانية أو الروسية.
وفي المقابل، فإن استمرار وجود تيار سياسي أرميني معارض لمسار التطبيع، يحظى بتأييد يتجاوز ثلث الناخبين، يعني أن أنقرة لا تستطيع التعامل مع هذا المسار بوصفه أمرًا محسومًا أو غير قابل للتراجع إذا ما تغيرت موازين القوى الداخلية في المستقبل.
رابعًا: الولايات المتحدة الأمريكية
تخرج الولايات المتحدة من هذا المشهد الانتخابي بوصفها المستفيد الأكبر.
فهي الفاعل الخارجي الوحيد الذي نجح في تحويل نتيجة انتخابية داخلية إلى موطئ قدم استراتيجي طويل الأمد داخل منطقة ظلت لعقود مجالًا حصريًا للتنافس الروسي والإيراني والتركي.
فاستمرار باشينيان في الحكم، وحصوله على أغلبية برلمانية، يعني استمرار الغطاء السياسي اللازم لتنفيذ اتفاق السلام الذي توسطت فيه واشنطن في أغسطس (آب) 2025، والذي يمنحها حقوق تطوير حصرية على ممر العبور عبر جنوب أرمينيا لمدة 99 عامًا، مع بقائه تحت السيادة القانونية الأرمينية.
وبذلك، تحصل الولايات المتحدة على حضور تشغيلي وتجاري مباشر في منطقة لم يكن لها فيها من قبل حضور اقتصادي أو استراتيجي مماثل، عبر ممر يربط أذربيجان بناخيتشيفان وتركيا، ويمتد عمليًا من بحر قزوين حتى شرق المتوسط.
ويمثل هذا التطور أيضًا نجاحًا أمريكيًا في تحقيق ما يشبه الإزاحة الهادئة لروسيا من موقعها التقليدي بوصفها الضامن الأمني الرئيسي لأرمينيا، وذلك من خلال أدوات السلام الاقتصادي والدبلوماسية، لا عبر المواجهة العسكرية.
كما يعزز فوز باشينيان مكانة الولايات المتحدة بوصفها الوسيط الرئيسي في تسوية النزاع الأرميني الأذربيجاني، ويمنحها دورًا متقدمًا في صياغة الترتيبات الأمنية المستقبلية في جنوب القوقاز، متقدمة على كل من روسيا، وإيران، وحتى الاتحاد الأوروبي.
وربما يتمثل المكسب الاستراتيجي الأهم لواشنطن في البعد المتصل بالصين وآسيا الوسطى؛ إذ يمنحها التحكم طويل الأمد في ممر عبور بهذه الأهمية نفوذًا غير مباشر على طرق التجارة والطاقة الرابطة بين بحر قزوين وأوروبا عبر تركيا، بما يخدم أهدافها في تقليص الاعتماد الأوروبي على المسارات التي تمر عبر روسيا أو إيران أو الصين، في إطار المنافسة مع مبادرة «الحزام والطريق».
ورغم هذه المكاسب، فإن واشنطن تواجه تحديات عدة، أبرزها هشاشة الإجماع السياسي الداخلي في أرمينيا؛ فالأغلبية البرلمانية التي حصل عليها باشينيان لا ترقى إلى أغلبية الثلثين اللازمة لإجراء تعديلات دستورية، كما أن المعارضة، التي حصلت على أكثر من 37% من الأصوات، لا تزال تتبنى خطابًا مناهضًا لمسار التطبيع مع باكو وأنقرة.
وبالتالي، يبقى الاستثمار الأمريكي في «ممر ترامب» مرتبطًا باستمرار باشينيان في السلطة، وهو رهان قد يتعرض للاهتزاز إذا تغيرت موازين القوى الداخلية، أو تصاعدت الضغوط الشعبية المرتبطة بالكنيسة الأرمينية وعلاقتها المتوترة بالحكومة.
خامسًا: روسيا
تمثل نتائج الانتخابات، من منظور موسكو، استمرارًا لمسار تراجع نفوذها التقليدي في جنوب القوقاز، الذي طالما اعتبرته إحدى أهم دوائرها الجيوسياسية.
فالعلاقة الروسية الأرمينية، التي شكلت لعقود ركيزة الأمن الأرميني عبر القاعدة العسكرية الروسية في غيومري، وعضوية يريفان في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تشهد توترًا متصاعدًا منذ سيطرة أذربيجان على ناغورنو كاراباخ عام 2023. إذ تتهم يريفان موسكو علنًا بالتقصير في حماية حليفتها، رغم الالتزامات الأمنية القائمة بين الطرفين.
وقد ترجمت موسكو هذا القلق إلى أدوات ضغط مباشرة قبل الانتخابات، شملت ضغوطًا سياسية مارسها الرئيس فلاديمير بوتين على رئيس الوزراء نيكول باشينيان، إلى جانب قيود اقتصادية استهدفت الصادرات الزراعية الأرمينية، في محاولة للتأثير في المزاج الانتخابي.
غير أن الخسارة الحقيقية بالنسبة لروسيا لا تكمن في الأرقام، وإنما في الدلالة الاستراتيجية للنتائج.
فحصول حزب باشينيان على الأغلبية، رغم تراجع نسبة الأصوات، يعكس استمرار تأييد شريحة واسعة من الناخبين لمسار يقوم على تقليص الاعتماد على موسكو، وتعميق الشراكة مع الغرب، وهو ما يُقرأ في الكرملين باعتباره مؤشرًا على تحول تدريجي في التموضع الجيوسياسي لأرمينيا، بما يضعف الموقع التفاوضي الروسي في أي ترتيبات مستقبلية لأمن جنوب القوقاز، ويحد من قدرة موسكو على استخدام أرمينيا كورقة ارتكاز في مواجهة تركيا وحلف شمال الأطلسي. ومع ذلك، لا يزال لروسيا حضور يصعب تجاهله.
فالقاعدة العسكرية الروسية في غيومري ما زالت قائمة، كما أن الروابط الاقتصادية، وتحويلات العمالة الأرمينية العاملة في الاتحاد الروسي، لا تزال تمثل عناصر تأثير مهمة.
ويضاف إلى ذلك صعود رجل الأعمال الأرميني الروسي سامفيل كارابيتيان إلى المركز الثاني بنسبة تجاوزت 23% من الأصوات، وهو ما يشير إلى احتفاظ موسكو بقاعدة تأثير سياسي واجتماعي يمكن البناء عليها مستقبلًا، حتى وإن لم تتمكن من ترجمتها إلى أغلبية حاكمة في هذه الانتخابات.
سادسًا: الدول الأوروبية
تنظر بروكسل إلى نتائج الانتخابات بوصفها تأكيدًا لنجاح سياسة الانخراط التدريجي مع يريفان، التي تبناها الاتحاد الأوروبي بعد حرب عام 2020، ثم بعد سقوط ناغورنو كاراباخ.
فقد وقف الاتحاد الأوروبي سياسيًا إلى جانب أرمينيا في مواجهة الضغوط الروسية، كما أدانت مؤسسات أوروبية معنية بالشأن الأرميني محاولات التأثير في الانتخابات والضغوط الروسية المباشرة.
ومن ثم، تُقرأ هذه النتائج في الأوساط الأوروبية باعتبارها انتصارًا لمسار تحرير القرار الخارجي الأرميني من الهيمنة الروسية، بما يفتح المجال أمام مزيد من التقارب المؤسسي، سواء عبر اتفاقيات الشراكة، أو من خلال دعم مشروعات البنية التحتية والإصلاحات الديمقراطية.
لكن هذا المكسب يظل محاطًا بعدد من القيود. فأولها أن أوروبا ليست المستفيد الأول من الترتيبات الجديدة الخاصة بممرات العبور، إذ تتمتع الولايات المتحدة بحقوق تطوير حصرية طويلة الأمد لممر ترامب، وهو ما يجعل واشنطن، وليس بروكسل، المستفيد الخارجي الأكبر من إعادة تشكيل جنوب القوقاز.
أما القيد الثاني، فيتمثل في استمرار الانقسام الداخلي الأرميني حول هوية الدولة ومستقبل العلاقة مع روسيا، وهو ما يجعل أي رهان أوروبي على استقرار سياسي طويل الأمد بحاجة إلى قدر كبير من الحذر، خاصة في ظل التوتر القائم بين الحكومة والكنيسة الأرمينية، التي لا تزال تتمتع بنفوذ اجتماعي واسع.
أما القيد الثالث، فيرتبط باستمرار الوجود العسكري الروسي على الأراضي الأرمينية، إلى جانب تشابك المصالح الاقتصادية بين البلدين، وهو ما يحد من قدرة أوروبا على تقديم بديل أمني حقيقي في المستقبل المنظور.
وبذلك، يبقى المكسب الأوروبي، في المرحلة الراهنة، أقرب إلى كونه مكسبًا سياسيًا ومعنويًا، أكثر منه تحولًا استراتيجيًا متكاملًا.
تكشف القراءة المتعمقة لنتائج الانتخابات البرلمانية الأرمينية لعام 2026 أن المسألة لا تتعلق بمجرد حسم تنافس حزبي داخلي، بقدر ما تعكس إعادة ترتيب موقع أرمينيا في خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، بعد ثلاث سنوات من الانكسار الاستراتيجي الذي أعقب سقوط ناغورنو كاراباخ.
فالفوز الذي حققه نيكول باشينيان، رغم تراجع نسبة الأصوات مقارنة بالانتخابات السابقة، منحه أغلبية برلمانية كافية لمواصلة نهجه القائم على التقارب مع الغرب، والمضي في مسار المصالحة المشروطة مع أذربيجان وتركيا، لكنه لم يمنحه الأغلبية الدستورية الكافية لترسيخ هذا التحول بصورة نهائية، وهو ما يبقي الباب مفتوحًا أمام منافسة سياسية حادة بين رؤيتين متعارضتين لمستقبل الدولة الأرمينية.
وفي ضوء هذا المشهد، يمكن القول إن المستفيد الاستراتيجي الأكبر من نتائج الانتخابات يتمثل في المحور الأمريكي–الأذربيجاني–التركي، الذي عزز موقعه عبر ترتيبات ممرات العبور الجديدة، في حين تواجه روسيا تراجعًا متواصلًا في نفوذها الإقليمي، يصعب احتواؤه بالأدوات التقليدية وحدها.
أما إيران، فتقف في موقع المتحفظ الحذر، خشية التداعيات الأمنية المحتملة على حدودها الشمالية، بينما تحقق أوروبا مكسبًا سياسيًا يحتاج إلى استثمار مؤسسي طويل الأمد حتى يتحول إلى نفوذ فعلي.
وفي المقابل، تبقى المعادلة الداخلية الأرمينية، بين خطاب السلام الذي يتبناه باشينيان، وخطاب الحذر من التنازلات الذي تمثله المعارضة، العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه أرمينيا خلال السنوات المقبلة، وفي رسم مستقبل التوازنات الجيوسياسية في جنوب القوقاز.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير