
أصدرت محكمة لينينسكي بمقاطعة كورسك الروسية الحدودية، يوم 20 فبراير (شباط) 2026، حكمًا مشددًا على ثلاثة من كبار المسؤولين السابقين فيما عُرف بـ”مؤسسة تنمية منطقة كورسك” بعد إدانتهم باختلاس 152 مليون روبل من الأموال التي كانت مخصصة لبناء التحصينات الدفاعية في المقاطعة مع انطلاق الحرب في أوكرانيا.
هذا الحكم بالطبع لم يكن مفاجئًا؛ فالمحكوم عليهم “خانوا” الوطن في وقت شديد الحساسية، وهم من حيث مناصبهم السابقة لم يكونوا موظفين عاديين؛ بل كانوا جزءًا من شبكة إدارية من المفترض أنها تعمل في قلب المجهود الحربي الروسي.
هذه القضية المعروفة بقضية كورسك، التي تقول وثائقها المعلنة إن إجمالي المبالغ المختلسة قد يتجاوز أربعة مليارات روبل روسي، ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من الملاحقات الجنائية التي طالت المسؤولين المحليين والإقليميين في المقاطعات الروسية خلال العامين الماضيين على وجه الخصوص.
واستمرار الحملة وقسوة الأحكام الصادرة، وإن كانت ليست شبيهة بتلك التي تصدر في كوريا الشمالية أو الصين مثلًا بحق المختلسين والفاسدين المشابهين، يجعلاننا نتساءل: هل نحن أمام حملة تطهير حقيقية يُشرف عليها الكرملين من فوق؟ أم أننا بصدد عرض جانبي لأزمة أعمق تضرب بنية الإدارة الإقليمية الروسية في زمن الحرب؟
في شهر يناير (كانون الثاني) 2026 نشرت صحيفة “كوميرسانت” تقريرًا مثيرًا للاهتمام تناولت فيه قضايا الفساد التي ضربت الأقاليم والمقاطعات الروسية خلال عام 2025 (روسيا من حيث التنظيم الإداري والاصطلاح الدستوري تتكون من كيانات فيدرالية وأقاليم ومقاطعات، وليس محافظات).
وكشف هذا التقرير عن حقائق صادمة من حيث عدد قضايا الفساد وضخامتها في وقت تمر فيه الدولة بهذا الوضع الحرج؛ فقد أشارت “كوميرسانت” إلى أن 15 نائب حاكم من حكام الأقاليم والمقاطعات خضعوا للتحقيق خلال عام 2025 وحده، في حين أكدت صحيفة أخرى، وهي “آر بي كا”، في تقرير مشابه، أن 110 مسؤولين إقليميين تورطوا في قضايا فساد في العام نفسه، كما شهدت 7 أقاليم اعتقال أكثر من مسؤول من الصف الأول، في حين بلغ عدد نواب حكام الأقاليم الذين خضعوا للملاحقة خلال السنوات العشر الأخيرة 50 نائبًا.
بالطبع أنا أنقل هذه الأرقام من تقارير الصحافة الروسية المحترمة، وذات المصداقية، لا لتزيين المقال بها؛ ولكن لاعتقادي أنها مؤشر على خلل بنيوي في علاقات المركز بالأقاليم، وعلى هشاشة الإدارة المحلية في لحظة بالغة الحرج تحتاج فيها الدولة الروسية إلى أعلى درجات الانضباط والكفاءة.
وإذا أخذنا قضية كورسك حالة نموذجية فسنكتشف بوضوح كيف يمكن أن يتحول الفساد المالي والإداري إلى تهديد أمني، وليس تهديدًا أمنيًّا عاديًّا؛ بل تهديدًا عسكريًّا للأمن القومي، ولحدود الدولة وسيادتها وسلامة إقليمها.
بعد توغلات القوات الأوكرانية واختراقها كورسك في 6 أغسطس (آب) 2024، أُصيب المجتمع الروسي بصدمة شديدة، كيف يمكن أن تُخترق الأراضي الروسية المعترف بها تاريخيًّا بهذه البساطة، وبهذه الأعداد من القوات والآليات العسكرية الثقيلة؟ بالطبع كان واضحًا للعارفين منذ البداية أن خطأً جسيمًا وراء الاختراق، لكن الأولوية كانت لطرد القوات الأوكرانية المتوغلة، وبعدما نجحت العملية بمساعدة القوات الكورية الشمالية بالمناسبة بدأت المحاسبة.
وكان أول الساقطين هو حاكم المقاطعة ألكسي سميرنوف، الذي اعتُقِل في أبريل (نيسان) 2025، والتهمة بالطبع كانت اختلاس أموال التحصينات الدفاعية التي كان يفترض أن تحول دون اختراق الجيش الأوكراني ودباباته حدود الدولة الروسية الحصينة. فهذه التحصينات كان يفترض أن تكون خط الدفاع الأول في هذه المقاطعة الحدودية المتاخمة مباشرة لمناطق القتال داخل أوكرانيا؛ ومن ثم لم تكن مشروعًا عمرانيًّا مثلًا يمكن التراخي في تنفيذه؛ ولهذا فإن الفساد هنا لا يمكن -بحال- النظر إليه على أنه جريمة مالية عادية كتلك التي تحدث يوميًّا تقريبًا في كل مكان؛ ولكنه إخلال مباشر، بل ضرب مباشر لقدرة الدولة على حماية حدودها.
قبل أشهر من صدور حكم 20 فبراير (شباط) الذي انطلقت منه في كتابة هذا المقال، شهدت موسكو حادثة صادمة مرتبطة مباشرة بكورسك أيضًا، بطلها كان رومان ستاروفويت، وزير النقل الروسي الذي أقدم على الانتحار بإطلاق النار على رأسه من مسدسه المرخص. والمهم في هذه الحادثة أنه كان حاكم مقاطعة كورسك قبل سميرنوف، وهو عسكري سابق، وكان من أهل الثقة. بالطبع لم تربط التحقيقات الرسمية بين حادثة الانتحار وقضية الفساد ربطًا مباشرًا، لكنّ المراقبين أجمعوا -قولًا وضمنًا- على ذلك، وأصبحت الحادثة دليلًا على أن السياق العام في البلد أصبح يعكس ضغوط الحرب، وتضاعف المسؤوليات في ضوء توقعات مركزية صارمة، وتحولت كذلك إلى رمز لحالة الضغط النفسي والمؤسسي التي تعيشها النخب الإقليمية.
وبهذا المعنى نستطيع القول إن حالة كورسك تحولت من إقليم حدودي إلى مرآة تعكس ما يحدث في أقاليم ومقاطعات أخرى أقل ظهورًا في الإعلام لبعدها عن بؤرة الأحداث الساخنة. وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالًا مشروعًا؛ فالفساد في روسيا -كما في غيرها من الدول- مرض معروف، لا تخلو منه دولة كبيرة أو حتى صغيرة، لكن لماذا الآن؟
والجواب ببساطة: الحرب تغيِّر قواعد اللعبة، ومن لم يفهم ذلك يخاطر برأسه، أو بالسجن المشدد ومصادرة الأموال.
كل المتابعين يعرفون أن روسيا منذ عام 2022 دخلت في نمط تعبوي شامل، وإن لم يُعلن ذلك، أو تَصْرُخ به سلطات المركز في “الرايحة والجاية”. الإنفاق العسكري -وفق المعلن- ارتفع في عام 2025 بنسبة 29%، وميزانيات الأقاليم المرتبطة بالتصنيع العسكري والبنية التحتية ارتفعت بنسبة 40%. بالطبع هذا التدفق الضخم للأموال إلى الأقاليم خلق بيئة خصبة للفساد، ولكنه في الوقت نفسه جعل المركز، في موسكو والكرملين، أكثر حساسية تجاه أي اختلال. ففي زمن الحرب يصبح الفساد، وخصوصًا في العقود الدفاعية والمرتبطة بالمجهود الحربي عمومًا، تهديدًا أمنيًّا خطيرًا، ولا يمكن -بحال- التعامل معه على أنه مجرد خلل إداري؛ ولهذا تتسارع الملاحقات وتتوسع التحقيقات، ومعها يصبح حكام الأقاليم ونوابهم تحت المجهر.
هنا يبرز سؤال أكثر تعقيدًا: هل هذه الملاحقات الحالية تعكس إرادة سياسية حقيقية لمكافحة الفساد، أم أنها مجرد جزء من آلية تهدف إلى إعادة ضبط النخبة الإقليمية، وضمان ولائها في هذه الظروف الحرجة للبلاد؟
وللإجابة عن هذا السؤال أعود مجددًا إلى تقرير “كوميرسانت” الذي أشرت إليه أعلاه، فهذا التقرير يشير إلى أن أكثر من نصف قضايا الفساد جاءت بعد تغييرات سياسية في الأقاليم، وهذا يعني أن مكافحة الفساد -مهما كانت دوافعها- أصبحت أيضًا أداة لإدارة الولاءات، فضلًا عن إعادة تشكيل مراكز القوة المحلية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة.
ومما لا شك فيه أن ظاهرة الفساد في الأقاليم، وخصوصًا في زمن الحرب، تنعكس على الجبهة الداخلية، فهي تؤدي إلى تآكل الثقة بالمنظومة الحاكمة، وقضية كورسك تحديدًا أثرت في الرأي العام؛ لأنها مرتبطة مباشرة بسلامة الحدود. وفي ظل الحرب، يصبح أي إخفاق إداري أو مالي مضاعف التأثير؛ فهو يؤثر تأثيرًا مباشرًا في الجهد العسكري؛ فالفساد الإداري في الأقاليم الحدودية تحديدًا -مثل كورسك- أدى إلى تأخر بناء التحصينات، وضعف جودة الدفاعات على الحدود. كما أدى الفساد إلى اختلال في منظومة التوريد، وإلى تسرب الأموال المخصصة للجبهة إلى جيوب الفاسدين، وهذا بالطبع دفع السلطات السياسية العليا والأمنية دفعًا إلى زيادة معدلات الملاحقات. وهذه الزيادة في الملاحقات في وقت الحرب تخلق -شئنا أم أبينا- انطباعًا بأن النظام يعاني اختلالات داخلية، وأنه مضطر إلى إعادة ضبط النخب يدويًّا من داخل الكرملين وباستمرار.
وقصارى القول أن أحكام قضية كورسك، وتقارير “كوميرسانت” و”آر بي كا”، وغيرهما، تخبرنا أن روسيا تواجه معضلة إدارة الجبهة الداخلية للحرب، وليس خوض الحرب وحدها. وقضية كورسك، من اعتقال سميرنوف إلى انتحار ستاروفويت، وصولًا إلى أحكام 20 فبراير (شباط) 2026، تكشف بوضوح -في رأيي- عن أزمة هيكلية وبنيوية داخل منظومة الإدارة المحلية والإقليمية في روسيا.
الفساد في روسيا ليس ظاهرة إدارية؛ إنه جزء من آلية الحكم. والملاحقات القضائية والجنائية في هذه المرحلة من تاريخ هذه الدولة الكبيرة لا ينبغي التعامل معها أو النظر إليها على أنها إجراءات قانونية عادية؛ بل هي أدوات لإعادة تشكيل النخبة وضبطها. وفي ظل حرب طويلة ومكلفة، مثل حرب أوكرانيا، تبدو الإدارة المحلية والإقليمية في روسيا أمام سؤال صعب: كيف يمكن للمركز في موسكو والكرملين ضبطها لتحافظ على تماسكها، والأهم كفاءة أدائها، في وقت تتزايد فيه الضغوط عليها، وتتقلص هوامش الحركة أمامها، وتتسارع فيه الملاحقات، كما نرى في الأحكام الأخيرة وتقارير عام 2025.
إننا لسنا بصدد أزمة فساد فقط؛ بل أزمة حوكمة في زمن استثنائي.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير