
تدرجت عملية استقدام العمالة الهندية إلى روسيا في إطار مسار أوسع أطلقته السلطات الروسية لإعادة هندسة قنوات الهجرة العمالية منذ عام 2023، حين بدأت مؤشرات الشح في سوق العمل الروسي تتخذ بالفعل طابعًا هيكليًّا وليس ظرفيًّا، لم يعد في قدرة الحكومة التكتم عليه.
وبهذا لا يمكن النظر إلى ارتفاع أعداد العمال الهنود المشتغلين في قطاعات الاقتصاد الروسي المختلفة بوصفه ظاهرة فجائية في عام 2025.
وأتناول هذا الموضوع في هذا المقال تعقيبًا على تقرير لوكالة رويترز، نُشر الأربعاء 11 فبراير (شباط) 2026، عن أعداد العمال الهنود وأوضاعهم في روسيا، دُعم بصورة لعدد منهم يعملون في مصنع للنسيج في بلدة خارج موسكو.
بلا شك تقول لنا البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية الروسية إن هناك نقلة نوعية حدثت بالفعل في ظاهرة استقدام العمالة الهندية، وإنها جاءت مع تعميق الإطار المؤسسي للتعاون الروسي- الهندي خلال عامي 2024 و2025، وتوج ذلك بتوقيع اتفاق حكومي بين البلدين بشأن العمل المؤقت لمواطني البلدين. وقد منح هذا الاتفاق هذا المسار غطاءً قانونيًّا مباشرًا، وأدخل بذلك الهند ضمن خريطة المصادر الخارجية الموردة للعمالة الأجنبية إلى روسيا.
الدافع الروسي لم يكن سياسيًّا بقدر ما كان اقتصاديًّا وديمغرافيًّا، وهو ما ينبغي لنا لفت الانتباه إليه، فروسيا دخلت عام 2025 المنصرم بسوق عمل صنفتها المؤسسات الرسمية بأنها مشدودة. معدل البطالة -وفق بيانات وكالة الإحصاء الفيدرالية “روس ستات”- بلغ نحو 2.2% فقط، أي ما يقارب 1.6 مليون عاطل وفق منهجية منظمة العمل الدولية، وذلك عندما نترجم هذه النسبة إلى أرقام من تعداد السكان.
في المقابل، أعلنت وزارة التنمية الاقتصادية الروسية، في تقاريرها الرسمية المسجلة والمنشورة، نحو 1.5 وظيفة شاغرة من خلال قنوات التوظيف الرسمية. أما تقديرات جهات بحثية، مثل المدرسة العليا للاقتصاد، فقد رفعت سقف الحاجة لدى الشركات الروسية- باستثناء المشروعات الصغيرة- إلى قرابة 2.6 مليون عامل مطلوب لسوق العمل الروسي. وحددت المجالات الرئيسة للاحتياج في قطاعات مثل الصناعات التحويلية، والتجارة، والنقل، والخدمات.
هذه الفجوة الواضحة بين العرض المحلي من العمالة والطلب الفعلي هي التي أتعامل معها بوصفها الخلفية الصلبة لأي قراءة موضوعية أحاول تقديمها في ملف العمالة الهندية.
ونقطة أخرى مهمة تجدر الإشارة إليها، وهي الحاجة إلى ضبط بعض المفاهيم، بمعنى أن بعض السرديات يتردد فيها أن العمال الهنود يشكلون ثلث القوة العاملة الروسية، وهذا خطأ واضح؛ فالأرقام الرسمية لا تسند هذا الادعاء بحال. وزارة العمل حددت حصة العمالة الأجنبية الخاضعة لنظام التأشيرات لعام 2025 بنحو 234.9 ألف عامل، من بينها 71.817 للهند، أي نحو الثلث، نعم من العمالة، لكن داخل شريحة الحصص التأشيرية فقط.
أما سوق العمل الروسية فتضم عشرات الملايين من العاملين، يمثل الوافدون من دول آسيا الوسطى الشريحة الأكبر منها بعد المواطنين الروس أنفسهم. كما تشير بيانات وزارة الداخلية الروسية إلى أن تصاريح العمل الممنوحة للهنود تجاوزت 56 ألفًا من أصل 240 ألف تصريح عمل للأجانب عمومًا. ونحن إذن أمام توسع ملحوظ فعلًا في مسار محدد، لكننا لسنا أمام تحول ديمغرافي شامل بعد.
وهنا يُطرح سؤال مهم: لماذا لجأت موسكو إلى هذا الخيار تحديدًا؟ والجواب يكمن في عاملين متداخلين؛ الأول هو تراجع عدد العمال من دول آسيا الوسطى، مع أنهم لا يحتاجون إلى تأشيرات. البيانات الرسمية تشير إلى انخفاض العدد الإجمالي للأجانب المقيمين في روسيا من نحو 6.3 مليون إلى 5.7 مليون خلال عام واحد.
ويُعزى السبب في ذلك إلى التشديدات القانونية والتنظيمية التي تبنتها الجهات الأمنية بعد بدء الحرب في أوكرانيا؛ ومن ثم ارتفاع تكلفة الامتثال القانوني من جانب هؤلاء، فضلًا عن سبب آخر مهم وهو تزايد الحساسية المجتمعية تجاه ملف الهجرة من آسيا الوسطى تحديدًا عقب سلسلة من الأحداث الأمنية والإرهابية في 2024-2025؛ ولذلك لم يعد الإعفاء من التأشيرة كافيًا لجذب التدفقات السابقة، خصوصًا مع تغير المناخ القانون والاجتماعي، وهو ما أشرنا إليه منذ قليل.
أما العامل الثاني فهو رغبة السلطات الأمنية في ضبط وإحكام السيطرة على قنوات الاستقدام. العمالة الهندية تخضع لنظام التأشيرات، وحصص وتصارح واضحة؛ ومن ثم يمنح هذا الأمر السلطات قدرة أكبر على المتابعة والمساءلة القانونية مقارنة بالمسارات التقليدية التي تدخل عبرها العمالة الوافدة من آسيا الوسطى.
الاتفاق الروسي الهندي بشأن العمل المؤقت، إلى جانب اتفاق مكافحة الهجرة غير النظامية، يعكس هذا التوجه الروسي نحو المأسسة والانضباط، وهذا الأمر من زاوية الدولة يعد ميزة لا يستهان بها أبدًا في بيئة داخلية حساسة كما في روسيا خلال السنوات الأربع الأخيرة على وجه الخصوص.
لكن، مع كل ما ذكرته أعلاه، ينبغي القول إن هذا المسار ليس بلا تكلفة، أو لا يخلو من المشكلات والإشكاليات. فمن حيث المزايا، يوفر التنوع الجغرافي لمصادر العمالة الوافدة قدرًا من المرونة الإستراتيجية ويعزز الشراكة الاقتصادية مع نيودلهي، وهو ما تحتاج إليه موسكو بشدة في الظروف الراهنة، وذلك ضمن أفق التعاون حتى عام 2030.
ونقطة أخرى مهمة، وهي أنني فهمتُ -حسب ما اطلعت عليه من تقارير متخصصة لدى الإعداد لكتابة المقال- أن العمالة الهندية غالبًا ما تُوجَّه إلى قطاعات تحتاج إلى مهارات صناعية أو تقنية محددة، مقارنة بعمال آسيا الوسطى، الذين يُستخدَمون في أعمال النظافة والنقل، وتوصيل الطلبات، وغيرها، وهذا الأمر في ذاته يخفف الضغط عن قطاعات حيوية مثل الصناعات التحويلية، والزراعة.
أما عيوب هذا الحل، فبالطبع تكمن في تحديات جدية، مثل الاندماج اللغوي والثقافي، وتكاليف الاستقدام المرتفعة مقارنة بمصادر العمالة التقليدية، وأقصد بها بالطبع في حالتنا هذه عمالة آسيا الوسطى. إضافة كذلك إلى احتمال نشوء حساسيات في سوق العمل المحلية إذا لم تُدر العملية بشفافية.
وإذا نظرنا إلى استطلاعات الرأي بشأن هذا البند تحديدًا، فسنرى أنها تعكس هذا التعقيد الذي أشرت اليه في الفقرة السابقة، فمركز “ليفادا” شبه المستقل، على سبيل المثال، أظهرت بياناته أن نحو 70% من المستجيبين من الروس يؤيدون تقييد الهجرة غير النظامية، وتحديدًا من آسيا الوسطى، وتشديد عملية الضبط الأمني، في حين تشير بيانات مركز “فتسيوم”، شبه الحكومي، إلى تقييمات أكثر هدوءًا للعلاقات بين القوميات لدى شرائح عريضة من المجتمع الروسي.
المزاج العام إذن لا يرفض بالإطلاق فكرة وجود العمالة الأجنبية، لكنه يشترط أن يكون هناك تنظيم ورقابة صارمة عليها.
وبالحديث عن دور الحرب في أوكرانيا في هذه التحولات، فهي تمثل -بلا شك- عنصرًا مضاعِفًا لهذا المشهد. لكن مع ذلك، ومراعاة للموضوعية، لا بد من الإقرار أنها لم تُنشئ العجز في العمالة من الصفر؛ لأن جذور هذا العجز تعود في الواقع إلى اختناقات ديموغرافية سابقة، لكنها بالطبع عمّقته من خلال الاضطرار إلى إعادة توزيع العمالة، وأقصد بذلك أن زيادة الطلب الصناعي المرتبط بحجوزات الإنتاج الحربي والطلبيات الدفاعية، ورفع وتيرة النشاط في القطاعات المرتبطة بها، وفي قطاعات معينة، أدت إلى إعادة توزيع العمالة بدفع أعداد كبيرة من الروس إليها، وخصوصًا لاعتبارات أمنية، وإلخ.
بنك روسيا المركزي أشار في تقاريره إلى أن استمرار نقص الكوادر، -مع بعض التراجع النسبي في حدته أواخر عام 2025- أدى وجود سوق عمل تتسم بتنافسية عالية على الموارد البشرية؛ ما يدفع الدولة -والقطاع الخاص جنبًا إلى جنب- إلى البحث عن حلول خارجية.
البعد الجيوسياسي حاضر -بلا شك- أيضًا في الخلفية؛ فالضغوط الأمريكية على الهند في ملف استيراد النفط الروسي قد تؤثر -تأثيرًا غير مباشر بالطبع- في مناخ الأعمال الروسي الهندي؛ فإذا أدت هذه الضغوط بالفعل إلى تراجع ملموس في التعاون الاقتصادي بين موسكو ونيودلهي، فقد تنعكس سلبًا على خطط التوسع في الاستقدام، التي تشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أنها قد تصل إلى معدل استقدام مليون عامل من الهند خلال السنوات الأربع المقبلة. أما إذا نجحت نيودلهي في مواصلة سياسة الموازنة بين شركائها، فمن المرجح في هذه الحالة أن يستمر مسار العمالة المؤقتة من ربوع الهند إلى روسيا رافدًا تكميليًّا لسد العجز الحقيقي المثبت.
وختامًا، وبعين المراقب من الداخل، أستطيع القول بثقة -على الأقل لحظة كتابة هذه السطور- إن التحول الروسي نحو الهند لاستقدام العمالة والأيدي العاملة لم يتحول بعد إلى بديل شامل لآسيا الوسطى، ولا يجوز لنا أن نصفه بأنه انقلاب جذري بعد في بنية سوق العمل الروسية.
إنه أداة ضمن مجموعة أو سلة أدوات لجأ إليها الكرملين وبوتين لإدارة عجز يتراوح بين 1.5 و2.6 مليون عامل تحتاج إليهم قطاعات الاقتصاد الروسي المختلفة لاستمرار عجلة الإنتاج في الدوران، على الرغم من المخاوف أو الملاحظات المجتمعية على العملية.
ونجاح هذه الأداة سوف يتوقف -بلا شك- على قدرة موسكو على تحقيق توازن دقيق جدًّا بين متطلبات الاقتصاد وحساسيات المجتمع وحسابات السياسة الخارجية. وفي بيئتنا الدولية الشديدة التقلب سيظل هذا التوازن هشًّا، شئنا أم أبينا، وقابلًا لإعادة الضبط والتحول مع كل تغير في المعادلة الداخلية أو الخارجية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير