القضايا الاقتصادية

العلاقات التجارية بين الاتحاد الروسي والجمهورية الجزائرية


  • 6 نوفمبر 2023

شارك الموضوع

تعيش العلاقات الروسية الجزائرية ديناميكية غير مسبوقة على مستويات عدة، ويرجع هذا إلى تعميق إعلان الشراكة الإستراتيجية الذي وقّع عليه البلدان في 2001، ومنذ ذلك الحين أخذ الاتفاق منهجًا توسعيًّا، وبدأ في الآونة الأخيرة بالخروج من دائرة التعاون التقليدي في المجالين العسكري والطاقة إلى التعاون التجاري. سنحاول من خلال هذا المقال أن نبرز أهم المحطات المكونة للعلاقات التجارية الروسية الجزائرية، وتوضيح سبب التوقيت لتحفيز هذه العلاقة.

العلاقات التجارية إبان الاتحاد السوفيتي

بداية العلاقات بين الاتحاد السوفيتي والجزائر كانت إبان ثورة التحرير الجزائرية (1954-1962)، فمنذ عام 1956 دعم الاتحاد السوفيتي الثورة الجزائرية بالتمويل والدعم الماديين، أما بعد الاستقلال فقد استمر التعاون العسكري بين البلدين حتى ظهور مجال استغلال النفط والغاز سنة 1963 في الجزائر، ثم استغلال المناجم والمعادن، وقطاع الري، والبنية التحتية.

تأطرت العلاقات التجارية بين الدولتين بواسطة مجموعة من الاتفاقيات، وهي:

  • اتفاقية التجارة بين حكومة الاتحاد السوفيتي وحكومة الجمهورية الجزائرية (الجزائر العاصمة، 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1963).
  • اتفاقية تجارة طويلة الأمد بين حكومة الاتحاد السوفيتي وحكومة الجمهورية الجزائرية (18 فبراير/ شباط 1972).
  • اتفاقية التجارة بين حكومة الاتحاد السوفيتي وحكومة الجمهورية الجزائرية (الجزائر العاصمة، 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979).

ما يميز هذه الاتفاقيات أنها:

  • حددت إطار التعاون التجاري.
  • حددت قوائم السلع الموجهة إلى التصدير.
  • حددت تسعيرة البيع والشراء.
  • الاتفاق على إمكانية إعادة بيع المواد المستوردة إلى طرف ثالث.
  • حددت مدة الاتفاقات بخمس سنوات قابلة للتجديد.

مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي

مرحلة الخمول

وهي الحقبة الممتدة من أواخر الثمانينات إلى سقوط الاتحاد السوفيتي 1991، ونشأة الاتحاد الروسي في السنة نفسها. عرفت هذه المرحلة نوعًا من الخمول في العلاقات بين الدولتين بسبب المراحل الانتقالية المتزامنة في كلتيهما؛ فالجزائر كانت مشغولة بالانتقال من نظام حكم الحزب الواحد إلى العمل بالتعددية الحزبية. صوحبت هذه الفترة ببداية ما يعرف بالعشرية السوداء، أو الحرب الأهلية الجزائرية. أما روسيا فقد كانت مشغولة بإعادة ترتيب الكرملين بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وما صاحب ذلك من مشكلات أمنية كثيرة في الداخل، ومن ثم حافظت الجزائر وروسيا على العلاقات الأساسية، وهي التعاون العسكري، والتعاون في مجال الطاقة.

بعد الاستقرار النسبي في الاتحاد الروسي، انطلقت أولى خطوات التعاون التجاري في 30 يونيو (حزيران) 1993، بتوقيع الاتفاقية المُنشئة للجنة الروسية الجزائرية الحكومية المشتركة للتجارة والتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني، ويشار إليها فيما بعد باسم اللجنة[1].

تتكون الاتفاقية من ثماني مواد توضح عمل اللجنة، كما يلي:

  • دراسة حالة التعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والفني بين الاتحاد الروسي والجمهورية الجزائرية.
  • دراسة إمكانات تطوير التعاون في المجالات المحددة، وتقديم المقترحات ذات الصلة للموافقة عليها من جانب الأطراف المتعاقدة.
  • تنفيذ عمليات المراقبة والرقابة على تنفيذ قرارات الهيئة على أساس تبادل المعلومات بين الاجتماعات.
  • مساعدة المنظمات والشركات ودوائر الأعمال المهتمة من أجل تطوير التعاون وتنويعه.
  • إعداد مقترحات لحل القضايا الناشئة في سياق تنفيذ الاتفاقات بين الأطراف المتعاقدة.

وتعقد اجتماعات اللجنة مرة في السنة على الأقل بالتناوب بين روسيا والجزائر. تنعكس النتائج والقرارات التي تم التوصل إلى اتفاق بشأنها في اجتماع اللجنة في البروتوكول الذي وقع عليه رئيسا كلا الجانبين من اللجنة. تدخل القرارات التي تتخذها اللجنة حيز التنفيذ من تاريخ التوقيع على البروتوكول، ما لم يتفق على خلاف ذلك. يتم إبرام هذه الاتفاقية لمدة خمس سنوات. سيُجَدَّد البروتوكول تلقائيًّا فترات لاحقة مدتها خمس سنوات، ما لم يخطر أي من الطرفين المتعاقدين الطرف الآخر كتابيًّا قبل ستة أشهر بنيته إنهاءه.

من خلال تفحص هذه الاتفاقية، نجد نوعًا من التقارب الحذر في المجال التجاري، وهو ما يمكن عزوه إلى الظروف المحيطة آنذاك في الجزائر، كما أن تحديد مدة عمل الاتفاقية يوضح التخوف لدى الطرفين.

لا تزال اللجنة قائمة، وتعمل الى يومنا هذا، لكن المعلومات عن إنجازاتها تبقى محدودة بكم عملها عن طريق البرتوكولات.

مرحلة إعلان الشراكة الإستراتيجية وما يليها

ركز إعلان الشراكة الإستراتيجية عام 2001، في موسكو على العمل في المجال التجاري والاقتصادي، والسعي إلى تحقيق الأهداف التالية:

  • بناء التعاون في إطار اللجنة الروسية الجزائرية الحكومية المشتركة للتجارة والتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني، وكذلك منظمات الأعمال المشتركة؛ من أجل تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية.
  • تعميق التعاون وتنويعه في قطاعات مثل صناعة التعدين، والصناعات المعدنية، ومجمع الوقود والطاقة، والهندسة الميكانيكية، والزراعة، وبناء مرافق المياه، وتنفيذ البحث العلمي والتدريب.
  • تنمية التعاون في القطاعين المصرفي والمالي، وتحسين آليات الائتمان والتأمين من أجل تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي الثنائي.
  • تهيئة الظروف المواتية للاستثمارات المتبادلة، وتوفير ضمانات لحمايتها.
  • تشجيع العلاقات بين منطقتي البلدين من أجل تعزيز تنمية التبادل التجاري والاقتصادي.
  • تبسيط القواعد والإجراءات الخاصة بسفر رواد الأعمال، وممثلي دوائر الأعمال، والدوائر العامة في كلا البلدين.
  • تنمية التعاون في مجال التقنيات العالية.
  • توسيع التنسيق في التجارة الدولية، والمنظمات الاقتصادية والمالية.
  • استغلال الفرص الجديدة التي تنفتح نتيجة عمليات الاندماج في الاقتصاد العالمي لتحقيق المنفعة المتبادلة.
  • استكشاف مشترك لفرص تشكيل آليات التجارة الإقليمية بمشاركة دول أخرى.

حدد الإعلانُ اللجنةَ الروسية الجزائرية الحكومية المشتركة للتجارة والتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني جهةَ إشراف وتنسيق لأعمال التعاون التجاري. على الرغم من إدراج الإعلان التعاون التجاري حتى قبل التعاون العسكري، فإن التركيز كان على الثاني أكثر منه على الأول[2].

في عام 2006 ، عندما زار الرئيس فلاديمير بوتين الجزائر العاصمة في مارس (آذار)، أُعلِنَت مبيعات الأسلحة الروسية، فضلاً عن تسوية ديون الجزائر لروسيا بموجب اتفاق بين حكومة الاتحاد الروسي وحكومة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بشأن التجارة والعلاقات الاقتصادية والمالية، وتسوية ديون الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية إلى الاتحاد الروسي على القروض الممنوحة سابقًا. بالإضافة إلى ذلك[3]، وقعت شركة “غازبروم” وشركة الغاز الحكومية الجزائرية “سوناطراك” مذكرة تفاهم في أغسطس، أثارت مخاوف أوروبية من أن تتواطأ روسيا والجزائر (اثنان من موردي الغاز الرئيسيين الثلاثة في الاتحاد الأوروبي) لرفع سعر الغاز. إلى جانب ذلك، كان التهديد المتمثل في تطور اتحاد موردي الغاز خارج الاتحاد الأوروبي مبررًا إضافيًّا مناسبًا لشركات الطاقة الفرنسية التي تحاول الاندماج داخل سوق الاتحاد الأوروبي، مثل (Gaz de France و Engie SA)، ومع ذلك، فقد تم بالفعل تقييم أزمة الغاز الروسية الأوكرانية في يناير (كانون الثاني) 2006، على أنها ضارة بمصالح الجزائر. قد تكون الأخطار الناتجة عن هذا الصراع لمصدري الغاز الطبيعي الذين يزودون الاتحاد الأوروبي عبر خطوط أنابيب الغاز، مثل الجزائر والنرويج، أكبر على المدى الطويل، حيث قد يؤدي ذلك إلى وضع أوروبا سياسة لتنويع مصادر الإمداد الخاصة بها[4].

مجالات المبادلات التجارية وحجمها

مجالات المبادلات التجارية خارج القطاع العسكري وقطاع الطاقة

عند البحث عن مجالات المبادلات التجارية بين روسيا والجزائر خارج القطاع العسكري وقطاع الطاقة، نلاحظ وجود ضعف كبير في الحركة التجارية في الفترة بين عامي 2006 و2016. بالرجوع إلى موقع (تجمع قاعدة بيانات الأمم المتحدة)، ومن خلال الجداول المرفقة بالمقال، نجد أن السلع التي تهتم بها السوق الجزائرية من روسيا هي: المركبات غير السكك الحديدية والترام، والحديد والصلب، والدهون والزيوت الحيوانية والنباتية، ومنتجات التفكيك، والمعدات الكهربائية والإلكترونية، والأجهزة البصرية، والتصوير، والتقنية، والمستلزمات الطبية، والآلات، والمفاعلات النووية، والمراجل.. الخ[5]، في حين نجد السوق الروسية تهتم بالسلع الجزائرية التالية: الفواكه الصالحة للأكل، والمكسرات، وقشور الحمضيات، والشمام، والمعدات الكهربائية والإلكترونية، والبذور الزيتية، والفواكه الزيتية، والحبوب، والبذور، والفواكه، والوقود المعدني، والزيوت، ومنتجات التقطير[6].

حجم المبادلات التجارية بين روسيا والجزائر

وفقًا للبيانات الواردة على موقع (منظمة التعاون الاقتصادي)، نجد أنه في عام 2021، صدّرت روسيا بقيمة 1.48 مليار دولار إلى الجزائر. المنتجات الرئيسة التي صدرتها روسيا إلى الجزائر هي معدات الملاحة (255 مليون دولار)، وزيت فول الصويا (183 مليون دولار)، وملحقات البث (150 مليون دولار). خلال الـ 26 عامًا الماضية، زادت صادرات روسيا إلى الجزائر بمعدل سنوي قدره (12.1 %) ، من (75.7) مليون دولار في عام 1995 إلى (1.48) مليار دولار في عام 2021.

في عام 2020 ، صدّرت روسيا خدمات إلى الجزائر بقيمة (67.8) مليون دولار، وكانت هي الأكبر من حيث القيمة، وكانت خدمات الأعمال الأخرى (66.1 مليون دولار)، والنقل (1.42 مليون دولار)، وخدمات الكمبيوتر والمعلومات (121 ألف دولار).

في عام 2021، صدّرت الجزائر بقيمة (17.3) مليون دولار إلى روسيا. كانت المنتجات الرئيسة التي صدرتها الجزائر إلى روسيا هي الفاكهة الإستوائية (6.15 مليون دولار)، والسكر الخام (5.24 مليون دولار)، والهيدروجين (2.09 مليون دولار). خلال الـ 26 عامًا الماضية، انخفضت صادرات الجزائر إلى روسيا بمعدل سنوي قدره (7.54٪)، من (132) مليون دولار في عام 1995 إلى (17.3) مليون دولار في عام 2021.

في عام 2021 ، لم تصدّر الجزائر أي خدمات إلى روسيا.

في عام 2021 ، احتلت روسيا المرتبة الـ45 في مؤشر التعقيد الاقتصادي (ECI 0.46) ، والمرتبة الـ10 في إجمالي الصادرات (484 مليار دولار). في العام نفسه، احتلت الجزائر المرتبة لـ103 في مؤشر التعقيد الاقتصادي (ECI -0.88)، والـ63 في إجمالي الصادرات (35.4 مليار دولار)[7].

تقدير موقف

على الرغم من مرور نحو ثلاثين عامًا على إنشاء اللجنة الروسية الجزائرية الحكومية المشتركة للتجارة والتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني، و22 عامًا على توقيع إعلان الشراكة الإستراتيجية، فإن البيانات تشير إلى ضعف وتيرة التعاون التجاري بين روسيا والجزائر، وهو ما يمكن عزوه إلى:

  • تخوف الطرفين من الدخول في علاقات جديدة غير مألوفة بحكم أن كلتا الدولتين كانت قد خرجت، أو في حالة الخروج من المرحلة الانتقالية التي عاشتها.
  • أو صعوبة التأقلم مع الوضع الجديد، وهو اقتصاد السوق الحرة، حيث تأخذ الدولة دور المراقب وليس دور الفاعل، على عكس ما كان الوضع عليه إبان الاتحاد السوفيتي، أو التعاون في مجال الطاقة، أو المجال العسكري.

      أو قد تكون الأنشطة التجارية موجودة في البلدين قبل التواريخ المذكورة في البيانات، ولكنها غير معلنة، والدولتان في هذه الحالة غير ملزمتين بإعلانها، بدليل أنه في السنتين الأخيرتين أصبحت الدولتان تعلنان أنشطتهما التجارية في إطار الحملة الترويجية لإبراز مدى عمق العلاقة بين الدولتين، كمثال على ذلك أورد موقع (Interfax) عن مركز التصدير الزراعي في وزارة الزراعة الروسية، نقلا عن بيانات أولية من مصلحة الجمارك الاتحادية، أن الجزائر زادت وارداتها من القمح الروسي بنسبة (290 %) إلى (1.3) مليون طن تقريبًا في 2022، من (330) ألف طن في 2021، وارتفعت واردات القمح بنسبة (290%) من حيث القيمة، وأصبحت الجزائر واحدة من أكبر خمسة مشترين للقمح الروسي عام 2022.

وزادت صادرات فول الصويا الروسي إلى الجزائر (25 %) إلى (191) ألف طن في 2022، وقفزت الإيرادات من هذه الصادرات (45 %). “بفضل هذا النمو، تظل الجزائر رائدة بين مستوردي زيت فول الصويا الروسي للعام الثاني على التوالي، فهي تمثل ما يقرب من (30 %) من المبيعات الخارجية. وفي عام 2021، تم توريد أربعة آلاف طن من عباد الشمس، وثلاثة آلاف طن من زيت بذور اللفت إلى الجزائر.

كما زادت روسيا صادراتها من الحمص المجفف، ورقائق البطاطس، والحبيبات، والدخان إلى الجزائر في عام 2022، بنسبة (180 %)، لتصل إلى 9400  طن، و10 أضعاف إلى 460 طنًا، و23 مرة إلى 1300 طن (من 56 طنًا) على التوالي. تضاعفت القيمة الإجمالية للصادرات الزراعية الروسية إلى الجزائر في عام 2022 للعام الثاني على التوالي، رغم عدم توافر أرقام فعلية. وقال المركز إن المنتجات الواعدة الرئيسة للتصدير إلى الجزائر في السنوات القليلة المقبلة هي الزيوت النباتية (فول الصويا، وعباد الشمس)، والحبوب، والبقوليات، والخميرة، وغيرها[8].

إضافة إلى ما سبق، حسب ميشوستين- خلال لقاء مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في يونيو (حزيران) 2023، فإن حجم التبادل التجاري بين روسيا والجزائر عرف نموًا بنسبة (65%) في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أبريل (نيسان) 2023، وأشار ميخائيل ميشوستين، إلى أن التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين يتطور على الرغم من العقوبات ضد روسيا[9].

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع