إستراتيجيات عسكريةمقالات المركز

نحو تفكيك حلف الناتو وبناء تحالفات جديدة

العلاقات الأوروبية- الآسيوية وتحولات النظام الدولي


  • 18 يناير 2026

شارك الموضوع

يشهد النظام الدولي الاحادي في الوقت الحالي مرحلة تحول جذرية، تتميز بإعادة توزيع القوة بين القارات والدول الكبرى، وبتغير طبيعة التحالفات التقليدية التي سادت بعد الحرب الباردة. ويتجسد هذا التحول في الاختراق الجيوسياسي الذي تقوده مؤخرًا دول مثل كندا، وأستراليا، واليابان، وكوريا الجنوبية، ونيوزيلندا تجاه القارة الأوروبية، وهو حراك لا يقتصر على التعاون التقليدي؛ بل يمثل شراكة دفاعية إستراتيجية قائمة على نقل التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والتمكين الاستثماري نحو القارة الأوروبية. وهو توجه يشير إلى رغبة هذه الدول في بناء منظومة أمنية متبادلة تتجاوز الاعتماد الكلاسيكي على الولايات المتحدة، مما يضع حلف الناتو أمام تحدي “البقاء الوظيفي”؛ حيث بدأت تظهر بوادر تحالفات عسكرية بديلة تتشكل وفقًا لمصالح دفاعية واقتصادية مشتركة؛ مما يمهد الطريق لنشوء نظام عالمي جديد ينهي إرث الحرب الباردة، ويعيد رسم خريطة القوى العالمية خارج الأطر التقليدية المعهودة.

تفكيك حلف الناتو وإعادة هيكلة التحالفات العسكرية

تواجه بنية حلف الناتو اليوم حالة من الاستعصاء الوظيفي ناتجة عن تآكل “التوافق الأيديولوجي” الذي مثّل حجر الزاوية للمركزية الأطلسية إبان الحرب الباردة. ولعل التوجه الأوروبي نحو الاستقلال الإستراتيجي لا يمثل مجرد رغبة في السيادة؛ وإنما هو مؤشر على تفكك الارتباط العضوي بالهيمنة الأمريكية، مما يفتح المجال لبروز تحالفات عابرة للأقاليم تتجاوز الجغرافيا التقليدية. ومع ذلك، فإن محاولة دمج القوى الآسيوية (كاليابان وكوريا الجنوبية) في المنظومة الدفاعية الأوروبية تصطدم بمعضلة التباين النسقي، حيث تفرض الفوارق الأيديولوجية والثقافية بين الذهنية الأمنية الغربية ونظيرتها في الشرق الأقصى عوائق أمام تشكيل “عقيدة دفاعية موحدة”.

إن هذا الحراك لا يشير إلى توسيع للحلف بقدر ما يؤسس لعملية إحلال هيكلي، حيث تُستبدل بالروابط السياسية التقليدية تحالفات تكنولوجية دفاعية نفعية. وبالرغم من صعوبة التفكيك الكلي للناتو نظرًا إلى التعقيدات البنيوية، فإن كثافة التعاون العسكري والتقني بين هذه القوى تفرض واقعًا جديدًا يتجاوز الأطر التاريخية للحلف، ممهدًا الطريق لظهور نظم أمنية مرنة تعيد تعريف مفهوم “الردع العالمي” خارج وصاية القطب الواحد.

تعددية الأقطاب وبنية القوة الدولية

وفق كثير من المفكرين، تجاوز النظام الدولي الراهن مرحلة التنبؤات النظرية ليدخل طور التبلور الهيكلي لرباعية القوى (روسيا، والصين، الولايات المتحدة، وأوروبا)، وهو ما يمثل انتقالًا نسقيًّا من “الأحادية القطبية القسرية” إلى “التعددية القطبية المتوازنة”. يتجلى هذه المشهد في تراجع واضح لنفوذ القوة الأحادية المهيمنة، بل هو نتاج توزع إستراتيجي للقدرات الجيوسياسية والاقتصادية، أدى إلى تآكل قدرة المركز الواحد على ضبط التفاعلات الدولية، فيما يعكس إثبات الواقع لصحة هذه الرؤية الرباعية انزياحًا في ثقل الهيمنة، حيث لم تعد القوة تُقاس بالقدرة العسكرية المنفردة، بل بمدى الاستقلالية الإستراتيجية والقدرة على فرض توازنات إقليمية مستقلة، إيذانًا بنشوء هندسة أمنية عالمية جديدة تتسم بالتنافس البنيوي، وتعدد مراكز اتخاذ القرار الدولي.

التخلص من الهيمنة الصهيونية

من بين التطورات التي تثير الاهتمام وتفتح الطريق أمام تفكك الناتو، هو التوجه المتزايد في أوروبا نحو التخلص من الهيمنة الصهيونية على القرار السياسي في القارة، فقد بدأ الرأي العام الأوروبي يميل -على نحو متزايد- نحو معاداة السامية، وهو ما يشير إلى تراجع الدعم الأوروبي للسياسات الإسرائيلية التي استمرت عدة عقود في منطقة المشرق العربي. يظهر ذلك -بجلاء- في تزايد الابتعاد العسكري والاقتصادي بين الولايات المتحدة وأوروبا، مما يمهد الطريق لتفكيك حلف الناتو تدريجيًّا، ما يعكس بداية انقسام في سياسات التحالفات الغربية. كما تتبنى دول مثل إيطاليا، والدنمارك، واليونان، ودول شرق أوروبا مواقف مشابهة، مما يعزز هذه التحولات في السياسة الأوروبية.

المرحلة القادمة.. انهيار الإمبراطورية الأمريكية؟

تُظهر رغبة كندا، وأستراليا، واليابان، وكوريا الجنوبية، ونيوزيلندا في تعزيز وجودها في أوروبا أنها بدأت تدرك احتمالية انهيار الإمبراطورية الأمريكية على المدى المتوسط. ويُفسر هذا الإدراك بسعي الولايات المتحدة إلى الاستحواذ على كل القارة الأمريكية، ومنها الأراضي التي تحتفظ بها دول مثل الدنمارك؛ غرينلاند، التي تُعد إحدى النقاط الإستراتيجية بالقرب من أوروبا.

المشروع الأمريكي للحدود الجديدة

في سياق آخر، تسعى الولايات المتحدة إلى رسم حدود جديدة على مستوى العالم، من خلال تعزيز سيطرتها على المنطقة الأوروبية والشرق الأوسط، خصوصًا من خلال توسيع حدود ما يعرف بـ”إسرائيل”. يأتي هذا التوسع ليعكس مشروعًا طويل الأمد للهيمنة على المنافذ البحرية الإستراتيجية للمنطقة، وصولًا إلى المحيطات الكبرى. في هذا الإطار، تتبنى إسرائيل سياسات جديدة، مثل الاعتراف باستقلال ما يسمى بـ”أرض الصومال”، وهو ما يضمن لها موقعًا إستراتيجيًّا على البحر الأحمر.

الخاتمة

إن التحولات الإستراتيجية التي تشهدها الساحة الدولية اليوم تعكس عمق التغيرات في بنية النظام الدولي. ومع رغبة دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية في تعزيز وجودها في أوروبا من خلال التعاون العسكري والاقتصادي والبنى التحتية في ظل ابتعاد أوروبا عن الهيمنة الأمريكية، يظهر أن العالم يخطو خطوة نحو مرحلة جديدة من التحالفات الدولية، فيما تشير تغيرات جوهرية إلى أن المستقبل سيشهد تطورات جيوسياسية تفضي إلى ظهور قوى جديدة قادرة على تشكيل ملامح النظام الدولي على المدى البعيد.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع