تقدير موقف

لو أُغلق هرمز والسويس.. من سيتحمل كلفة الحرب فعلًا؟

العدوان على إيران.. من يدفع الثمن؟


  • 6 مارس 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: Bbc

اليوم الجمعة، 6 مارس (آذار) 2026، هو اليوم السابع للحرب الأمريكيةالإسرائيلية على إيران، وبعد ارتفاع أسعار النفط عقب هذه الضربات الهمجية. وفيإطار متابعتي لتأثيراتها وتبعاتها وردود الفعل الدولية المختلفة عليها، وليس فقطالسياسية، وليس فقط على مستوى النخب؛ بل على المستويات الشعبية، استوقفتنيمقاطع تداولتها وسائل إعلام إسبانية، نقلت عنها وسائل إعلام روسية، تظهر ازدحامًاغير معتاد عند بعض محطات الوقود في مدريد، والسبب هو الخوف من نقصمحتمل، وارتفاع حاد في الأسعار حسب ردود الجمهور في الفيديو.

قد تبدو هذه الحادثة حادثة محلية صغيرة، لكنها مع ذلك إذا قرأناها في سياقالأحداث الجارية في منطقتنا، صاحبة النصيب المعتبر من صادرات النفط والغاز، نفهم أنها تعكس حقيقة أوسع تمس الاقتصاد العالمي الذي يعتمد على التدفقاتاليومية من هذين المنتجين المهمين؛ ومن ثم يكفي وقوع توتر قليل في طرق ومساراتالنفط أو الغاز كي يصل القلق بسرعة كبيرة إلى محطات الوقود في أوروبا مثلًا.

إن هذه الصورة الصغيرة التي رسمتها في مقدمة هذا المقال تختصرمنوجهة نظري جوهر المسألة؛ ففي الحروب الحديثة، ومن تجربة حرب أوكرانيا، تعلمناأن السؤال الأهم لا يكون دائمًا من يطلق الصاروخ؟ بل أين تمر الطاقة؟

التركيز خلال هذه الفترة القصيرة من عمر الحرب موجه إلى مسألة الضرباتالعسكرية المتبادلة، والتصعيد الإقليمي الجاري وآفاق تطوراته، لكن تأثيرها الحقيقيقد يظهر في مكان آخر تمامًا، مثل الحادثة أعلاه، فالممرات البحرية التي يمر عبرهاالنفط والغاز، وحركة التجارة الدولية، هي ما يقوم عليها الاقتصاد العالمي.

وعلى رأس هذه الممرات من حيث الأهمية يأتي مضيق هرمز وقناة السويس. مضيق هرمز يمر عبره أكثر من 20 % من صادرات النفط العالمي اليومية، وقناةالسويس 12% من حركة التجارة الدولية.

وإذا تحدثنا على نحو أكثر تفصيلًا، فستقول لنا الإحصاءات الدولية المعتمدةإن مضيق هرمز يمر عبره يوميًّا بين 20 و21 مليون برميل من النفط، أي نحو خُمسالاستهلاك العالمي، كما تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال منالخليج العربي، ومن المعروف أن حصة قطر من صادرات الغاز الطبيعي المسالعالميًّا تشكل قرابة 20%؛ ومن ثم تجعل هذه الأرقام، التي لا خلاف بشأنها، المضيقأكثر نقاط الطاقة حساسية في العالم.

لكن الحديث عن إغلاقه بالكامل يبدو مبالغًا فيه، على الأقل حتى الوقت الحالي، فالمضيق على الرغم من كل ما تتناقله وسائل الإعلام من استهداف وضرب بعضالناقلات فيه يخضع لوجود بحري دولي كثيف، كما أن القوى الصناعية الكبرى فيالعالم، مثل الصين والهند، تعتمد عليه مباشرة، وليس من مصلحة إيران في الوضعالحالي إلحاق ضرر كبير ببكين، أو نيودلهي؛ لذلك فالسيناريو الأكثر واقعية يظل ليسالإغلاق الكامل، ولكن رفع مستوى المخاطر فيه على نحو حاد.

وفي هذه الحالة قد لا يتوقف المرور عبر المضيق، لكنه يصبح أكثر تكلفة. ومنالمعروفحسبما تقول لنا التحليلات المتخصصة أن مناطق النزاع عادة ترتفع فيهاأقساط التأمين على السفن من أقل من 0.05% من قيمة السفينة إلى أكثر من 1%. وهذه النسبة إذا ترجمناها إلى لغة الأرقام بالنسبة لناقلة نفط عملاقة مثلًا، فإن ذلكقد يعني زيادة في قيمة التأمين قد تصل إلى نحو مليون دولار في الرحلة الواحدة؛ ومن ثم فزيادة تكلفة النقل تنعكس أو تنتقل سريعًا على أسعار النفط ومشتقاته، وبالتالي على المستهلك النهائي عندما تصل إليه.

وإذا كان مضيق هرمز هو قلب تجارة النفط العالمية، فإن البحر الأحمر وقناةالسويس يمثلان الشريان الذي يربط آسيا بالاقتصاد الأوروبي، ومن المعروف أنالتجارة الدولية حتى يومنا هذا تتم وتنقل عبر البحر بنسبة 80% تقريبًا.

يوميًّا، يمر عبر مضيق باب المندبوفقًا للأرقام الموثقةمن 6 إلى 7 ملايينبرميل من النفط والمنتجات النفطية في طريقها إلى قناة السويس، كما تمر عبر القناةنحو 12% من التجارة العالمية كما سبق أن أشرت أعلاه.

والقراءة الموضوعية البعيدة عن التهويل للأرقام المذكورة أعلاه تقول إن تعطلهذا المسار لا يعني توقف حركة التجارة العالمية، لكنه يفرض طريقًا أطول حول رأسالرجاء الصالح. وهذا التحويل بدوره يضيف عادة من 10 إلى 15 يومًا إلى زمنالرحلة بين آسيا وأوروبا؛ ومن ثم يرفع تكاليف النقل على نحو كبير.

وأمامنا مثال حي من التاريخ القريب، حيث أظهرت أزمة البحر الأحمر في عام2024 –بسبب هجمات الحوثيينكيف يمكن لتهديد الملاحة أن يغير مسارات التجارةالعالمية؛ فمجرد استهداف السفن أدى إلى انخفاض حركة الملاحة عبر قناة السويسبنحو 50% في بعض الفترات، وهو ما حرم الاقتصاد المصري من عائدات كبيرةومهمة، في حين تراجعت حركة سفن الحاويات بأكثر من 70% مقارنة بمستويات ماقبل هذه الأزمة.

نعم، لم تُغلق القناة رسميًّا، لكنها تعطلت عمليًّا، وتراجع دخلها تراجعًا حادًّا.

وفي ضوء أننا نتحدث عن الحرب على إيران ومساراتها وسيناريوهاتها، تزداداحتمالية توسع الحرب بدخول الحوثيين على الخط؛ ومن ثم ستعود معادلة المضايقلتتقدم المشهد.

وما يجعل هذا السيناريو أكثر واقعية في سابع أيام العدوان الأمريكيالإسرائيلي على إيران هو احتمال أن تتسع الحرب إقليميًّا بالفعل، فبعد فتح جبهةحزب الله في لبنان، تشير بعض التقديرات إلى احتمال دخول الحوثيين في اليمن إلىما يمكن وصفه بمرحلة ثالثة من التصعيد الإيراني المقابل.

وأهمية هذا الاحتمال لا تكمن فقط في البعد العسكري الذي يمثله، ولكن فيالجغرافيا؛ فاليمن يطل مباشرة على الضفة الشرقية لمضيق باب المندب، ومن المعروفأن هذا المضيق الضيق يعد إحدى أهم نقاط الاختناق في حركة التجارة العالمية بينالشرق والغرب.

وتجربة السنوات الماضيةكما أشرت أعلاه إلى أزمة 2024 مثالًا أظهرت أنالهجمات بالصواريخ والمسيرات يمكن أن تقلص حركة الملاحة حتى دون الحاجة إلىبسط السيطرة العسكرية الكاملة على المضيق.

بعبارة أخرى نقول: لا يحتاج البحر الأحمر إلى إغلاق رسمي لكي يتحول إلىممر خطر.

وفي هذا السياق، وجدت في إطار المتابعة أن بعض مراكز الدراساتالإستراتيجية المحترمة، التي يمكن الاعتداد بما تنشره، بدأت تتحدث عن سيناريويمكن وصفه بـالطوق البحري“. والفكرة هناحسبما فهمت تقوم على الضغطالمتزامن على ثلاث نقاط بحرية رئيسة في المنطقة، وهي مضيق هرمز في الخليجالعربي، ومضيق باب المندب في البحر الأحمر، والمنطقة الثالثة هي شرق المتوسط.

والهدف في مثل هذا السيناريو ليس إغلاق هذه الممرات بالكامل، فليس هناكحاجة إلى ذلك مع توفر وسائل الهجوم الحديث، مثل المسيرات الانتحارية، القليلةالتكلفة والشديدة التأثير والفعل، ولكن رفع مستوى المخاطر فيها كلها بالتزامن، أيفي المناطق الثلاث في الوقت نفسه. بمعنى أنه إذا تعرض ممر واحد للاضطرابيمكن للسفن التحول إلى مسارات بديلة، لكن إذا تعرضت الممرات الرئيسة كلهاللضغط في وقت واحد، تصبح عندئذ خيارات التحويل محدودة، وعند هذه النقطةترتفع تكاليف الطاقة والنقل بسرعة.

بالطبع علينا أن نشير إلى أن تنفيذ هذا السيناريو ليس سهلًا؛ فهو يتطلبتنسيقًا عسكريًّا معقدًا، كما أنه قد يدفع القوى البحرية الكبرى إلى تدخل واسعلحماية الملاحة؛ لذلك يبقى الاحتمال الأكثر واقعية هو تعطيل جزئي أو متقطع، وليسإغلاقًا كاملًا ومستمرًا.

وبالعودة إلى عنوان المقال، من سيدفع الثمن؟ تخبرنا التحليلات أن الإجابة هناليست متساوية؛ فآسيا هي الأكثر انكشافًا لصدمات الطاقة في منطقة الشرقالأوسط؛ لأن نحو 70% من صادرات النفط الخليجي تتجه إلى الأسواق الآسيوية. الهند على سبيل المثال تستورد نحو 85% من احتياجاتها النفطية من الخارج،وارتفاع سعر برميل البترول بمقدار عشرة دولارات فقط يزيد فاتورة وارداتها بأكثر من15 مليار دولار سنويًّا.

أما الصين، فموقفها مختلف، فهي تمتلك قدرة أكبر على امتصاص الصدماتبفضل المخزونات الإستراتيجية التي لديها، والتي يمكن أن تغطي من 60 إلى 90 يومًا من الاستهلاك، حسبما تقول التقارير، فضلًا عن أن لديها خطوط أنابيب برية منروسيا وآسيا الوسطى. ولكنها مع ذلك تبقى عرضة للتأثير غير المباشر المتمثل فيارتفاع تكاليف الطاقة، التي تنعكس مباشرة على الصناعة.

أوروبا، التي بدأتُ المقال بحادثة من إحدى بلدانها، تواجه مشكلة مختلفة، وهيمشكلة الغاز. فبعدما أطلقت النار على قدميها بالتخلي عن الغاز الروسي وإمداداته، وتقليصها إلى أدنى المستويات، خصوصًا عبر الأنابيب، أصبحت القارة العجوزتعتمد على الغاز الطبيعي المسال؛ ومن ثم فإن أي اضطراب في صادرات الغاز منالخليج سوف يرفع أسعار الغاز والكهرباء لكل أنواع المستهلكين، سواء أكانوا مصانعأم مواطنين عاديين.

تبقى الولايات المتحدة الأقل انكشافًا وتأثرًا بهذه التبعات لعدوانها غير المبررعلى إيران، المتسبب في هذا الوضع؛ وذلك لأنها تنتج أكثر من 13 مليون برميل منالنفط يوميًّا. ومع ذلك، يظل ارتفاع أسعار الوقود قضية سياسية حساسة داخليًّا.

في المقابل، قد تحقق روسيا مكاسب سعرية نسبية مع ارتفاع أسعار النفطالعالمية، حتى مع استمرار الخصومات التي تقدمها على صادرتها، خصوصًا للصينوالهند.

وختامًا نقول إن الإغلاق الكامل لمضيق هرمز وقناة السويس في وقت واحد، ومدة طويلة، يظل سيناريو منخفض الاحتمال، لكنه ممكن الحدوث. بالطبع، التعقيداتالعسكرية والتدخل الدولي المتوقع في حالة حدوث ذلك يجعلان تحقيقه أمرًا صعبًا. لكن الخطر الحقيقي مع ذلك لا يكمن في الإغلاق الكامل للمضيق والقناة؛ ولكن فيتحويل هذين الممرين البالغي الأهمية إلى مناطق خطر دائم.

ومع الأخذ في الحسبان أن الاقتصاد العالمي يعتمد على تدفقات يومية تتجاوز100 مليون برميل من النفط لا يحتاج العالم إلى توقف التجارة بالكامل كي يشعربالأزمة وتأثيراتها، يكفيه أن تصبح طرق الطاقة أكثر خطورة، وأعلى تكلفة.

وفي نهاية المطاف قد لا تكون الصواريخ هي من يحدد الكلفة الاقتصاديةللحرب على إيران؛ ولكن المضايق التي تمر عبرها مصادر الطاقة التي يقوم عليهاالاقتصاد العالمي.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع