لقد تسبب الصراع بين روسيا وأوكرانيا حتى الآن في خسارة عشرات الآلاف من الأرواح، وتدمير ممتلكات تقدر بمليارات الدولارات، فضلًا عن الصدمة النفسية التي يعانيها الناس على الجانبين مع استمرار الأزمة. هناك إجماع بين المجتمع الدولي على ضرورة إنهاء هذه الكارثة الإنسانية في أقرب وقت ممكن.
منذ بداية الأزمة، كانت الصين تدعو إلى تسوية سياسية، وتدفع باتجاه محادثات السلام، كما دعت -باستمرار- أطراف الصراع للانخراط في الحوار، من أجل تهدئة الوضع تدريجيًّا قبل التوصل في نهاية المطاف إلى وقف إطلاق نار شامل ومستدام. ويظل موقف بكين من أعنف صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية ثابتًا؛ إذ تؤكد ضرورة احترام سيادة وسلامة أراضي جميع البلدان، ومراعاة مقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، وإعطاء الاهتمام الواجب للمخاوف الأمنية المشروعة لجميع البلدان، ودعم جميع الجهود المؤدية إلى التسوية السلمية للأزمة؛ ولذلك، ترحب الصين بكل الجهود المخصصة للسلام، ومنها الاتفاق الأخير الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وروسيا لتشكيل فريق رفيع المستوى لدعم محادثات السلام. ويشكل الاجتماع بين كبار الوفود الأمريكية والروسية في المملكة العربية السعودية، يوم الثلاثاء، الذي تم فيه التوصل إلى هذا الاتفاق، خطوة كبيرة إلى الأمام في الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع الروسي الأوكراني، الذي سيدخل عامه الرابع خلال أيام.
وقد بُنيت المحادثات في الرياض على مكالمة هاتفية سابقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اتفق خلالها الزعيمان على العمل معًا نحو إنهاء الأزمة عن طريق التفاوض. وقد مكّن هذا الجانبين “من البدء في العمل على مسار لإنهاء الصراع في أوكرانيا في أقرب وقت ممكن على نحو دائم ومستدام ومقبول من جميع الأطراف”.
وقد أثبت الوضع المتطور أن الاقتراح المكون من 12 نقطة الذي قدمته الصين لتعزيز التسوية السياسية للصراع في فبراير (شباط) 2023 موضوعي، وعادل، وعملي، ومن الطبيعي إذن أن ترحب الصين بالتقارب المبدئي بين الولايات المتحدة وروسيا؛ لأنه يتماشى مع مساعيها السلمية.
ولكن هناك مخاوف متزايدة بين الزعماء الأوروبيين والمسؤولين الأوكرانيين من أن الإدارة الأمريكية الجديدة قد تستبعدهم في أي مناقشات بشأن السلام المستقبلي في أوكرانيا، حيث يبدو أن الولايات المتحدة في عجلة من أمرها لإبرام صفقة. ومن المأمول ألا تكتفي الولايات المتحدة بتبادل الأماكن؛ بل تسعى إلى إنهاء الأزمة التي هندستها في أوروبا حتى تتمكن من التركيز على إحداث المتاعب في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وردًا على سؤال في مؤتمر صحفي عادي عما إذا كانت الصين تشعر بالقلق من أن الحل السلمي لقضية أوكرانيا من شأنه أن يحرر الموارد العسكرية الأمريكية للتركيز -على نحو أكبر- على منطقة “المحيطين الهندي والهادئ”، وما إذا كانت الصين تشعر بالقلق من أن هذا قد يبشر بإعادة التوازن على نحو أكثر قوة في آسيا من جانب الولايات المتحدة، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية قوه جيا كون، أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ تشكل أرضًا مرتفعة لتنمية جميع البلدان، ولا ينبغي لها أن تصبح رقعة شطرنج للمواجهة الجيوسياسية.
إذا كان العالم قد تعلم شيئًا من السنوات الأربع الماضية من الصراع، فيجب أن يكون ذلك أن الحرب لا تفيد أحدًا.
ولقد أخذت الصين علمًا بمخاوف الزعماء الأوروبيين، وهي تعتقد أن عملية السلام من دون مشاركة جميع الأطراف المعنية وأصحاب المصلحة لن تكون مستدامة. وقال فو كونغ، الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، يوم الاثنين: “مع تطور الصراع على الأراضي الأوروبية، من الضروري لأوروبا أن تعمل من أجل السلام”. وتأمل الصين أن تتمكن جميع الأطراف من أداء دور بناء في تجميع الظروف اللازمة لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة في أوكرانيا، وأن تعمل معًا لإنشاء إطار أمني متوازن وفعال ومستدام من أجل السلام والاستقرار على المدى الطويل في أوروبا.