تقدير موقفمختارات أوراسية

ما الذي ينتظر روسيا في أذربيجان؟

السلام في جنوب القوقاز


  • 7 فبراير 2024

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: REGNUM News Agency

خاتمة حروب كاراباخ

في 20 سبتمبر (أيلول) 2023، وقع حدث تاريخي، لم يُفهم بعد حجم تأثيره في آفاق جنوب القوقاز، والسياسة الروسية في المنطقة. تم تصفية البؤرة الانفصالية في كاراباخ، المدعومة من أرمينيا بالوسائل العسكرية والدبلوماسية والمالية منذ 32 عامًا، نتيجة لعملية عسكرية تحت اسم “مكافحة الإرهاب”، نفذتها القوات المسلحة الأذربيجانية لمدة يوم واحد. وفي هذا اليوم، استعادت باكو جميع أراضي منطقة كاراباخ، لتتوافق حدود الدولة مع ما ورد في دستور جمهورية أذربيجان. وفي غضون أسبوع، نُزِعَ سلاح فلول القوات المسلحة الأرمينية، وسُحبت إلى أراضي أرمينيا. وهكذا، نجح طرفا التسوية الأرمنية الأذربيجانية في حل “قضية كاراباخ” المتعلقة بمطالبة يريفان بإنشاء دولة أرمنية ثانية على الأراضي الأذربيجانية، مع ضمها لاحقًا إلى أرمينيا. اتخذت السلطات الأذربيجانية إجراءات صارمة لضمان الأمن في كاراباخ، وبدلًا من بدء عمليات عسكرية ضد الجيش الأذربيجاني، أو إعلان “حكومة كاراباخ في المنفى”، أمرت بإعلان إغلاق المشروع الانفصالي في خانَكِندِي- عاصمة كاراباخ- وفق التسمية الأذرية، أو “ستيباناكيرت” وفق التسمية الأرمينية.

وهكذا، في 20 سبتمبر (أيلول) 2023، اختفى مصدر عدم الاستقرار الأساسي في جنوب القوقاز. لم يعد أحد يطلق النار، أو يزرع الألغام في كاراباخ، ولم يعد هناك تهديد دائم باندلاع الأعمال العدائية وتصعيدها إلى حرب واسعة النطاق، وقد انخفض التوتر على الحدود الأرمينية الأذربيجانية إلى الصفر تقريبًا. لقد نشأ وضع جديد تمامًا في المنطقة: “أصبح جنوب القوقاز آمنًا ومستقرًا بنسبة 100 %”. وبطبيعة الحال، لا تزال المخاطر المحتملة قائمة، ولكنَّ طرفي النزاع لم يعودا يملكان الموارد السياسية أو المادية اللازمة لتنفيذها. عامل التهدئة الرئيس هو أن أيًّا من دول المنطقة غير مهتمة بحروب جديدة، بعضها مع بعض. لا تطالب أذربيجان بأراضٍ في أرمينيا، وقد تخلت أرمينيا عن مطالباتها بأراضٍ في أذربيجان (مع أن هذه المطالبات لم تُحذَف بعد من الدستور الأرميني)، وليس من المنطقي لإيران مهاجمة أذربيجان؛ لأنها حليف لروسيا وتركيا، كما أن جورجيا لن تجرؤ أبدًا على القتال مع روسيا. نعم، لم يتم التوقيع بعد على معاهدة السلام بين أذربيجان وأرمينيا، ولم تُفتَح الحدود الأرمينية الأذربيجانية والأرمنية التركية بعد، لكن هذه القضايا الثنائية لا تشكل مشكلة على مستوى المنطقة. حتى لو لم يكن الأمر كذلك بحكم الأمر الواقع، فإن جنوب القوقاز أصبح الآن منطقة مسالمة.

إن السلام في جنوب القوقاز هو ما تسعى إليه روسيا منذ ثلاثة عقود. مع أن هذا السلام له ثمنه الخاص، وهو تعزيز مؤقت للاتجاهات المعادية لروسيا في أرمينيا، ولكن في توازن السياسة الخارجية للاتحاد الروسي، الهدوء يعني- بلا شك- مكسبًا جيوسياسيًّا وجغرافيًّا واقتصاديًّا. والآن بعد أن اكتملت المهمة، حان الوقت لتلخيص إنجازات فترة الصراع، وتحديد التعديلات التي قد تحتاج إليها السياسة الروسية فيما يتعلق بالتغيير الجذري في الواقع. إذا كان لا يزال هناك كثير من العمل الذي يتعين القيام به في العلاقات مع أرمينيا لإزالة الشكوك، وإعادة بناء المستوى السابق للعلاقات، ففي الاتصالات مع أذربيجان، التي انتصرت في حرب كاراباخ ليس فقط لنفسها، ولكن أيضًا للمنطقة بكاملها، فإننا يمكننا الآن أن نتحدث بثقة عن آفاق تعاون الحلفاء في العصر التاريخي الجديد.

العلاقات الروسية الأذربيجانية

كيف تدخل أذربيجان العصر التاريخي الجديد لجنوب القوقاز من وجهة نظر مصالح الاتحاد الروسي؟ أولًا: هذه دولة صديقة لروسيا، وحليف موثوق به، وخالٍ من المشكلات. ثانيًا: إنها دولة مستقلة حقًّا، تبني سياستها الخارجية وفق المصالح الوطنية. ثالثًا: إنها مشارك مسؤول ورصين في العلاقات الدولية، وتفي دائمًا بالتزاماتها. وأخيرًا، فهي شريك اقتصادي ثري. تحدد جميع العوامل السابقة معًا مدى التآزر بين السياسات الإقليمية الروسية والأذربيجانية، لكن دعونا ننظر إليها بمزيد من التفصيل.

السيادة هي الأساس الأساسي لسياسة الدولة الحديثة لجمهورية أذربيجان. وعلى عكس كثير من الدول ذات الحجم المماثل، التي تفضل دور التابع للقوى الإقليمية والعالمية، تسعى باكو- جاهدة- إلى الحفاظ على الاستقلال في جميع اتصالاتها الخارجية. تفضل الجمهورية التفاعل مع جميع الشركاء من خلال العلاقات الثنائية المباشرة، وتشارك فقط في تلك المنظمات الدولية التي تهدف إلى التعاون الاقتصادي، والتي ليس لها آثار سياسية يفرضها المشاركون المؤثرون. بالإضافة إلى ذلك، في حالة الهياكل الاقتصادية، تضع أذربيجان فوائدها الخاصة من العضوية. على سبيل المثال، لم تدخل بعد في منظمة التجارة العالمية؛ لأن شروط عضويتها لا تتلاءم مع مصالحها.

لا تمتلك أذربيجان خططًا توسعية، ولا تحلم بـ”التوجه” السياسي نحو الغرب، كما حدث في عدد من أنظمة دول ما بعد الاتحاد السوفيتي. تريد الجمهورية أن تعيش بسلام “في الداخل”، وفي سلام مع جيرانها الكبار (روسيا وتركيا وإيران)، وجيرانها الصغار (جورجيا وأرمينيا)، وجيرانها الأقرب (دول آسيا الوسطى)، وتطوير اتصالات تجارية متبادلة المنفعة مع جميع الشركاء الخارجيين. تعمل أذربيجان على الحفاظ على هويتها الوطنية وتطويرها، بدلًا من محاولة أن تجد نفسها داخل بوتقة صراع الأيديولوجية، مثل الدول ذات البنية الضعيفة. هذه هي سيادة الدولة الصحية: “تتمتع بكل ما تحتاج إليه للحياة المستقلة (بما في ذلك القدرة على حماية نفسها من الهجمات الخارجية)، ولا تحتاج إلى حماية شخص آخر”.

أما روسيا، فتعد سيادة الدول إحدى القيم الأساسية لشركائها في السياسة الخارجية؛ لأنه من المستحيل بناء علاقات مستقرة مع الدول التابعة؛ لأنها تتحرك حيثما تهب الرياح السياسية للدولة الراعية، فالتفاوض معها وإبرام الاتفاقيات هو مضيعة للوقت والجهد؛ لأنها ليست في واقع الأمر مخولة بمناقشة موضوعات العلاقات الدولية، وتنقل كل المسؤولية عن أقوالها وأفعالهاا إلى الأصيل الذين تتبعه. إن الاستقلال في السياسة الخارجية هو ما تدعو إليه موسكو جميع دول العالم، معتبرة ذلك مفتاح التوازن الجيوسياسي العالمي. وفي أذربيجان تجد روسيا تطبيقًا مثاليًا لنموذج السيادة المناسب للدول الصغيرة.

إن الرصانة والمسؤولية هما السمة الثانية لسياسة الدولة الأذربيجانية، التي تسعى إلى التركيز على حماية السيادة. وتقيّم باكو قدراتها (سواء القيود المفروضة عليها، أو إمكاناتها للتنمية) وموقعها على مفترق الطرق لمصالح القوى الإقليمية والعالمية. لا تتورط السلطات الأذربيجانية في عمليات الاحتيال السياسي التي يقوم بها أشخاص آخرون، حيث سيتعين عليهم- عاجلًا أو آجلًا- الوقوف إلى جانب واحد، فهي تلتزم بصرامة بمعايير القانون الدولي، وتعرف كيفية إيجاد حلول وسط في اتصالاتها مع البلدان المتعاونة، وأهم من ذلك أنها تنفذ الاتفاقيات التي يتم التوصل إليها، وهو ما يعني سياسة خارجية يمكن التنبؤ بها.

منذ أكثر من 30 عامًا، ومع وصول الزعيم الوطني حيدر علييف إلى السلطة، اعتمدت الجمهورية على إنشاء أكبر عدد ممكن من العلاقات الاقتصادية ذات المنفعة المتبادلة مع القريب والبعيد في الخارج قدر الإمكان، وأظهرت- على مدى هذه العقود- أنها شريك موثوق به، ومستقر. كما لا يؤثر الوضع السياسي في تعاون أذربيجان مع الشركاء الاقتصاديين. على سبيل المثال، بعد حرب كاراباخ، تعمل باريس باستمرار على تفاقم العلاقات مع باكو من أجل أصوات الجالية الأرمينية، لكن شركة “توتال إنيرجي” الفرنسية تواصل العمل في الحقول الأذربيجانية. وفي الاتحاد الأوروبي ككل، يمكن للمرء أن يلاحظ “انقسام الآراء” فيما يتعلق بأذربيجان: “المفوضية الأوروبية تُشيد باستيراد الغاز الأذربيجاني، والبرلمان الأوروبي والجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا غاضبان بشأن تصرفات باكو المستقلة عن رغبات بروكسل”.

أما روسيا، فتعد المسؤولية سمة قيّمة أخرى للدول الأجنبية التي تتعامل معها. إن طبيعة علاقات السياسة الخارجية الطبيعية هي امتثال الأطراف لالتزاماتها- سواء بموجب القانون الدولي، أو بموجب الوثائق الثنائية والمتعددة الأطراف. ومن المؤسف أن سيادة الدولة لا تعني موثوقيتها، أو على الأقل عقلانيتها في اتصالاتها الخارجية، كما نرى في مثال الولايات المتحدة. وفي حالة أذربيجان، يمكن لروسيا أن تكون واثقة من أن جميع الاتفاقيات الرسمية وغير الرسمية المبرمة ستُنفذ. وليس هناك أي شك في أن باكو لن تشارك في الحملات المناهضة لروسيا، وتعرض للخطر مجموعة كاملة من الفوائد من تحالفها مع الاتحاد الروسي.

إن القدرة الاقتصادية لأذربيجان تنبع- إلى حد كبير- من تفكيرها الرصين ومسؤوليتها. ميزة الجمهورية هي ثرواتها الهيدروكربونية، ومع ذلك، فإنها- أولًا- لا تزال بحاجة إلى تسليمها للمشترين، وثانيًا: موارد النفط والغاز قابلة للنفاد، ومن أجل استقرار الاقتصاد، من الضروري تنويعه على أوسع نطاق ممكن. ولحل هاتين المشكلتين، تبادر السلطات الأذربيجانية إلى تنظيم مشروعات بنية تحتية كبيرة على المستوى الدولي وتنفيذها. يصل الغاز الأذربيجاني إلى إيطاليا ومنطقة البلقان من خلال ممر الغاز الجنوبي، ويصل النفط الأذربيجاني إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​من خلال خط أنابيب باكو- تبليسي- جيهان، وكلاهما من مشروعات باكو في القرن الحادي والعشرين.

تعمل أذربيجان بنشاط على تطوير إمكاناتها، بدلًا من انتظار أن يأتي إليها الناس بالمقترحات والتمويل. وبفضل هذا، يمر طريقان لوجستيان عالميان عبر أراضي الجمهورية اليوم: “ممر الشمال- الجنوب”، الذي يمنح روسيا إمكانية الوصول البري إلى إيران وباكستان (والوصول البحري إلى الهند عبر المواني الإيرانية)؛ والشرق والغرب، مما يسمح للصين وآسيا الوسطى بنقل البضائع إلى تركيا وأوروبا. تفي باكو بالتزاماتها بالكامل، وقبل الموعد المحدد. على سبيل المثال، بُنِيَ بالفعل الجزء الأذربيجاني من خط السكة الحديد لممر النقل الدولي “ممر الشمال- الجنوب”، ولم يُؤجَّل الإطلاق إلا بسبب التأخير الإيراني. وفي الاتجاه الشرقي الغربي، تعمل أذربيجان على تطوير مشروع “الممر الأوسط”، الذي يتشكل الجزء التشغيلي منه عبر خط السكة الحديد باكو- تبليسي- قارس؛ ومشروع ممر زانجيزور، ومن المقرر أن يكتمل القسم الأذربيجاني منه في صيف عام 2024.

فيما يتعلق بروسيا، فإن الجدوى الاقتصادية لأذربيجان ذات قيمة خاصة، حيث إن مساحة التفاعل في مجال الأعمال آخذة في الاتساع. استثمرت أذربيجان أكثر من مليار دولار في الشركات الروسية، واستثمرت الشركات الروسية أكثر من 4 مليارات دولار في المشروعات الأذربيجانية. وينمو حجم التجارة بمعدل مزدوج الرقم: “في عام 2022 بلغ النمو 23.9 % (ليصل إلى 3.71 مليار دولار)، وفي عام 2023- 17.5 % (ليصل إلى 4.358 مليار دولار)، وثلاثة أرباعها تعود إلى الصادرات الروسية. لقد تجاوز عدد المشروعات المشتركة والشركات الروسية العاملة في أذربيجان الـ1000. ومن المهم جدًّا أن تنفذ باكو الجزء الخاص بها من المشروعات التي أُطلِقَت على نفقتها الخاصة، ولا يتعين على روسيا مساعدتها، كما هي الحال مع إيران في استكمال مشروع سكة حديد رشت في “ممر شمال جنوب”.

إن صداقة أذربيجان مع روسيا هي أيضًا نتيجة للتفكير الرصين والمسؤولية. تقع روسيا وأذربيجان على حدود كل منهما في جنوب القوقاز وبحر قزوين، وتربطهما علاقات عمرها قرون. وخلافًا لجورجيا وأرمينيا المجاورتين، حيث لا تمنع العوامل التاريخية والإنسانية السلطات من السعي إلى الانضمام إلى الهياكل الأوروبية الأطلسية، فإن أذربيجان تنظر إلى روسيا بوصفها شريكًا طبيعيًّا ذا أولوية. ومن السمات المميزة للجمهورية اهتمامها باللغة الروسية: “من بين 4.5 ألف مدرسة أذربيجانية، يتم تدريس 340 (أي 140 ألف طفل، نحو 10 % من جميع الطلاب) باللغة الروسية، وفي 3 آلاف مدرسة أخرى تُدَرَّس بوصفها لغة أجنبية؛ يدرس في الجامعات في أقسام اللغة الروسية أكثر من 15 ألف طالب”. وبطبيعة الحال، تضطلع تقاليد التعددية الثقافية الأذربيجانية، التي تتجلى في احترام جميع الجنسيات والأديان واللغات، بدور أيضًا في هذا الأمر، ولكن الإحصاءات المتعلقة بتعليم اللغة الروسية تشير إلى اعتراف قيادة أذربيجان وتشجيعها للمكانة الخاصة لروسيا في العالم الخارجي لعلاقات الجمهورية.

ومن المستحيل عدم ذكر عامل العلاقات الشخصية في ظاهرة صداقة أذربيجان تجاه روسيا. ويبرز التفاهم المتبادل بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس إلهام علييف. إن مفاوضاتهم مكرسة دائمًا للتعاون، وخالية من العناصر المتضاربة. إلهام علييف واصل عمل أبيه حيدر علييف، مؤسس السياسة الخارجية الحديثة لأذربيجان، والتركيز على تعزيز العلاقات مع روسيا هو اختياره، وكان أقوى قرار اتخذه في السنوات الأخيرة هو التوقيع على إعلان التعاون بين روسيا وأذربيجان في 22 فبراير (شباط) 2022. وطوال العشرين عامًا من رئاسة علييف، تصرفت أذربيجان بوصفها شريكًا وحليفًا موثوقًا به لروسيا.

الآفاق السلمية

ما الذي ستعمل عليه موسكو وباكو الآن بعد حل “قضية كاراباخ”، والانتخابات الرئاسية المقبلة في روسيا وأذربيجان في فبراير (شباط) ومارس (آذار)؟ وبما أن كلتا الدولتين مستقرة، ومن المرجح جدًّا أن تظلا مستقرتين في فترة ما بعد الانتخابات، فإن الأولوية الأولى ستكون مواصلة تنفيذ مجموعة خرائط الطريق لاتفاقياتهما الثنائية لعام 2018، وأحكام إعلان التعاون بين الحلفاء. وقد تأكدت مؤخرًا موثوقية العلاقات بين البلدين في عصر السلام في جنوب القوقاز من خلال التوقيع في باكو على “خريطة طريق” اقتصادية، واجتماعية، وإنسانية أكثر تفصيلًا تحدد خطة للتعاون في الفترة من عام 2024 إلى عام 2026.

تُظهر “خريطة الطريق” الجديدة اتساع العلاقات الاقتصادية الروسية الأذربيجانية: “ستدعم الحكومتان التعاون الثنائي في الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وفي الإنتاج الصناعي (في المقام الأول النفط والغاز والهندسة الزراعية)، وفي التصدير والاستيراد المتبادل للمواد الغذائية، والمنتجات الزراعية الأخرى؛ من أجل تحسين أسواق المبيعات، وزيادة التدفقات السياحية بشكل متبادل”. كما ستُدعَم الاتصالات بين رواد الأعمال في كلا البلدين من خلال تنظيم بعثات الأعمال، والمنتديات الإقليمية. ومن المخطط أيضًا زيادة عدد الطلاب الأذربيجانيين في الجامعات الروسية، وإجراء دورات تدريبية متقدمة لمعلمي المدارس، ومجموعة كاملة من الفعاليات الرياضية والشبابية، وزيادة اهتمام الوزارات المعنية بتطوير المشروعات المشتركة في مجال الثقافة، والتعليم المهني.

هناك موضوع منفصل في الآونة الأخيرة؛ هو الانتهاء من العمل في مشروعات البنية التحتية العالمية. وبينما تستعد إيران- بمساعدة روسية- لبناء قسم السكك الحديدية بين آستارا ورشت، ستشارك روسيا وأذربيجان في إعادة بناء نقاط التفتيش الحدودية والبنية التحتية للطرق المجاورة، بحيث تزيد قدرة الطرق في ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، ليكون لديه احتياطي للمستقبل. وفي الوضع مع ممر زانجيزور، سيؤثر الطرفان- بشكل مشترك- في أرمينيا، التي لم تبدأ بعد ببناء قسمها عبر ميغري، وسيتحكمان في بناء الجسور على القسم الإيراني. اليوم، أصبحت القدرات اللوجستية لأذربيجان لتصدير البضائع واستيرادها أكثر أهمية لروسيا من أي وقت مضى. إن إطلاق ممر زانجيزور، وتحسين طريق باكو- تبليسي- قارس، يسمح بإنشاء طريق عالمي جديد بين الشمال الغربي.

وفي المجال السياسي، سيتعين على موسكو وباكو إقناع يريفان بالتوقيع على معاهدة سلام. وهنا، كما هي الحال في الاقتصاد، تتطابق مواقف روسيا وأذربيجان، ويمكن الحكم على التصريح الأخير لرئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان عن ضرورة تعديل الدستور الأرميني (الذي يتضمن مطالبات بحق كاراباخ) بأن جهودهما المشتركة تؤتي ثمارها. وتتولى روسيا مهمة ضبط الميل المفرط للسلطات الأرمينية تجاه الغرب، وتضمن باكو مساعدة موسكو في الدفاع عن نتائج حرب كاراباخ، كما تضمن موسكو مساعدة باكو في الحرب ضد النزعات المناهضة لروسيا في المنطقة.

لم يُفهَم بعد النظام السلمي للوجود في جنوب القوقاز. وبطبيعة الحال، لن تكون الأوضاع الحالية بمنزلة
“نهاية التاريخ” التي نراها بعد نهائيات سنوات طويلة من المواجهات. ويجدر بنا أن نذكر اكتمال المرحلة الانتقالية في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي في المنطقة، حيث حُيِّدَ حقل الألغام السياسي الذي زُرع في العهد السوفيتي، ولكن هذه ليست النهاية؛ بل بداية لحياة أفضل. تحدد الأسس الأساسية لمسارات السياسة الخارجية لروسيا وأذربيجان الاتجاه البناء الحصري لتطوير العلاقات بينهما، ولا بد من حماية هذه العلاقات؛ لأن القوى من خارج المنطقة لن تتخلى عن محاولاتها إعادة تشكيل جنوب القوقاز، ولكن موسكو وباكو معتادتان الدفاع عن المصالح الوطنية، ومصالح حلفائهما.

المصدر: المجلس الروسي للعلاقات الخارجية

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع